الثلاثاء , مارس 31 2026
الرئيسية / اراء / من الحرب إلى المعنى!

من الحرب إلى المعنى!

 

د. هاني الروسان*
​وحيث إنّ كلّ المؤشرات المتراكمة، ميدانيًا وسياسيًا ورمزيًا، تشي بأنّ الحرب التي اندلعت منذ نحو شهر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، لم تعد تتحرك ضمن حدود التصعيد التقليدي القابل للضبط والسيطرة، بل تتجه نحو مستوى نوعي من الانفلات، حيث لا يكون الخطر في اتساع رقعتها الجغرافية فحسب، بل في تحوّل طبيعتها من صراع سياسي قابل للإدارة إلى صراع مشحون بدلالات وجودية وثقافية حضارية وعقائدية. ومن هذه اللحظة تحديدًا، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا على دونالد ترامب أن يسارع إلى إنهاء هذه الحرب قبل أن تتجاوز نقطة اللاعودة؟
​الحقيقة أن المقاربات السطحية قد تختزل الإجابة في حسابات الربح والخسارة أو في كلفة الاستنزاف العسكري، غير أنّ جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير، إذ نحن أمام مسار تراكمي من السياسات الأمريكية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001، مرورًا بإعادة تشكيل المجال الإقليمي عقب غزو العراق عام 2003، وصولًا إلى الانحياز المطلق لإسرائيل في مذبحة غزة فضلاً عن دعمها السافر لها في مواصلة احلالها لفلسطين طوال أكثر من سبعين عامًا، ثم الانخراط الآن في مواجهة مفتوحة مع إيران. ان هذا المسار لم يُنتج فقط اختلالات في موازين القوى الإقليمية، بل بدأ يُعيد تشكيل “معنى الحرب” ذاته داخل الوعي الجمعي في الإقليم، الذي بدأت بوادره الأولى في الانخراط الواسع لفئات شبابية في حركات التطرف المسلحة.
​فالمشكلة إذن التي قد تبلغ ذروات غير مسبوقة لم تعد في الوقائع المادية للحرب، بل في التحول الوجداني الذي يواكبها ويعيد تفسيرها. فالحروب والمآسي، في لحظاتها القصوى، لا تُختزل في كونها صدامًا بين جيوش، بل تتحول إلى وقائع مُؤسِّسة للمعنى، تُستدعى فيها الذاكرة، وتُعاد صياغة الهوية، ويُعاد ترتيب موقع الفرد داخل الصراع. فما حدث في غزة مثلاً لم يبقَ حدثًا عسكريًا مهما بلغت قسوته، بل تحوّل إلى بؤرة كثيفة لإنتاج الدلالة: صورة مكثفة للظلم، للصمود، وللاختلال الفادح في موازين القوة، وهذه البؤرة لم تُغلق بانتهاء العمليات، بل بقيت مفتوحة في الوعي، قابلة لإعادة الاستدعاء والتوظيف.

​ومع انتقال المواجهة اليوم إلى إيران، فإنّ هذا المخزون الوجداني لا يُترك خامدًا، بل يُعاد تفعيله ضمن إطار أوسع، حيث تبدأ الحرب في تراكم تداعياتها على ما سبقها من مخزون، لا في الانفصال عنه. وهنا تحديدًا يكمن الخطر البنيوي: تراكم الأحداث لا بوصفها وقائع منفصلة، بل كسلسلة دلالية واحدة تُعاد قراءتها ضمن منطق يتجاوز السياسة إلى عقيدة الانتماء الحضاري، وفي هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من بدأ الحرب؟ بل: “ما الذي تمثّله هذه الحرب؟”
​هذا التحول من “السبب” إلى “المعنى ” هو ما يهدد الصراع بالانزلاق التدريجي نحو التديين. فحين تُقرأ الحرب كامتداد لسلسلة من الاعتداءات المتراكمة، ويُعاد تأطيرها ضمن ثنائيات كبرى (ظلم/عدل، اعتداء/دفاع، وجود/إبادة)، فإنّها تخرج من منطق المصالح إلى منطق القيم المطلقة. وفي هذا المستوى، يصبح الانخراط في الصراع ليس خيارًا سياسيًا، بل استجابة وجدانية وأخلاقية، تتغذى من الشعور بالواجب والانتماء.
​إنّ أخطر ما في هذا المسار أنّه يحرّر طاقات التعبئة ويدفعها الى خارج سيطرة الدول. فالفرد الذي يرى نفسه معنيًا بالحرب على أساس هويته أو عقيدته لا يحتاج إلى قرار دولة كي ينخرط فيها، سواء ماديًا أو رمزيًا. وهنا تفقد القوة العسكرية التقليدية إحدى أهم ميزاتها في القدرة على تحديد من يقاتل ومن لا يقاتل.
​لقد أظهرت تجارب سابقة أنّ الحروب التي تُؤطر دينيًا وعقائديا تميل إلى الاستدامة والتوسع، لأنها لا تُحسم في ساحة المعركة فقط، بل في فضاء المعنى الذي لا يخضع لقواعد الردع، وضمن هذا الإطار، يمكن فهم التراكم الاستراتيجي للأخطاء الأمريكية ليس فقط بوصفه إخفاقًا في التقدير، بل بوصفه مسارًا أفضى، موضوعيًا، إلى إنتاج هذا التحول. فالرهان على إدارة الفوضى بعد 11 سبتمبر، ثم تفكيك التوازنات الإقليمية بعد غزو بغداد 2003، وأخيرًا الانخراط غير المشروط في حرب غزة، كلّها عناصر أسهمت في بناء بيئة نفسية-سياسية مشبعة بالاحتقان، جاهزة لاستقبال أي صراع جديد بوصفه امتدادًا لمعركة أوسع. ومع الحرب على إيران يزداد احتمال أن يكتمل هذا المسار، لأنّنا أمام فاعل قادر أصلاً على توظيف البعد العقائدي في التعبئة.
​من هنا، فإنّ استمرار الحرب لا يعني فقط تعميق الخسائر الناجمة عنها أو توسيع رقعة الاشتباك، بل يعني، على نحو أخطر، تثبيت هذا التحول في الوعي، فكلّ يوم إضافي من القتال لا يضيف فقط إلى حصيلة الدمار دمارًا أوسع، بل يضيف إلى رصيد السردية التي تُعيد تعريف الحرب كصراع ديني وحضاري. وعندما تترسخ هذه السردية، فإنّ أي محاولة لاحقة لاحتواء الصراع تصبح أكثر صعوبة، لأنّها ستُواجه ليس فقط بحسابات القوة، بل برفض وجداني عميق لأي تسوية.
​وبعبارة حاسمة، على ترامب أن يسارع إلى وقف هذه الحرب لأنّها تقف على حافة تحوّل نوعي: من حرب يمكن إنهاؤها بقرار سياسي إلى حرب يُعاد إنتاجها داخل الوعي الجمعي بوصفها واجبًا عقائديًا وحضاريًا. وفي اللحظة التي يحدث فيها هذا التحول، تفقد الولايات المتحدة-وأي قوة نظامية-قدرتها على التحكم بمسار الصراع أو بنهاياته.
​فالخطر، إذن، ليس في أن تخسر واشنطن معركة، بل في أن تُسهم، من حيث تدري أو لا تدري، في إطلاق دينامية صراع لا يمكن إطفاؤها بالوسائل التي أشعلتها بها. وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها إنهاء الحرب ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية لتفادي انزلاق شامل نحو صراع مفتوح على المعنى، قبل أن يكون مفتوحًا على الجغرافيا.
*كاتب واكاديمي تونسي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

عروض ترامب المسرحية!

  د. سعد ناجي جواد* منذ ان استطاع مجرم الحرب المدان من محكمة الجنايات الدولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *