الجمعة , أبريل 3 2026
الرئيسية / اراء / الحرب والحماقة ومكر التاريخ!

الحرب والحماقة ومكر التاريخ!

د. ادريس هاني*
هذه حرب حمقاء، وهي حمقاء مفروضة من طرف واحد. اختبار بليد لإرادة أمة انصفها التاريخ اليوم أكثر من أي وقت مضى. هذه المرة بدا مكر التاريخ خارج حساب الإمبريالية ورعونتها، حيث فقدت قوة المبتدأ وسلطة الإنهاء. لقد وضعها التاريخ في مهب الريح، وهو مؤشر على أنها دخلت دورة الانحطاط وسقوط الأمم.
يصعب على من أثخن في علف التبعية أن يبصر هذه الدورة الماكرة للتاريخ. وكعفاريت سيدنا سليمان، ستنهار الامبريالية على كرسي قطبيتها، ولن تقتنع العفاريت حتى تأكل الأرضة عصا الإمبراطور. للتبعية مفعول يستمر حتى بعد سقوط الرهانات الكبرى، وهذا هو سر السرديات العنيدة، تلك السرديات التي تعبر عن هزيمتها برباطة جاش وبجاحة.

يمارس ترامب الكوميديا السوداء، وهي طريقة من فقد الأمل في الهروب من الوضعية التي ورطه فيها صبيان السياسة وشمشون المنهزم. إنه بتعبير آخر هذيان الهزيمة.
وفي الضفة الأخرى من مسرح الجريمة، يسكر الكونيست على قرار إعدام الأسرى. في محاولة للضغط، واستهتار فاجر بآخر مشاعر بني البشر، حتى لا نتحدث عن القانون الدولي الذي دقوا آخر إسفين في نعشه.
أسابيع من القصف كانت كافية لتعلم الحرذون ما لم يعلم من أصول السياسة وانثروبولوجيا الحرب. لقد حصد ترامب والنتنياهو أرقاما تحت الصفر، لأن الذي يفرض اليوم حصارا على الاحتلال هو طهران وليس العكس. فالجغرافيا التي كانت ممنوعة حتى على الحجارة هي اليوم تحترق، بينما المستوطنون محتجزون في الملاجيء حتى إشعار آخر. فشمشون الجبار الذي سطر “مكان تحت الشمس” لم ير الشمس منذ أسابيع.
شمشون اليوم هو في مواجهة حارقة ضد محور ظن أنه انتهى. لم تنفع الهدنة، فالمعركة حامية الوطيس جنوب الليطاني، وإذا تمادى الاحتلال، فربما ستدار المعركة داخل الجليل.
ما يحدث اليوم بجنوب لبنان، كان سيبدو حدثا فائقا لو لم يأت في ظرف مشحون بالصواريخ الإيرانية التي حجبت قوة المواجهة التي تخوضها المقاومة بصلابة أسطورية وتضحيات جسام. وهي معارك أسقطت كل سرديات أوهام القضاء على المقاومة. إن درس المقاومة اليوم توثقه التضحيات الكبرى لا السرديات الفاقدة للفهرسة.
هناك شعوب عربية تتطلع إلى الانعتاق من الهيمنة والاحتلال، وهي تتابع المشهد في ذهول، لأنها تشربت الهزيمة مكرهة. لكن الهزيمة لا زالت تقاوم الانتصار.
لقد تضخمت مفاهيم بالية في بعض السرديات العربية، توضع في سياق غريب وشروط أجنبية، كالواقعية، والحياد الأيديولوجي.
لقد تسمم العقل العربي بمفاهيم غريبة الاستعمال وسيئة الهضم. وقد استفحل الأمر أكثر بفعل عقدة الثباتية(Fixisme) التي أورثت الذات العربية ذهان الهذر وبؤس التفكير، وذلك كما حللناه سابقا، ناتج عن اختلال في المرحلة الفموية. إن إيقاف هذه الرغبة في ذات مهذارة، يشبه فعل الازرام.
لقد نزل مفهوم الأيديولوجيا مثلا في الاستعمال العربي التبسيطي إلى حكم قدحي هدفه محق الرأي الآخر من دون عناء، وهو مؤشر على جهل مركب وسوء فهم للأيديولوجيا الواصفة، ما لها وما عليها، فأحكام قيمة هي حيلة من خانه تاريخ الأفكار وأضاع البوصلة المعرفية. فالأيديولوجيا في نظر غير الخبير بمدارك المعرفة وتطبيقاتها تبدو دخيلة على الفعل الإنساني نظرا وعملا، بينما هي غير منفكة عن الإنسان حتى في المختبر العلمي. يؤمن الاستعمال الفاسد للمفاهيم طريقا سريعا لاستقالة العقل العربي، في جنوحه إلى السهل واجتناب ذات الشوكة في الفكر والسياسات. كن من شئت أيها الكائن الشرود في البيداء العربية، لكن فقط تعلم القبول بالآخر، بأن الكرامة والتحرر هما غاية الكائن السوي، متى أدرك الصواب ولم يبغها عوجا.
اليوم، لا أفق للعرب إن لم يغيروا نظرتهم لأنفسهم وللعالم ويهذبوا طبائعهم. لا يهم تاريخ طويل من الأخطاء، فمكر التاريخ يتيح للعرب اليوم فرصة استدراك ما فات. ندرك جيدا أن أوزار الهزيمة وأثقالها قد احدودب لها ظهر العرب ردحا من الزمن، لكن كل شيء هو ممكن إذا ما أدرك العرب أن الهزيمة هي الأخرى عادة كما النصر عادة!
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

رحيل مزارعة.. وجع الصحافة الصامت!

عادل حويس* رحل عبدالوهاب مزارعة لكن رحيله لم يكن مجرد خبر عابر في سجل الوفيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *