د.أروى محمد الشاعر*
أنا فلسطينية، لكنني حين أقول هذه الجملة لا أقولها وحدي، بل أقولها بصوتٍ يحمل أصوات إخوتي أيضاً: وفاء، وعالية، ووفيق، ورامي، فنحن جميعاً أبناء الحكاية نفسها، أبناء مدينة لم نولد فيها معظمنا، لكنها وُلدت فينا منذ الطفولة. ليست هذه كلمة تعريف عابرة، بل بابٌ لحكاية طويلة بدأت قبل أن نولد بسنوات، وربما قبل أن يولد الحنين نفسه في قلوبنا. بدأت الحكاية في مدينة اسمها يافا؛ مدينة لم نفتح أعيننا فيها أطفالاً، ولم تمشِ أقدامنا في شوارعها صغاراً، ومع ذلك كنا نعرفها كما يعرف الإنسان ملامح وجهه في المرآة. عرفناها لأننا وُلدنا من قصصها، ولأن اسمها كان يتردد في بيتنا كما يتردد اسم الأم في قلب طفل.
هناك، في يافا، بدأت قصة أمي وفيقة وأبي محمد. كانا طفلين حين تعارفا، يكبران معاً في الأزقة التي كانت تفوح برائحة البحر والبرتقال. كانت المدينة آنذاك تعيش حياتها كما تعيش المدن التي لا تتخيل أن التاريخ قد يطرق بابها بعنف. البيوت مفتوحة على كرم الضيافة وضوء الشمس، والشرفات تطل على زرقة البحر، وأشجار البرتقال تملأ الهواء بعطرها الكثيف حتى يبدو كأن المدينة كلها تتنفسه. في تلك المدينة كبر حبّهما كما تكبر شجرة زيتون في أرض فلسطين، ببطءٍ صبور، بجذورٍ تضرب عميقاً في التراب، وبعمرٍ لا تخيفه العواصف. كان حباً هادئاً وعميقاً يشبه الأرض نفسها.
كان أبي شاباً مولعاً بالفن، يرى العالم بعين رسام، ويصغي إلى الموسيقى في كل شيء. أنهى دراسته في الكلية الإبراهيمية في القدس، ثم سافر إلى الإسكندرية ليدرس الهندسة المعمارية. لم يكن يرى العمارة مجرد علم، بل فناً آخر للرسم، غير أن الريشة فيه تُستبدل بالحجر. وكان يؤمن أن الجمال يمكن أن يُشيَّد كما تُشيَّد المدن؛ حجراً فوق حجر، وحلماً فوق حلم. قبل أن يسافر وعد أمي وعداً بسيطاً لكنه كان يشبه قصيدة: أن يعود يوماً ليبني لها أجمل بيت في يافا، بل أجمل قصر، وأن يجعل مدينتهما أكثر جمالاً مما كانت. لكن القدر لا يستأذن الأحلام. بعد سنتين فقط جاءت النكبة، وفي لحظة واحدة تبدّل كل شيء. تحولت المدن والأحلام إلى جراح مفتوحة. ترك أبي كلية الهندسة التي أحبها، وترك الرسم والموسيقى، وانضم إلى جيش الإنقاذ. هكذا تحوّل الفنان إلى مقاتل، والطالب إلى ضابط يحمل السلاح بدل الريشة. لاحقاً تابع طريقه في الهندسة العسكرية وعلوم السياسة حتى أصبح دكتور دولة في العلوم الهندسية العسكرية وكاتباً سياسياً وعسكرياً وضابطاً كرّس حياته للدفاع عن وطن لم يعد يستطيع أن يعيش فيه.
أما أمي فقد غادرت مع أهلها يافا كما يغادر الإنسان روحه. لم يكن خروجاً عادياً، بل اقتلاعاً كاملاً من الأرض والذاكرة معاً. تركت بيت الطفولة وصوت البحر الذي كان يوقظ الصباحات، وتركت الأزقة التي كانت تعرف خطواتها. تفرقت العائلات الفلسطينية يومها كما تتناثر أوراق الزيتون في ريحٍ عاتية؛ كل ورقةٍ تسقط في أرض بعيدة لكنها تظل تحمل رائحة الشجرة التي جاءت منها. غادر أهل أمي وأبي بعضهم إلى الأردن، وبعضهم إلى سوريا، وبعضهم إلى لبنان، وآخرون إلى الكويت والسعودية. احتضنتهم المدن العربية بكرمها، لكنها لم تستطع أن تعيد لهم مدينتهم.
في ذلك الشتات عشنا نحن الأخوة: وفاء، وعالية، ووفيق، ورامي في سوريا، لكن الحقيقة أن طفولتنا جميعاً كانت تسكن يافا. كنا نعرف المدينة رغم أننا لم نرها قط، كنا نعرف أسماء أحيائها وشوارعها، ونعرف البحر الذي كان أبي يصفه لنا كأنه صديق قديم ينتظر عودته، ونعرف الأزقة وأشجار البرتقال التي كانت أمي تقول إن رائحتها كانت تملأ الصباحات في الربيع. كبرنا ونحن نحفظ المدينة من القصص، وكبرنا على حلم العودة. نعم، ولدنا خارج فلسطين، لكن فلسطين كانت تكبر فينا نحن الخمسة مع كل يوم، كانت تكبر مع كل حكاية يرويانها أمي وأبي ومع كل ذكرى يستعيدانها بصوتٍ يمزج بين الحنين والصبر.
أحببنا سوريا كثيراً، وكيف لا نحبها وقد احتضنتنا كما تحتضن الأم أبناءها الضائعين. كنا نشعر أننا ما زلنا في بيت واحد كبير اسمه بلاد الشام، ذلك البيت الذي كان واحداً قبل أن تأتي خطوط سايكس/بيكو لتقسم الجسد الواحد إلى خرائط وحدود. ثم أخذتنا الحياة إلى أوروبا، وهناك درست أمي الأدب الروسي في جامعة صوفيا وتخرجت بتفوق وهي أم لخمسة أبناء. كبرنا نحن الإخوة بين لغات وثقافات ومدن كثيرة، عشنا في سوريا، وفي أوروبا، وفي أميركا، وفي الكويت ودبي ،وتعرّفنا إلى شعوب كثيرة، واكتشفنا شيئاً بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه: أن الإنسان يشبه الإنسان أينما كان. لقد تعلمنا من أبي وأمي أن نحب الإنسان قبل كل شيء، وأن نرى في شعوب العالم كلها وجوهاً مختلفة للعائلة الإنسانية نفسها. علمانا أن المأساة لا يجب أن تجعل القلب قاسياً، بل أوسع، وأن الفلسطيني الذي يعرف معنى الفقد يعرف أيضاً معنى الرحمة.
لكن رغم كل ذلك ظل في داخلنا شعور لا يفارقنا؛ شعور غامض يشبه ظلاً طويلاً يمشي معنا أينما ذهبنا. كنا نعيش في مدن كثيرة ونحب ناسها، لكن شيئاً عميقاً في داخلنا كان يقول دائماً إن جذورنا ليست هنا تماماً، وإن جزءاً من أرواحنا ما زال معلقاً في مكان بعيد، في فلسطين ومدينة اسمها يافا.
ومع السنوات اكتشفنا أن الفلسطيني حين يُحرم من أرضه يبدأ بالبحث عن الوطن في الذاكرة. هكذا بدأت رحلتي مع تراث فلسطين، رحلة لم تكن تخصني وحدي بل كانت امتداداً لذاكرة عائلتنا كلها. بدأت أجمع أثوابنا الفلسطينية، أثواب جداتنا، أثواب القرى، ثمانمئة قرية فلسطينية، التي لم يبق الكثير منها اليوم إلا الاسم، لكن أسماءها بقيت محفوظة في التطريز الذي خاطته النساء بصبر يشبه الصلاة. صرت أعيش بين هذه الأثواب كما يعيش الإنسان بين المدن؛ كل ثوب يحمل قرية، وكل غرزة تحمل هوية. حين أرتدي واحداً من هذه الأثواب أشعر أنني أرتدي قرية، أرتدي ذاكرة، أرتدي تاريخ النساء اللواتي حفظن البلاد بالخيط والإبرة حين عجزت الجغرافيا عن حمايتها.
لكن لحظة أخرى كانت تنتظرني. حين حصلت على الجنسية الأميركية شعر كثيرون أنني حققت إنجازاً جديداً في حياتي، أما أنا فقد شعرت بشيء مختلف تماماً. أدركت فجأة أن تلك الورقة الصغيرة ليست مجرد جنسية جديدة، بل مفتاح لباب ظل مغلقاً طوال حياتنا. فهمت شيئاً واحداً فقط: الآن أستطيع أن أذهب إلى يافا. إلى المدينة التي حكاها لي أبي ألف مرة، وإلى المدينة التي بكتها أمي بصمتٍ طويل. لكن في تلك اللحظة نفسها تسلل إلى قلبي ألم عميق؛ لأن أمي وأبي رحلا عن هذا العالم قبل أن تكتحل عيناهما مرة أخرى بزرقة بحر يافا اللازوردي.
لم أنتظر طويلاً. سافرت إلى فلسطين. وحين اقتربت من يافا شعرت أن قلبي يخفق بطريقة مختلفة. لم تكن مدينة أدخلها للمرة الأولى، بل مدينة أعود إليها بعد غيابٍ لم أعشه أنا وحدي، بل عاشه أبي وأمي قبلي. ثم دخلت. في تلك اللحظة شعرت أن الزمن تباطأ فجأة؛ الأشجار والبيوت والضوء الذي يسقط على الجدران القديمة… كل شيء بدا مألوفاً بطريقة غريبة. لم أستطع أن أمنع دموعي. كنت أمشي في شوارع المدينة وأعرفها رغم أنني لم أزرها من قبل. هنا كان حي المنشية، وهنا حي رشيد، وهناك كانت مدرسة جدي، وفي مكان ما بين هذه الأزقة كان بيت أمي وأبي. لم أكن أبحث عن الأبنية فقط، بل عن الزمن الذي مرّ من هنا. كنت أمشي في الشوارع وأشعر أنني لست وحدي، كنت أحدث أمي وأبي بصوتٍ خافت كأنهما يسيران إلى جانبي: أمي… أبي… لقد عدنا.
ثم وصلت إلى البحر. توقفت فجأة. كان بحر يافا أمامي، لازوردياً كما وصفه أبي دائماً. بقيت واقفة صامتة أراقب الموج وهو يقترب من الشاطئ ثم يعود، كما لو أنه يحكي حكاية قديمة. مددت بصري نحو الأفق وشعرت أنني لا أقف وحدي، كأن أمي وأبي يقفان معي، وكأن إخوتي أيضاً يقفون هناك في تلك اللحظة التي تجمعنا جميعاً حول ذاكرة واحدة. وقفت طويلاً أمام البحر، ولم أشعر أنني وصلت فقط، بل شعرت أن دائرة طويلة من الحنين قد اكتملت أخيراً. هناك، أمام بحر يافا، فهمت شيئاً عميقاً: أن المدن التي نحملها في قلوبنا لا تضيع… حتى لو ضاعت الطرق إليها، وأن بعض المدن لا نولد فيها، بل تولد هي فينا.
وعندها تذكرت كلمات محمود درويش التي تختصر كل هذه الحكاية، وكأنها كتبت من أجل هذه اللحظة:
عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين. سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ
*كاتبة فلسطينية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر