حمد حسن التميمي*
عندما يلامس سعر النفط عتبة الـ 150 دولاراً للبرميل، فنحن لا نتحدث عن أزمة تضخم عابرة، بل عن رصاصة رحمة تُطلق على رفاهية ناطحات سحاب نيويورك وتاريخ القارة العجوز المنهك. في اللحظة التي تختار فيها الدوحة مخاطبة المجتمع الدولي عبر منصة ثقيلة كفاينانشال تايمز، فنحن لسنا أمام استعراض للأرقام أو مناورة ديبلوماسية، بل أمام مانيفستو التحذير الأخير الذي يسبق الانهيار الكبير. التحذيرات الصادرة عن قمة الهرم في قطاع الطاقة القطري لم تكن توصيفاً فنياً لتعطل الإمدادات، بل كانت تشريحاً سياسياً لواقع الاستقرار الدولي الذي قرر البعض المقامرة به في مياه الخليج المشتعلة.
نحن لا نواجه اليوم أزمة في تدفق الشحنات، بل نواجه أزمة عقل استراتيجي عالمي استمرأ اللعب بالنار فوق مخازن البارود، متجاهلاً أن الحرائق الجيوسياسية في الشرق لا تحرق أصحاب الجغرافيا فحسب، بل تمتد لتصيب ناطحات سحاب نيويورك بالشلل التام، وتترك القارة العجوز تواجه صقيعاً اقتصادياً وتاريخياً لم تعهده منذ قرون. إن مشهد الملاحة التي ترتعش أمام عبور مضيق هرمز، ومنشآت الطاقة التي تضطر لإعلان القوة القاهرة لحماية كوادرها وأصولها، ليس إلا الفصل الأكثر رعباً في عقيدة هندسة الخنق التي تنتهجها القوى الاستعمارية وأدواتها الوظيفية في المنطقة.
الحقيقة العارية التي وُضعت أمام العالم هي أن الوهم الذي ساد لعقود، بإمكانية عزل صراعات الشرق الأوسط خلف أسلاك شائكة وجغرافيا محاصرة، قد انتهى تماماً. لقد بات واضحاً أن منظومة الأمن القومي في أوروبا، وسلاسل الإنتاج العالمية، مرتبطة عضوياً بسلامة الكادر البشري في حقول الغاز القطرية وبسيادة الممرات الملاحية في البحر الأحمر. هذا الارتباط البنيوي بين استقرار المنطقة وديمومة الحياة في أرقى عواصم العالم هو ما حاول الغرب تناسيه، حتى جاءت لحظة الحقيقة التي لم يعد فيها الصمت خياراً ديبلوماسياً.
هنا تتجلى حكمة الضرورة القطرية في أقصى درجات حزمها؛ فالتلويح بانهيار المنظومة الاقتصادية العالمية ليس من قبيل التهويل، بل هو وضع للقوى الكبرى أمام مرآة انتحارها الاستراتيجي. الرسالة المشفرة المنطلقة من الدوحة تتجاوز رقم الـ 150 دولاراً للبرميل، لتصل إلى جوهر المعضلة: إن الطاقة اليوم هي محرك الوجود السيادي وليست مجرد سلعة خاضعة لقوانين العرض والطلب. وهي رسالة موجهة بوضوح لا يقبل التأويل للمقامرين في واشنطن وعواصم اللقيطة: إذا ارتضيتم دور المحرض أو المتفرج على استنزاف مقدراتنا وتحويل جغرافيتنا إلى ساحة رماية، فاستعدوا لتكونوا أنتم الوقود الأول لنيران الانهيار التي لن توقفها حدود سياسية أو معاهدات دولية متهاوية.
لقد أثبتت هذه اللحظة الفاصلة أن أمن الطاقة هو الدرع الوجودي الأخير، وأن صيانته تتطلب حزماً سياسياً يوازي في قوته الضغط الهيدروليكي في آبار الغاز العميقة. وبينما يحاول البعض تقمص دور عبد القصر المخلص لمشاريع تدميرية تهدف لتفتيت المنطقة وتحويلها إلى مجرد مربعات أمنية لتصفية الحسابات، تختار القيادة القطرية أن تكون حارس الحقيقة الذي يخبر العالم بمرارة بأن استعادة التوازن لن تكون بكبسة زر. فالندوب التي أصابت ثقة الأسواق اليوم، والشرخ العميق في سلاسل الإمداد، هي جروح غائرة في هيكل الاقتصاد الدولي، ستتطلب سنوات من إعادة الهيكلة والإنعاش لتلتئم، حتى لو صمتت أفواه المدافع وتوقفت طبول الحرب غداً.
إن استدعاء مفهوم القوة القاهرة في هذا التوقيت الحرج يتجاوز أبعاده القانونية؛ إنه توصيف سياسي لحالة العجز البنيوي التي وصل إليها النظام العالمي. فعندما تجد الدولة المصدرة نفسها مضطرة لوقف الإمدادات ليس لنقص في الاحتياطات، بل لأن العالم سمح للبلطجة العسكرية أن تعلو فوق سيادة القانون الدولي، فإن النظام العالمي برمته يكون قد وقع شهادة إفلاسه الأخلاقي والسياسي. إننا نعيش إرهاصات إعادة تشكيل النظام القبيح، حيث لم يعد السلاح هو الصواريخ العابرة للقارات فحسب، بل صارت الكلمة الواضحة والموقف الاستراتيجي الصلب هما القوة الحقيقية التي تضع النقاط على الحروف وتكشف عورة التواطؤ الدولي قبل فوات الأوان.
لقد وضعت قطر القوى الدولية أمام معادلة صفرية: إما سلام استراتيجي يضمن تدفق المصالح للجميع، أو انتحار اقتصادي شامل يبدأ من مضايقنا وينتهي في قلب البورصات العالمية. إن التلويح بوقف الإنتاج الجماعي لمصدري الطاقة في الخليج ليس تهديداً إنشائياً، بل هو إقرار بواقع أمني لم يعد يتقبل أنصاف الحلول. فمحركات العالم لا يمكن أن تعمل في بيئة يسكنها الرصاص، والغاز القطري لا يمكن أن يكون ثمناً لصمتنا عن محاولات تقويض استقرارنا الوطني واستنزاف ثروات أجيالنا.
الكرة الآن في ملعب القوى التي ظنت أنها تدير اللعبة من وراء المحيطات؛ فالمصالح الكبرى للشركات العابرة للقارات، والرفاهية الاقتصادية للمجتمعات الغربية، كلها أوراق مبعثرة في مهب الريح القادمة من الخليج. ولم يعد السؤال الجوهري هو متى ستصمت المدافع، بل السؤال هو: هل سيتبقى هناك اقتصاد عالمي قابل للحياة حينما يقرر الخليج، مدفوعاً بحق الدفاع عن النفس، أن يغلق صماماته السيادية؟
فهل يدرك صناع القرار في الغرب أن استقرار الخليج هو صمام الأمان الوحيد والنهائي لما تبقى من النظام العالمي؟ وهل يكفي ناقوس الخطر الذي دق في لندن لإيقاظ ضمير دولي أدمن التبعية للأجندات الصهيونية، أم أننا بالفعل قد تجاوزنا نقطة العودة وبدأنا السقوط الحر نحو الهاوية التي ستعيد كتابة التاريخ من جديد؟
*كاتب قطري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر