الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / هل انتهى زمن الطاعة الأطلسية؟!

هل انتهى زمن الطاعة الأطلسية؟!

سارة محمد مرزوڨي*
لم يعد الصمت داخل التحالفات الكبرى يُقرأ بوصفه انضباطًا استراتيجيًا، بل كدلالة على خلل بنيوي في آليات القرار. فالحرب التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران كشفت ما هو أبعد من مجرد امتناع ظرفي عن التدخل؛ لقد عرّت تحوّلًا عميقًا في طبيعة التحالف الأطلسي، حيث لم تعد “الطاعة” قاعدة حاكمة، بل خيارًا تفاوضيًا تحكمه الحسابات الوطنية.
على امتداد عقود، تأسس حلف شمال الأطلسي على فكرة مركزية واضحة: قيادة أمريكية تقابلها استجابة أوروبية شبه منضبطة، ضمن تصور مشترك للتهديدات ولأولويات الأمن الدولي. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا منذ نهاية الحرب الباردة، وتسارع تآكله مع أزمات متلاحقة أعادت تعريف مفهوم “العدو” و”المصلحة” و”الالتزام”. ما نشهده اليوم ليس لحظة انحراف، بل نتيجة تراكمية لمسار طويل من إعادة التموضع داخل الحلف.

أول ملامح هذا التحول يتمثل في تفكك الإجماع الاستراتيجي. فبينما لا تزال أوروبا تنظر إلى روسيا بوصفها التهديد الأكثر إلحاحًا، تميل واشنطن إلى إعادة توجيه بوصلتها نحو منافسة كبرى مع الصين، وإدارة أزمات الشرق الأوسط بمنطق أكثر براغماتية وأقل تشاورًا. هذا التباين لا يقتصر على ترتيب الأولويات، بل يمتد إلى تعريف طبيعة المخاطر وحدود الانخراط فيها. ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تتردد عواصم أوروبية كبرى في الانخراط في مواجهة مع إيران، لا ترى فيها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
ثانيًا، برزت عودة الدولة الوطنية كفاعل مرجعي داخل الحلف. فبعد سنوات من الخطاب العابر للسيادة، عادت الحسابات الداخلية لتفرض نفسها بقوة: اعتبارات اقتصادية، ضغوط الرأي العام، وحسابات الاستقرار الداخلي. لم تعد الحكومات الأوروبية مستعدة لتحمل كلفة حروب “اختيارية” تُخاض خارج المجال الحيوي المباشر، خصوصًا في ظل إرهاق استراتيجي متراكم منذ الحرب في أوكرانيا. وهنا، يتحول الالتزام الأطلسي من واجب تلقائي إلى قرار سيادي مشروط.
أما التحول الثالث، فيتجلى في تراجع القدرة الأمريكية على فرض الإجماع. فأسلوب القيادة الذي يتسم أحيانًا بالاندفاع والضغط، كما عكسته مواقف دونالد ترامب، ساهم في تعميق الشكوك الأوروبية تجاه نوايا واشنطن واستراتيجياتها بعيدة المدى. لم تعد القيادة الأمريكية تُستقبل باعتبارها مرجعية نهائية، بل كطرف ضمن معادلة تفاوضية، يمكن دعمه أو مراجعته أو حتى التحفظ عليه.
في موازاة ذلك، يتقدم خطاب “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” من الهامش إلى المتن. لم يعد الأمر مجرد طموح نظري، بل بات خيارًا يُناقش بجدية داخل دوائر القرار، خاصة في فرنسا. غير أن هذا التوجه، رغم زخمه السياسي، يصطدم بحدود واقعية: اعتماد أوروبي مستمر على القدرات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، وغياب بنية دفاعية موحدة قادرة على الحلول محل المظلة الأطلسية في المدى القريب. وبذلك، تجد أوروبا نفسها في وضع انتقالي: بين الرغبة في الاستقلال والعجز عن تحقيقه الكامل.
إن ما تكشفه هذه التحولات هو أن حلف شمال الأطلسي لم يعد ذلك الكيان المتماسك الذي يتحرك وفق عقيدة واحدة، بل أصبح أقرب إلى شبكة مصالح مرنة، تتقاطع فيها الاستراتيجيات بقدر ما تتباين. لم تعد القرارات تُتخذ وفق منطق “واحد للجميع”، بل وفق معادلة أكثر تعقيدًا: ماذا يخدم الدولة أولًا، ثم الحلف إن أمكن.
ومع ذلك، فإن الحديث عن “نهاية الناتو” يبدو متسرعًا. فالحلف لا يزال يشكل إطارًا ضروريًا للتنسيق العسكري والسياسي، خاصة في مواجهة روسيا، كما لا تزال الولايات المتحدة تمثل عموده الفقري. لكن ما يتغير ليس وجود الحلف، بل طبيعته ووظيفته: من تحالف قائم على الانضباط إلى فضاء تفاوضي متعدد المستويات.
في هذا السياق، يمكن القول إننا لا نشهد انهيارًا بقدر ما نعيش إعادة تعريف لمفهوم التحالف نفسه. فزمن الطاعة الأطلسية، بمعناه الكلاسيكي، يتراجع لصالح زمن التموقع المرن، حيث تُقاس الالتزامات بميزان المصالح، لا بشعارات التضامن.
وهنا تكمن المفارقة: كلما تراجع الانسجام داخل التحالف، ازداد تعقيد النظام الدولي خارجه. عالم بلا طاعة أطلسية ليس بالضرورة عالمًا أكثر توازنًا، بل ربما أكثر سيولة، وأقل قابلية للتنبؤ.
فهل نحن أمام تحالف يتكيّف مع عالم متعدد الأقطاب، أم أمام بنية تتآكل ببطء تحت ضغط تناقضاتها الداخلية؟
الإجابة، على الأرجح، لن تأتي من إعلان رسمي، بل من صمتٍ آخر… في حربٍ قادمة.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

من يوقف جنون الحرب قبل فوات الأوان؟!

  د. بسام روبين* بينما تنشغل الصالونات السياسية بترف التنظير والتحليل، وتغرق العواصم الكبرى في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *