عادل حويس
رحل عبدالوهاب مزارعة لكن رحيله لم يكن مجرد خبر عابر في سجل الوفيات بل كان وجعاً ثقيلاً سقط دفعة واحدة على قلب الوسط الصحفي اليمني وعلى كل من عرف هذا الرجل عن قرب أو تابع بصماته الصادقة في بلاط الكلمة.
برحيله، تخسر مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر واحداً من أكثر كوادرها إخلاصاً ونقاء ويخسر الوطن صوتاً ظل وفياً لقضايا الناس حتى وهو يئن تحت وطأة الألم.
لم يكن مزارعة صحفياً عادياً يؤدي مهامه ضمن حدود الوظيفة بل كان نموذجاً نادراً لإنسان آمن بأن الصحافة رسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنة.
منذ خطواته الأولى في إدارة الأخبار برز كقلم دقيق يزن الكلمة بميزان الضمير ويتحرى الحقيقة بإصرار من يدرك أن الخبر أمانة لا تحتمل التهاون. كان يلتقط جوهر الأحداث وسط ضجيج التفاصيل ويصوغها بلغة متماسكة تعكس وعياً مهنياً عالياً وإحساساً عميقاً بالمسؤولية.
ومع انتقاله إلى “قضايا وناس” لم يكتف بنقل معاناة الآخرين بل انغمس فيها حتى صار جزءاً منها.
هناك تجلت إنسانيته في أبهى صورها فكان صوتاً صادقاً للفقراء والمهمشين ومحامياً نبيلاً عن آلامهم يكتب بضمير حي لا يعرف المجاملة ولا يساوم على الحقيقة.
غير أن المفارقة الأكثر قسوة أن هذا الصحفي الذي أفنى سنوات عمره في الدفاع عن قضايا الناس كان هو نفسه يعيش واحدة من أشد القصص الإنسانية إيلاماً بصمت يكاد يكون أسطورياً.
من الوقائع المؤلمة إلى أن الراحل خاض معركة طويلة مع المرض معركة لم تكن عادلة بأي حال حيث تآكل جسده تدريجياً تحت وطأة أمراض قاسية أفقدته أجزاء عزيزة من جسده وتركته يواجه الألم يوماً بعد آخر بثبات نادر.
ومع ذلك لم يتراجع عن أداء رسالته ولم يتخذ من مرضه ذريعة للانسحاب بل ظل متمسكاً بقلمه وكأنما كان يكتب ليقاوم ويقاوم ليبقى وفياً لما يؤمن به.
ازدادت قسوة هذه الرحلة حين ضاقت به الظروف المعيشية واضطر إلى مغادرة محيطه الاجتماعي وزملائه ليعيش بعيداً عن الأماكن التي أحبها وألفها.
هناك في عزلة قاسية كان يصارع المرض والوحدة معاً في ظل تقصير مؤلم ليس فقط على المستوى الفردي بل أيضاً على المستوى المؤسسي حيث لم يحظ بما يليق بتاريخه المهني وإنسانيته الكبيرة.
ولم تكن مأساته فردية بالكامل بل تقاسمتها معه أسرته الصغيرة وعلى رأسها زوجته التي قدمت درساً عظيماً في الصبر والتضحية وهي تواجه مرضها الخاص وتتحمل في الوقت ذاته أعباء رعاية زوج مريض وطفلين في مشهد يجسد قسوة الواقع الإنساني حين يتخلى الجميع إلا القليل.
اليوم ومع هذا الرحيل الموجع يقف الوسط الإعلامي أمام مرآة قاسية تعكس حجم التقصير في حق من أفنوا أعمارهم في خدمة الكلمة والمجتمع.
لم يعد الحديث عن مزارعة مجرد رثاء بل أصبح شهادة حية على معاناة صامتة عاشها صحفي نزيه حتى النهاية وتذكيراً مؤلماً بضرورة إعادة النظر في واقع المبدعين الذين غالباً ما يحتفى بهم بعد أن يغيبوا لا وهم في أمس الحاجة إلى الدعم والإنصاف.
سيبقى عبدالوهاب مزارعة في ذاكرة زملائه وتلاميذه مثالاً للنقاء المهني والإنسان الذي لم تغيره الأوجاع ولم تكسره الظروف بل ظل ثابتاً كجبل يواجه قسوة الحياة بابتسامة الواثق وصبر الحكماء.
وسيظل إرثه المهني والإنساني منارة تضيء الطريق لكل من يؤمن بأن الكلمة موقف وأن الصحافة ضمير حي لا يموت.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة وجعل ما عاناه رفعة في درجاته وألهم أهله وزملاؤه ومحبيه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر