الجمعة , مارس 6 2026
الرئيسية / اراء / الجنرال الذي ابتلع حقيقته!

الجنرال الذي ابتلع حقيقته!

جاسم العزاوي*
وجّه الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، تحذيراً سرياً إلى الرئيس ترامب بصراحة تامة؛ تلك الصراحة التي تعتمد عليها الديمقراطيات وتتجاهلها الإمبراطوريات بشكل روتيني، حيث قال: “ليس لدينا ما يكفي من الذخيرة للفوز بهذه الحرب. لن يكون المشهد جميلاً”. لم يكن هذا التحذير نابعاً من جبن، بل كان الفعل الوحيد المتبقي من الأمانة المؤسسية التي لا تزال تومض داخل أروقة القوة العسكرية الأمريكية.
أما رد ترامب، فكان رد “مهرج سيرك” وليس رداً يليق بالقائد الأعلى للقوات المسلحة. فمن خلال منصة “تروث سوشيال” — تلك المرآة المشوهة للحياة السياسية الأمريكية — استخف بالتحذير بغطرسة البائع المتجول قائلاً: “أوه، لا، لا، لا. إذا فعلناها، فسننتصر بسهولة”. هكذا، تحول التقييم الرصين إلى مجرد عرض ترويجي، وتحول الحذر إلى كذبة.
لكن الكذبة الأكبر جاءت لاحقاً؛ فعندما تسرب تحذير كاين، لم يكتفِ ترامب برفضه، بل قلبه رأساً على عقب. أخبر الجمهور الأمريكي، بثقة رجل لم يُحاسب قط على أي شيء، أن الجنرال قال العكس تماماً — وأن الولايات المتحدة تمتلك الكثير من الصواريخ والذخائر وكل شيء. صرح ترامب قائلاً: “هذا ليس ما قاله على الإطلاق”، واضعاً كلمات الانتصار الزائفة في فم رجل لم يقل سوى التحذيرات.

والجنرال كاين التزم الصمت.
هذا الصمت ليس مجرد حاشية في هذه القصة، بل هو القصة بأكملها. بصمته، سمح كاين للجمهور الأمريكي بامتصاص التزييف وكأنه حقيقة. لم يقل: “لا، سيادة الرئيس، ليس هذا ما قلته”. لم يستحضر القسم الذي أداه، ولا الجنود الذين سيدفعون حياتهم ثمناً للفجوة بين الخطاب السياسي والواقع اللوجستي. لقد اختار سلامة الصمت على خطر الحقيقة، وبذلك، لم يخذل نفسه فحسب، بل خذل الجمهورية هذا هو العفن الكامن في قلب العسكرة الأمريكية.
وكما حذر المؤرخ أندرو باسيفيتش منذ فترة طويلة، أصبح الجيش المحترف أداة للطموح الإمبراطوري أكثر منه مدافعاً عن القيم الديمقراطية، حيث يهتم كبار الضباط بمناصبهم التالية أكثر من اهتمامهم بالدستور الذي أقسموا على حمايته. لم يكن صمت كاين مجرد زلة، بل كان عرضاً لمرض عضال.
إن الصورة اللوجستية التي وصفها كاين في السر ليست نظرية، فالحسابات لا ترحم. المخزونات الحالية من الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة لا يمكنها تحمل حملة جوية طويلة ضد دولة تبلغ مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة العراق. لقد وثقت صحيفة “وول ستريت جورنال” “فجوة مثيرة للقلق” في مخزونات الصواريخ الأمريكية، مشيرة إلى أن الاحتياطيات “أقل بكثير” من متطلبات العمليات المكثفة والمستمرة. وتم توجيه مقاولي البنتاغون إلى “مضاعفة أو حتى مضاعفة أربع مرات” لإنتاج صواريخ “باتريوت” و”SM-6″ وصواريخ الضربات الدقيقة — وهو اعتراف ضمني بأن الترسانة التي بُنيت لسيناريوهات الحرب الباردة لا تكفي للحرب التي تُخاض اليوم.
تأملوا غزة؛ إسرائيل، القوة العسكرية الأكثر تسلحاً في الشرق الأوسط، مع هيمنة جوية وبحرية كاملة، حولت شريطاً ساحلياً صغيراً إلى مشهد من الدمار يشبه سطح القمر على مدار عامين ونصف، ومع ذلك لم تكسر حماس. طول غزة سبعة وثلاثون كيلومتراً فقط.
أما إيران، فهي أمة تضم تسعين مليون نسمة، ذات تضاريس جبلية، وعمق استراتيجي، وبنية تحتية محصنة، وحرس ثوري متمرس في القتال. إن فكرة انهيارها تحت وطأة بضعة أسابيع من الضربات الجوية الأمريكية ليست استراتيجية، بل هي خيال يرتدي ثوب الحزم.
حذر العقيد دانيال ديفيس في بودكاست (Deep Dive) قائلاً: “ليساعدنا الله إذا استمر هذا، وإذا وصل الأمر إلى أسبوعه الرابع”. كان يتحدث عسكرياً، والصلاة نفسها تنطبق سياسياً.
عندما يلوح ترامب الآن باحتمال إرسال قوات برية، فهو لا يصعد من موقع قوة، بل يرتجل من موقع إنكار. إن الاعتراف بأن القوة الجوية والصواريخ وحدها لا يمكنها تحقيق الهدف السياسي هو اعتراف بأن الهدف الأصلي لم يتم تقييمه بصدق أبداً. هذا هو نمط الحروب الأمريكية في نهاية الإمبراطورية: وعود براقة، وحسابات كارثية، ثم الحساب العسير والمروع الذي يُدفع بالدم من قبل أولئك الذين لم يكن لهم مقعد على الطاولة حيث تُروى الأكاذيب.
التكاليف تتراكم بالفعل — ليس فقط بعملة الذخائر والثروات، بل بالعملة التي تنفقها الإمبراطورية دائماً في النهاية وتندم عليها أكثر من غيرها: المصداقية. إن كلمة أمريكا، التي انخفضت قيمتها بالفعل بسبب عقدين من المبررات المصطنعة للحرب، تزداد رخصاً يوماً بعد يوم.
يمكن للديمقراطيات أن تتحمل سوء الحسابات، ويمكنها أن تتحمل الرؤساء السيئين، لكن ما لا يمكنها تحمله طويلاً هو مأسسة ثقافة تُنطق فيها الحقيقة همساً خلف الأبواب المغلقة وتُبتلع كاملة أمام الكاميرات. عندما يسمح رئيس هيئة الأركان المشتركة باستخدام كلماته كسلاح للدعاية — عندما يرفض الرجل المسؤول عن إحصاء الصواريخ تصحيح الرئيس الذي يتظاهر بوفرتها — فإن شيئاً أكبر من المصداقية العسكرية ينهار.
ما ينهار هو العقد الاجتماعي بين المحكومين وأولئك الذين يرسلونهم ليموتوا.
لم يكن صمت كاين حذراً، بل كان تواطؤاً. وفي ماكينة الإمبراطورية التي تعاني من نقص في الذخيرة ونقص في الصدق، فإن التواطؤ هو المورد الوحيد الذي لا يبدو أنه ينضب أبداً لأنه عندما تنفد الصواريخ في النهاية، لن تعوضها الشعارات.
بل سيعوضها الواقع.
* كاتب واعلامي عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.. من يحمي من؟

محمد عبدالمؤمن الشامي* القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ليست مجرد ترتيبات دفاعية عابرة أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *