د. هاني الروسان*
من بين التداعيات العديدة التي أخذت تتكشف تدريجيًا مع استمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يبرز تحول لافت في طبيعة الصراع يتجاوز حدوده العسكرية المباشرة ليطال بنية التحالفات والتوازنات السياسية والاقتصادية في الإقليم. فالحرب التي كان يُفترض – وفق الرهانات الأولية لواشنطن وتل أبيب – أن تُنتج انهيارًا سريعًا في قدرة إيران على المواجهة وتاليا اسقاط النظام، بدأت مع مرور الوقت تكشف مسارًا مغايرًا تمامًا، ليس فقط من حيث قدرة طهران على الصمود، بل أيضًا من حيث نجاحها في إعادة تشكيل ساحة الاشتباك نفسها من ناحية، ووسائل الاشباك من ناحية اخرى، بطريقة تُقلّص من أثر التفوق العسكري النوعي الأمريكي وتدفع الصراع نحو مجالات أكثر تعقيدًا وخطرا وخارج اطار التوقعات الامريكية.
في الحروب التي تخوضها القوى الكبرى، وخاصة منها ذات الابعاد الجيوسياسية العميقة غالبًا ما يشكل عامل الزمن أحد العناصر الحاسمة في تحديد مسار الصراع لتحقيق الاهداف المرجوة. فالولايات المتحدة بنت عقيدتها العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة على نموذج الحروب السريعة التي تعتمد التفوق التكنولوجي والقدرة على تحقيق صدمة استراتيجية تُفكك بنية الخصم خلال فترة زمنية وجيزة. غير أن هذا النموذج يفقد الكثير من فعاليته عندما ينجح الطرف المقابل في تحويل الحرب إلى صراع طويل الأمد يقوم على امتصاص الضربة الأولى وإعادة توزيع كلفة المواجهة على الزمن.
وهذا تماما ما يبدو أن إيران سعت إلى تحقيقه، عبر استعداد مسبق ومنذ المراحل الأولى لاندلاع هذه الحرب. فبدل الانجرار إلى مواجهة تقليدية مباشرة مع القوة العسكرية الأمريكية، باستخدام اوسع كتلة نار لديها، اعتمدت مقاربة تقوم على إدارة الصراع لاطول فترة ممكنة كحرب استنزاف طويلة، يكون الهدف فيها ليس تحقيق نصر عسكري سريع، بل منع الخصم من تحقيق الحسم الذي يسعى إليه. وفي مثل هذه الحالات، يتحول مجرد الصمود بحد ذاته إلى عامل استراتيجي قادر على إدخال فوضى في تشكيل الحسابات السياسية والعسكرية للطرف الأقوى.
غير أن أهمية هذه المقاربة لا تكمن فقط في الاقتصار على بعدها العسكري، بل في قدرتها على فتح مسارات أخرى لها، أكثر حساسية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة، وهي مسار او الجبهة الاقتصادية. فمع مرور الوقت نجحت طهران تحويل اتجاهات الحرب تدريجيًا من مواجهة عسكرية محدودة إلى عامل اضطراب في البيئة الاقتصادية الدولية، لا سيما المرتبطة منها بالطاقة والأسواق العالمية، وهو ما جعل الصراع يمتد الى خارج مساحته العسكرية المباشرة ليصبح جزءًا من معادلة الاستقرار الاقتصادي الدولي.
وهذه النقلة في طبيعة المواجهة تمثل أحد أبرز عناصر القوة في التكتيك الإيراني الذي يوفره لها مجالها الجغرافي، ويمكنها من دفع الحرب إلى المجال الذي تكون فيه كلفتها السياسية والاخلاقية على واشنطن أعلى بكثير من كلفتها العسكرية. فالأزمات الاقتصادية التي قد تنتج عن اضطراب أسواق الطاقة أو عن تصاعد المخاطر في واحدة من أهم مناطق إنتاج النفط في العالم لا تبقى محصورة في المجال الإقليمي، بل تمتد آثارها مباشرة إلى الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه.
وفي مثل هذه الظروف يصبح الصراع أكثر تعقيدًا بالنسبة لصانع القرار في واشنطن. فالحرب لم تعد مجرد عملية عسكرية تهدف إلى تحجيم قوة خصم إقليمي، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد تمس الاستقرار الاقتصادي وتؤثر في حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء. ومع اتساع هذه التداعيات يصبح عامل الزمن – الذي حاولت إيران تحويله إلى عنصر قوة – عامل ضغط متزايد واكثر تعقيداعلى صانع القرار الأمريكي، خاصة عندما يتداخل مع البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. فالحروب الطويلة التي لا تحقق نتائج حاسمة غالبًا ما تتحول إلى عبء سياسي على أي إدارة أمريكية، خصوصًا عندما تترافق مع آثار اقتصادية محسوسة. وفي ظل هذه الظروف يجد صانع القرار نفسه أمام معادلة صعبة، فاما الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة قد تتفاقم كلفتها مع مرور الوقت، أو البحث عن وسيلة تفرض نهاية سريعة للصراع قبل أن تتحول تداعياته إلى أزمة استراتيجية أوسع.
إلى جانب كل ذلك، بدأت الحرب تكشف أيضًا حدود المنظومة الأمنية التي بنتها الولايات المتحدة في الخليج خلال العقود الماضية. فالدول الخليجية التي اعتمدت طويلًا على المظلة الأمنية الأمريكية تراقب اليوم حربًا تدور في جوارها المباشر وتحمل في طياتها مخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة، وانها إذا استمرت دون حسم واضح، فإن ذلك قد يدفع هذه الدول إلى إعادة التفكير في طبيعة اعتمادها الاستراتيجي على واشنطن والبحث عن صيغ جديدة لتنويع علاقاتها الدولية.
إن مجرد ظهور مثل هذه التساؤلات داخل الفضاء الخليجي يمثل بحد ذاته تطورًا جيوسياسيًا مهمًا، لأن استقرار النفوذ الأمريكي في المنطقة لطالما ارتبط بثقة الحلفاء في قدرة واشنطن على ضمان أمنهم وردع التهديدات التي تواجههم. وإذا بدأت هذه الثقة بالتآكل كما بدأ يلوح في الافق نتيجة حرب طويلة غير محسومة، وتعرضها لمزيد من الهجمات فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تحولات أوسع في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، بما في ذلك توسيع الشراكات الاقتصادية أو الاستراتيجية مع قوى دولية أخرى مثل الصين أو روسيا، يشير اليها بقوة الرفض الخليجي وخاصة السعودي والعماني الانخراط في هذه الحرب.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم ان الصمود الإيراني ليس مجرد نجاح عسكري في امتصاص الضربة الأولى، بل انه جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل الحرب نفسها إلى عامل ضغط على خصمها. فكلما استطاعت طهران إطالة زمن الصراع ونقل جزء من كلفته إلى المجال الاقتصادي، ازدادت احتمالات أن يتحول هذا الصراع إلى معضلة سياسية واستراتيجية لواشنطن. ومن هنا تتضح المفارقة الأساسية التي قد تنتج عن استمرار الحرب؛ فالعملية التي بدأت بهدف إسقاط النظام في إيران قد تنتهي – إذا طال أمدها دون حسم – إلى نتيجة معاكسة تتمثل في تعزيز تماسكه الداخلي من جهة، وفي الوقت نفسه في إطالة أمد الحرب إلى الحد الذي يحوّلها إلى أزمة متفاقمة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي قد يدفعها إلى التفكير في خيارات أكثر جذرية لحسم الصراع.
وهذا هو السياق الذي يمكن أن يفسر ظهور بعض النقاشات حول الخيارات التصعيدية القصوى داخل دوائر التفكير الاستراتيجي في الولايات المتحدة. فالتاريخ العسكري يُظهر أن القوى الكبرى عندما تجد نفسها أمام حرب استنزاف لا تحقق أهدافها السياسية، قد تبدأ في دراسة وسائل غير تقليدية لفرض نهاية سريعة للصراع. وفي بعض أدبيات الردع العسكري يظهر مفهوم السلاح النووي التكتيكي كأداة قصوى يمكن استخدامها – نظريًا – لإحداث صدمة استراتيجية تعيد تشكيل مسار الحرب خلال فترة زمنية قصيرة.
وبطبيعة الحال فإن اللجوء إلى مثل هذا الخيار يبقى احتمالًا شديد الخطورة من الناحية السياسية والاستراتيجية، لأنه يحمل معه مخاطر هائلة على النظام الدولي بأكمله. غير أن مجرد ظهور هذا الاحتمال في النقاشات الاستراتيجية يعكس حجم المأزق الذي قد تواجهه قوة عظمى عندما تفشل أدواتها التقليدية في تحقيق الحسم الذي سعت إليه.
بهذا المعنى لا تكمن خطورة الحرب فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في قدرتها على إعادة تشكيل حسابات القوة في الإقليم وفي النظام الدولي الأوسع. وإذا استمرت هذه الدينامية في التطور، فإنها قد تدفع الأطراف المنخرطة في الصراع إلى خيارات أكثر خطورة في محاولة لكسر حالة الجمود الاستراتيجي التي قد تنتج عن حرب طويلة بلا نهاية واضحة.
*كاتب واكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر