الخميس , مارس 12 2026
الرئيسية / اراء / ليست حربنا… حقا!

ليست حربنا… حقا!

 

د. معن علي المقابلة*
من أكثر الشعارات سذاجةً وفراغاً التي تتردد اليوم في الشارع العربي، وخصوصاً في الخليج وبلاد الهلال الخصيب، شعار ليست حربنا.
يُقال وكأن ما يجري في المنطقة يحدث في قارة أخرى، لا في قلب الشرق الأوسط، ولا على أرضٍ عربية، ولا في فضاءٍ جغرافي وأمني واحد تتداخل فيه المصالح والحدود والمصائر. الحرب التي تُخاض اليوم ضد إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين متخاصمتين. إنها جزء من مشروع استراتيجي أوسع تقوده الولايات المتحدة ويخدم بالدرجة الأولى أمن وتفوق الكيان الصهيوني في المنطقة. ويمكن القول إن الكيان يقاتل بدعم أمريكي، أو أن الولايات المتحدة تقاتل بالوكالة عنه؛ فالنتيجة واحدة: تثبيت التفوق الصهيوني ومنع قيام أي قوة إقليمية قادرة على موازنته.
في الفكر الاستراتيجي الصهيوني، لا يكفي أن يكون الكيان قوياً؛ بل يجب أن يكون محيطه ضعيفاً ومفككاً. أما في الفكر الديني لدى التيارات الصهيونية المسيحية واليهودية المتطرفة، فالقضية تتجاوز الأمن إلى عقيدة سياسية ترى أن ما يسمى “أرض الميعاد” تمتد في أجزاء واسعة من الهلال الخصيب وصولاً إلى مصر. ولهذا لم يكن وجود الكيان في فلسطين يوماً مشروع دولة عادية، بل مشروعاً توسعياً يرتبط بتوازنات المنطقة كلها.

ومنذ أن زرع الغرب هذا الكيان في فلسطين، لم يتوقف العمل على إجهاض أي مشروع إقليمي يمكن أن يشكل ثقلاً موازناً له. فالمشاريع القومية في المنطقة حوربت، والدول التي حاولت بناء استقلال سياسي أو عسكري تعرضت للحصار أو الحرب أو التفكيك. الهدف كان دائماً واحداً: منع ظهور قوة حقيقية في الشرق الأوسط قد تهدد التفوق الصهيوني. ومع ذلك، يخرج علينا بعض العرب اليوم ليقولوا بكل برود ليست حربنا. كيف ليست حربنا وفلسطين نفسها تسير نحو أخطر مرحلة في تاريخها؟
الحديث لم يعد عن احتلال أو استيطان فقط، بل عن مشاريع لضم الضفة الغربية بالكامل، وربما دفع سكانها نحو الأردن، أي إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية للمنطقة. كيف ليست حربنا والأرض التي تدور عليها المعارك – فلسطين – هي أرض عربية محتلة أصلاً؟
كيف ليست حربنا والمنطقة العربية مليئة بالقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية؟
هذه القواعد التي قيل إنها لحماية الدول المضيفة، يتضح يوماً بعد يوم أن دورها الحقيقي هو حماية إسرائيل وضمان تفوقها العسكري. كيف ليست حربنا ومدن عربية أصبحت مهددة، وأجواء المنطقة تحولت إلى ممر للصواريخ والطائرات الحربية؟
كيف ليست حربنا بينما كل تصعيد عسكري جديد يدفع المنطقة خطوة أخرى نحو حرب إقليمية قد تلتهم الجميع؟ المشكلة ليست فقط في العدوان ذاته، بل في حالة الإنكار العربي.
وكأن كثيرين قرروا إقناع أنفسهم بأن تجاهل الخطر سيجعله يختفي. وكأن الصراع في المنطقة يمكن عزله داخل حدود دولة واحدة، بينما التاريخ القريب يثبت العكس تماماً: كل حرب في الشرق الأوسط سرعان ما تمتد آثارها إلى الجميع.
إن ترديد شعار ليست حربنا ليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو هروب من مواجهة الحقيقة. الحقيقة أن أي عدوان كبير يعيد رسم ميزان القوى في المنطقة لن يتوقف عند حدود طرف واحد.
والحقيقة أيضاً أن إضعاف أي دولة إقليمية كبيرة – مهما كان الخلاف معها – يعني عملياً مزيداً من التفوق للكيان ومزيداً من الاختلال في ميزان القوى ضد العرب. لكن يبدو أن البعض يفضل ترديد الشعارات المريحة على مواجهة الأسئلة الصعبة.
ولهذا يبقى السؤال الذي يهرب كثيرون من مواجهته: إذا لم تكن هذه حربنا، فمتى تصبح حربنا؟ عندما تطرق أبوابنا؟ لكنها في الحقيقة لم تعد تطرقها، بل كسرتها ودخلت بالفعل إلى فضائنا وأجوائنا ومدننا.
أم ننتظر حتى يحين الوقت الذي لا ينفع فيه الندم، حين تصبح الخسائر أمراً واقعاً ويكتشف الجميع متأخرين أن تجاهل الخطر لم يكن حياداً، بل عمىً سياسياً مكلفاً.
*كاتب اردني
.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الى نتنياهو: من لا يسمع النصيحة يرى الفضيحة!

د.محسن القزويني* لو اذعن بنيامين نتنياهو لنصائح اساتذة الجامعات والمختصين في السياسة في اسرائيل لما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *