الثلاثاء , مارس 10 2026
الرئيسية / اراء / العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترجح كفة المحافظين؟

العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترجح كفة المحافظين؟

 

د. هاني الروسان
تؤكد المعطيات المسربة من داخل أروقة القرار في طهران أن عملية اختيار المرشد الأعلى الثالث للجمهورية الإسلامية قد تجاوزت مرحلة التداول والتشاور لتستقر على اسم محدد، وأصبح العالم على بعد خطوة واحدة من الإعلان الرسمي الذي لم يعد يحول دونه سوى البروتوكولات والتوقيتات المناسبة. هذا الحسم المبكر خلف الأبواب المغلقة لا يمثل مجرد خطوة في الانتقال الدستوري للسلطة، بل هو اعلان فعلي عن هوية النظام في المرحلة المقبلة؛ فالاسم الذي اختير سيكون المرآة العاكسة لأي من قطبي الصراع البنيوي داخل المؤسسة الحاكمة انتصر: هل انتصر منطق “دولة الثورة” التي تضع استمرار المواجهة وبناء الدولة الاقليمية القوية فوق أي اعتبار، أم انتصر منطق “دولة الجمهورية” الذي تدفعه ضرورات البقاء والاقتصاد إلى تغليب الاستقرار الداخلي والتسويات الكبرى؟
في المواجهة بين تياري النظام في طهران تقف في الزاوية الاولى منها كتلة “دولة الثورة”، والتي هي ليست مجرد مجموعة أفراد، بل شبكة عضوية تمتد من الحرس الثوري إلى “مكتب القائد” الذي أصبح دولة موازية تدير الملفات الإقليمية الحيوية التي تتخذ من ولاية الفقيه المطلقة شرعية لها. وتعتبر إن فكرة “الجمهورية” هي مجرد غطاء، بينما الجوهر هو “التمكين” الإلهي. وفي رأيها الذي يجد جذوره في المدرسة الواقعية فان النفوذ الإقليمي والقدرة على المواجهة هما اللذان يخلقان الأمن، وليس العكس. واختيار المرشد من هذا المعسكر يعني إعادة إنتاج شرعية النظام عبر “المقاومة”، حيث تصبح الصواريخ والمسيرات هي عملة الردع الوحيدة في مواجهة الحصار.
في الجهة المقابلة، تتراكم ضرورات “دولة الجمهورية”، رغم انها لا تنبع من أيديولوجيا مضادة بقدر ما تنبع من ضغط البيروقراطية والمؤسسات، حيث نجد هنا، مؤسسات مثل “مجمع تشخيص مصلحة النظام” (الذي أنشئ أصلاً لحل التناقض بين الشرع ومصلحة الدولة) ووزارة الخارجية وجزء من التيار البراغماتي المرتبط بالاقتصاد. وهذا التيار يدرك أن القوة الإيرانية الحقيقية لم تعد تكمن فقط في حروب الوكالة، بل في معدل التضخم وقيمة العملة الوطنية. ومنطق هذا التيار هنا عملي أكثر منه أيديولوجي حيث يرى ان استمرار نموذج “الثورة الدائمة” يؤدي إلى تآكل القاعدة الشعبية التي قامت عليها الجمهورية ذاتها. وعليه فاختيار مرشد من هذا المعسكر يعني تحويل الأولوية من “التمدد” إلى “التحصين”، أي تحصين الداخل الاقتصادي والاجتماعي ولو على حساب بعض المقدسات الثورية.

وفي معادلة الحسم ومؤشرات الترجيح بين هذين التيارين

كيف يمكن قراءة الموازين اليوم؟ فاسم المرشد الذي استقر عليه القرار سيكون ببساطة نتاج “معادلة الضغط” الراهنة. فإذا كان الاسم المنشود من قلب المؤسسة الدينية التي حافظت على روابط عضوية وثيقة مع الحرس الثوري في العقد الأخير، فإننا سنكون أمام “مرشد المواجهة” الذي يرى في الصمود وتثبيت أركان الثورة مبرر الوجود الوحيد. وما يرجح هذا المسار هو تنامي نفوذ “مكتب القائد” في إدارة الملفات الإقليمية بعيداً عن أروقة الخارجية، مما يعني أن الأولوية القصوى هي للحفاظ على “دولة الثورة” كدرع حيوي، حيث يُنظر إلى أي تراجع تكتيكي في هذه المرحلة كتهديد مباشر لبقاء النظام في ظل الحصار الخارجي.

في المقابل، إذا كان الاسم نتاج توافق من داخل مؤسسات الدولة مثل “مجمع تشخيص المصلحة” أو من شخصيات تمتلك خبرة تنفيذية، فسيعكس ذلك إدراكاً بأن القوة الإيرانية لم تعد قادرة على تحمل ضغوط الحرب المفتوحة دون تهديد الاستقرار الداخلي، وهذا التحول سيكون مؤطراً بمؤيد دستوري يتمثل في “مصلحة النظام” التي تبيح تعطيل بعض الأحكام الثورية من أجل بقاء الدولة، مما يعني الانتقال من منطق “الثورة العابرة للحدود” إلى منطق “الدولة القومية” التي تسعى لحماية حدودها وتأمين اقتصادها عبر تسويات كبرى. وتدعم هذا التوجه لغة الأرقام ومعدلات التضخم التي أصبحت تشكل ضغطاً يوازي الضغوط العسكرية.
والحقيقة فان القراءة المجردة لموازين القوى المؤسساتية لا تكتمل دون وضعها في سياقها الراهن الأوسع، حيث تتداخل المتغيرات الإقليمية والدولية لتشكل مرجحات إضافية قد تكون حاسمة في توجيه البوصلة نحو خيار “دولة الثورة”. ففي الوقت الذي كانت فيه مؤشرات إيجابية تلوح في أفق المفاوضات النووية مع الغرب، وبدا أن ثمة انفراجة محتملة قد تخفف وطأة الحصار، تصاعد العدوان الإسرائيلي الأمريكي بشكل غير مسبوق، وبلغ ذروته باستهداف مباشر لمنشآت مدنية واغتيالات طالت قادة في الحرس الثوري، بل ووصلت التهديدات إلى مقرات آمنة في طهران نفسها. هذا التزامن بين اقتراب نجاح دبلوماسي وتصعيد عسكري لا يمكن تفسيره بمعزل عن رسالة واضحة وهي ان الغرب وإسرائيل لا يريدان تفاهماً مع إيران “الجمهورية”، بل يسعيان لإخضاعها أو إسقاطها، وهو ما يعزز منطق “المواجهة” داخل النخبة الإيرانية.
هذا العدوان يستدعي أيضاً استحضار السيرة الذاتية للمرشد الحالي، علي خامنئي، الذي بدأ حياته السياسية خطيباً إصلاحياً ورئيساً للجمهورية في فترة اتسمت بالانفتاح النسبي، لكنه تحت وطأة الضغوط الخارجية والحرب المفروضة تحول تدريجياً إلى أيقونة التشدد والصلابة. هذه التجربة الشخصية تمثل نموذجاً مصغراً للتحول الذي يحدثه الضغط الخارجي في وعي النخبة الإيرانية فكلما تصاعد العدوان، كلما تمدد منطق “الثورة” على حساب “الجمهورية”. فما يعيشه النظام اليوم من استهداف للمدنيين والبنية التحتية يعيد إنتاج ذات المنطق الذي حول خامنئي الأمس إلى مرشد المواجهة اليوم.
لذا، فإن تزامن التصعيد العسكري مع مؤشرات الانفراج الدبلوماسي، وطبيعة الاستهدافات التي تطال العمق المدني الإيراني، واستحضار مسار خامنئي الشخصي من الإصلاحية إلى التشدد، كلها معطيات إضافية ترجح أن الاسم المستقر عليه في الكواليس يعبر بالأرجحية عن تيار “المحافظين” و”دولة الثورة”. فالنظام الذي يرى أن الخصم لا يريد تفاهماً معه، بل يريد تصفيته، سيبحث عن قائد يمتلك القدرة على إدارة المواجهة الطويلة، ويحصن العقيدة الثورية كخيار وحيد للصمود. إن الاختيار القادم، في ضوء هذه المعطيات، لن يكون مجرد تعبير عن توازن داخلي، بل سيكون رداً مباشراً على طبيعة العدوان نفسه، فاما خندق المواجهة الأخيرة الذي يفرضه العدو، وإما طاولة التوازنات التي لا يبدو أن أحداً يدعو إليها اليوم من الجانب الآخر. فالاسم وحده هو الذي سيخبرنا أن إيران قد قرأت المشهد كما يبدو في واقع الدم والقصف، واختارت ما تمليه عليها ضرورات البقاء في مواجهة مشروع الإلغاء.
*كاتب واكاديمي تونسي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

العرب أمام واحد من خيارين!

  فؤاد البطاينة* الصراع الجاري في المنطقة هو بين الهيمنة عليها وتحريرها، والدين فيها وسيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *