الجمعة , مارس 27 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / الشرق الأوسط بين منطق الحرب وإعادة تشكيل النظام الإقليمي!

الشرق الأوسط بين منطق الحرب وإعادة تشكيل النظام الإقليمي!

د.وائل عواد*
لم يعد الصراع الدائر في الشرق الأوسط يُقرأ فقط في إطار المواجهة التقليدية بين إسرائيل وإيران، بل بات جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي برمّته. فمع تصاعد التوترات العسكرية والضغوط السياسية حول إيران، تتبلور في الخلفية معادلة استراتيجية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية مع الرؤية الأمريكية لمستقبل المنطقة.
فالولايات المتحدة، التي ما تزال القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، لا تدير الأزمة الحالية بوصفها صراعاً محدوداً مع إيران فحسب، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية. وفي هذا الإطار، تبدو واشنطن حريصة على تقليل الانخراط العسكري المباشر، مقابل تشجيع قوى إقليمية على لعب أدوار أكبر في إدارة الأزمات واحتواء التصعيد. ويظهر ذلك في الدفع نحو وساطات تقودها دول إقليمية، أو في تشجيع ترتيبات سياسية وأمنية جديدة يمكن أن تعيد تشكيل شبكة التحالفات في المنطقة.
غير أن هذه المقاربة الأمريكية تحمل مفارقة واضحة. فبينما تسعى واشنطن إلى منع أي قوة إقليمية من الهيمنة على الشرق الأوسط، فإنها في الوقت ذاته تفتح المجال أمام صعود قوى إقليمية متعددة يمكن أن تشكل توازنات جديدة. وهذا ما يثير قلقاً متزايداً في إسرائيل، التي ترى أن التحولات الجارية قد تؤدي إلى ظهور معادلات إقليمية أكثر تعقيداً مما كانت عليه خلال العقود الماضية.

وقد انعكس هذا القلق في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أشار في أكثر من مناسبة إلى ما سماه خطر تشكل “تحالف سني” في المنطقة. ورغم أن هذه العبارة قد تبدو للوهلة الأولى توصيفاً سياسياً عابراً، إلا أنها تعكس في الواقع تحوّلاً مهماً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فبعد سنوات طويلة كان فيها التركيز منصباً على ما يُعرف بـ”التهديد الإيراني”، بدأت بعض الدوائر السياسية والأمنية في إسرائيل تتحدث أيضاً عن احتمال بروز اصطفاف سياسي أو استراتيجي أوسع بين قوى سنية رئيسية في المنطقة. لذلك، قد لا يكون الصراع في الشرق الأوسط دينياً في جوهره، لكنه يشهد بلا شك تزايداً في توظيف الرمزية الدينية والهوياتية ضمن معركة أوسع حول النفوذ وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح في بعض النقاشات الإسرائيلية مقتصراً على كيفية احتواء إيران، بل أصبح أكثر اتساعاً: إذا ما تم إضعاف إيران أو تحييدها استراتيجياً، فمن سيكون المنافس الإقليمي التالي؟
هنا تحديداً بدأ اسم تركيا يبرز بوتيرة متزايدة في النقاشات الاستراتيجية الإسرائيلية.
العقيدة الأمنية الإسرائيلية: منع ظهور المنافسين
منذ تأسيسها عام 1948، اعتمدت إسرائيل عقيدة استراتيجية تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في منع ظهور أي قوة إقليمية معادية تمتلك القدرة على تهديد تفوقها العسكري أو تغيير ميزان القوى في المنطقة. وقد شكل هذا المبدأ الأساس الذي استندت إليه العديد من السياسات والعمليات العسكرية الإسرائيلية عبر العقود.
وخلال العقدين الماضيين، أصبحت إيران محور هذه العقيدة الأمنية. فبرنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية، وشبكة تحالفاتها الإقليمية التي تمتد من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، جعلت منها في نظر صانعي القرار الإسرائيليين التهديد الأكثر خطورة على المدى الطويل.
غير أن إضعاف إيران – في حال تحقق – لن يعني بالضرورة نهاية التحديات الاستراتيجية لإسرائيل. بل قد يفتح الباب أمام معادلة جيوسياسية جديدة يبرز فيها لاعبون آخرون قادرون على ملء الفراغ.
تركيا في الحسابات الاستراتيجية
في هذا السياق، بدأت تركيا تظهر بشكل متزايد في بعض النقاشات داخل مراكز التفكير الإسرائيلية.
فتركيا اليوم تمتلك العديد من المقومات التي تجعلها قوة إقليمية مؤثرة. فهي دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من 85 مليون نسمة، وتمتلك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متقدمة، فضلاً عن موقع جغرافي يمنحها نفوذاً استراتيجياً بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
كما عززت أنقرة حضورها العسكري والسياسي في عدة ساحات إقليمية، من شمال سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز، إضافة إلى توسع نشاطها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد رافق هذا الحضور المتزايد نمو سريع في الصناعات الدفاعية التركية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية المتطورة.
ومن منظور بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين، قد يؤدي استمرار هذا المسار إلى بروز شكل جديد من التنافس الاستراتيجي بين أنقرة وتل أبيب، خاصة إذا اقترن النفوذ العسكري التركي بدور سياسي أكبر في العالم الإسلامي.
الجغرافيا والطاقة والممرات الاستراتيجية
يبرز مجال الطاقة والممرات الاستراتيجية كأحد أهم ساحات التنافس المحتمل بين إسرائيل وتركيا.
فشرق البحر المتوسط أصبح في السنوات الأخيرة منطقة ذات أهمية متزايدة بعد اكتشاف احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي. وقد سعت إسرائيل إلى تطوير هذه الموارد بالتعاون مع دول مثل اليونان وقبرص، ضمن مشاريع تهدف إلى نقل الطاقة إلى أوروبا.
في المقابل، طعنت تركيا في عدد من اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية في المنطقة، وسعت إلى تعزيز دورها كمركز رئيسي لنقل الطاقة بين آسيا وأوروبا. وتعكس هذه الاستراتيجية طموحاً أوسع لدى أنقرة لتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر نفوذ سياسي واقتصادي.
كما يرتبط هذا التنافس بسياق أوسع يتعلق بالممرات التجارية العالمية. فمع تصاعد المنافسة الدولية على سلاسل الإمداد والبنية التحتية العابرة للقارات، أصبح الشرق الأوسط مجدداً مفترق طرق استراتيجياً يربط آسيا بأوروبا.
حدود القوة الإسرائيلية
على الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، تواجه إسرائيل قيوداً هيكلية تعقّد أي طموح للهيمنة الإقليمية.
فمن الناحية الديموغرافية، تبقى إسرائيل أصغر بكثير من القوى الكبرى في المنطقة مثل تركيا وإيران ومصر. ومن الناحية الجغرافية، تفتقر إلى العمق الاستراتيجي الذي تتمتع به هذه الدول.
كما أن جزءاً كبيراً من منظومتها الأمنية يعتمد على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل قدرتها على العمل منفردة في بيئة إقليمية معقدة أمراً محدوداً.
لهذا السبب، ركزت الاستراتيجية الإسرائيلية تقليدياً على ما يسمى “التفوق العسكري النوعي”، أي الحفاظ على مستوى متقدم من التكنولوجيا العسكرية والقدرات الاستخباراتية يسمح لها بردع خصوم أكبر حجماً.
شرق أوسط متعدد الأقطاب
في الواقع، يتجه الشرق الأوسط اليوم نحو نظام إقليمي أكثر تعددية، حيث تتقاسم عدة قوى النفوذ والتأثير.
فإلى جانب إسرائيل، تلعب دول مثل تركيا وإيران والسعودية ومصر أدواراً متزايدة في تشكيل موازين القوى. كما أن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تزال تمارس تأثيراً كبيراً في مسار الأحداث.
وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يبدو من غير الواقعي تصور أن دولة واحدة يمكنها فرض هيمنة كاملة على المنطقة.
وفي نهاية المطاف، قد يتوقف مستقبل الشرق الأوسط ليس فقط على نتائج الحروب الدائرة اليوم، بل أيضاً على قدرة القوى الإقليمية على إدراك أن توازن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحد الأدنى من التوافق، وليس عبر استمرار منطق الاستنزاف المتبادل.

فإذا كان الهدف غير المعلن هو إضعاف القوى الإقليمية الكبرى الواحدة تلو الأخرى، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس من سيفوز في هذه الجولة من الصراع، بل من سيكون الهدف التالي في عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
*كاتب صحفي ومستشار في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الحرب على إيران!

عبدالرحمن مراد* من غرائب الحرب المعلنة على ايران – منذ شهر من الزمان – هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *