الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / إيران.. الحذر الحذر!

إيران.. الحذر الحذر!

د. ميساء المصري*
بداية هذا المقال نداء قبل أن يكون تحليلًا، وتحذير قبل أن يكون قراءة للمشهد. في لحظة تتقاطع فيها الروايات مع النيران، وتُصاغ فيها أخطر الأكاذيب لتبرير أكبر الجرائم، يبقى الصوت الصادق واجبًا لا خيارًا. في لحظات التوتر الكبرى، لا تُدار الحروب فقط بالصواريخ، بل تُدار أيضًا بالروايات. وما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري تقليدي، بل محاولة لإعادة تشكيل طبيعة الصراع نفسه، من صراع سياسي على الأرض، إلى صراع ديني شامل يمكن أن يبتلع المنطقة بأكملها. وهنا تحديدًا، يصبح الحديث عن المسجد الأقصى ليس عاطفيًا أو تعبويًا، بل قراءة استراتيجية لاحتمالات خطيرة تُطبخ على نار مشتعلة.
التقاطع المقلق بين الضربات الإيرانية الأخيرة، والتصريحات الإسرائيلية، والسلوك الإعلامي غير المعتاد، يفتح الباب أمام سيناريو لا يمكن تجاهله(عملية علم مزيّف) تُنسب إلى إيران، لكنها تُستخدم كغطاء لضربة تستهدف أحد أقدس الأماكن في العالم الإسلامي.
لنبدأ من الميدان. الضربات الصاروخية التي طالت مناطق جنوب فلسطين المحتلة، خصوصًا مدينة عراد، كشفت أمرين، الأول أن منظومات الدفاع الجوي لم تعد تعمل بالكفاءة الأسطورية التي رُوّج لها، والثاني أن بعض الصواريخ أو شظاياها وصلت إلى مناطق حساسة دينيًا. هنا، لا تكمن الخطورة في الحدث نفسه بقدر ما تكمن في كيفية توظيفه بخباثة. فالسماح بسقوط شظايا قرب الحرم القدسي، مع تغطية إعلامية مكثفة وغير معتادة، ليس تفصيلًا عابرًا، بل قد يكون تمهيدًا لرواية جاهزة.
الرواية التي يتم بناؤها تدريجيًا ستقول ببساطة، (إيران تستهدف المقدسات). وهذه الجملة، إذا ترسخت في الوعي الدولي، ستكون كفيلة بتبرير أي رد فعل لاحق، حتى لو كان بحجم تدمير جزئي أو كلي للمسجد الأقصى كما يأمل الكيان الصهيوني.

في هذا السياق، تبرز تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة كجزء من هذا البناء السردي وكأنه الروح المدافعة عن الأقصى. و حديثه عن(معجزة) نجت بها المواقع المقدسة من الصواريخ الإيرانية، ليس مجرد توصيف، بل تمهيد نفسي وسياسي لفكرة أن الخطر الحقيقي على هذه الأماكن يأتي من طهران، وليس من أي طرف آخر. وعندما تُزرع هذه الفكرة، يصبح من السهل لاحقًا قلب الحقائق.
الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ( شرعنة الضربة الاستباقية). حين يتم تسريب أو التلميح إلى وجود أهداف عسكرية أو شخصيات قيادية في محيط المسجد الأقصى أو تحته، فإن أي استهداف لاحق حتى لو أدى إلى تدمير الموقع نفسه يمكن تبريره بأنه (ضرورة عسكرية). وهنا تحديدًا تكمن عبقرية الفخ التاريخي تحويل الضحية إلى متهم.
أما على الجانب الآخر، فإن إيران، التي تسعى لإظهار قدرتها العسكرية وتوسيع نطاق الردع، قد تجد نفسها دون أن تدري داخل هذا السيناريو. التصعيد الصاروخي خلال الأسبوع الحالي، خصوصًا إذا طال مواقع حساسة أو قريبة من رموز دينية، يمنح خصومها المادة الخام لبناء هذا الإتهام. وهنا يصبح الفخ تاريخيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إما أن تتراجع فتخسر هيبتها، أو تستمر فتُتهم بجريمة لم ترتكبها.
التوقيت أيضًا ليس بريئًا. في ظل حالة سيولة سياسية داخل الولايات المتحدة، ومع اقتراب استحقاقات انتخابية، تبدو بعض الأطراف في سباق مع الزمن لفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها لاحقًا. وهنا يظهر اسم دونالد ترامب كعامل مهم في المعادلة، ليس فقط بسبب مواقفه، بل بسبب طبيعة المرحلة التي قد لا تتكرر بنفس الظروف فهي لحظة فارقة لهم ستحفظ ماء وجههم وتقلب الطاولة لمصلحتهم.
إلى جانب ذلك، هناك بعد ديني أيديولوجي لا يمكن تجاهله. التيارات المتشددة داخل إسرائيل لم تُخفِ يومًا رؤيتها بشأن إعادة بناء الهيكل، وبعض التصريحات الصادرة عن حاخامات نافذين لمّحت صراحة إلى سيناريوهات صادمة، من بينها تدمير المسجد الأقصى وإلصاق التهمة بخصوم خارجيين. هذه التصريحات، حتى لو بدت هامشية، غالبًا ما تكون بالونات اختبار موسادية لقياس ردود الفعل.
في المقابل، ما يجري على الأرض من ضرب المصلين وقمعهم، وإغلاق المسجد في توقيتات حساسة، ليس مجرد إجراءات أمنية، بل قد يكون جزءًا من تهيئة البيئة المحيطة لحدث أكبر. فالهدم لا يبدأ بالمتفجرات، بل يبدأ بكسر العلاقة بين المكان وأهله.
النتيجة المحتملة لهذا السيناريو، إذا تحقق وقلبي يكاد يقف من تصوره، ستكون كارثية على عدة مستويات. أولًا، سيتم تحويل الصراع من سياسي إلى طائفي، حيث يُدفع المسلمون سنة وشيعة إلى مواجهة داخلية بدلًا من توحيد الجبهة. ثانيًا، سيتم منح إسرائيل غطاءً دوليًا غير مسبوق لأي تحرك لاحق، باعتبارها ضحية لهجوم على مقدساتها. ثالثًا، ستدخل المنطقة في دوامة عنف مفتوحة، تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى أوروبا وربما أبعد.
ما يجب إدراكه هنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُبنى على الأكاذيب الكبرى. وإذا كانت عملية العلم المزيّف جزءًا من هذا المشهد، فإن الوعي بها هو خط الدفاع الأول.
المسألة ليست في تأكيد وقوع هذا السيناريو لا سمح الله من عدمه، بل في فهم تصريحات نتنياهو، ومؤشراتها التي تتجمع في اتجاه خطير. وفي عالم تُصنع فيه الحقائق إعلاميًا قبل أن تُثبت ميدانيًا، و يصبح الحذر ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية.
الحذر ، الحذر ،المنطقة تقف اليوم على حافة لحظة فارقة. إما أن يتم تفكيك هذا المسار قبل أن يكتمل، أو نجد أنفسنا أمام حدث سيعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة… وربما يُكتب في التاريخ باعتباره اللحظة التي سقط فيها الأقصى، ليس فقط بفعل صاروخ، بل بفعل رواية مُحكمة الصنع. وأخيرا أقول للجميع لن يكون غياب التحذير هو العذر، بل غياب الإصغاء……ألا قد بلّغت، اللهم فاشهد !
*كاتبة سياسية أردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ديمونة..نقطة تحول عسكرية!

د. هاني الروسان* لم يعد ممكناً قراءة تطورات الحرب الجارية الان بين اسرا ئيل والولايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *