الأحد , أبريل 5 2026
الرئيسية / اراء / اعقلوا ياعرب!

اعقلوا ياعرب!

د. ادريس هاني*
طاح النظام الإيراني..لا، ما طاح…طاح ما طاح، طاش ما طاش؛ هذا حال الخطاب الإعلامي اليوم. لكن، متى كان ذووا الاحتياجات العقلية الخاصة يدبرون خرائط وعينا؟ هذا الوطن العربي مضروب في بنيته العقلية، فكان لا بد من وضعه رغما عن أنف حماقته على كرسي الصابر. لا بد من حماية أجيالنا العربية من تفاهة جيل متخلف ومن ميراث “ضيعة ضايعة”. فمهما تلوى هذا التخلف العربي، فلن يستغفلنا، فنحن لتخلفه بالمرصاد، وحق أجيالنا في فجر عربي جديد خالي من أمراض الوعي المزمنة. هذه وصفة للعرب من عربي منتصب القامة يمشي.
من أضعف الأمم المتحدة ؟

لنبدأ من حيث انتهت السرديات المتورمة، من هذا الخطاب الذي يحاول أن يواصل لعبة الالتفاف على الحقيقة. من يا ترى يهدد النظام الدولي؟ لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة دون مساندة من الوعي التاريخي بالأزمة العالمية بين المركز والهامش، التي أفرزتها مخرجات الحرب العالمية الثانية. اليوم تفكك المركز إلى مراكز كما استطاع المركز أن يفكك الهامش نفسه، وأصبحت التبعية بديلا عن التحرر الوطني، إنها القصة التي لم تنته حتى اليوم.
لم يأت التهديد للأمم المتحدة من دول العالم الثالث، على الرغم من أنها لا تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، لكن التهديد أتى من الدولة العظمى التي وجدت في القانون الدولي ما يعيق تحقيق الجيل الجديد من مصالحها. لقد اصطدم ميثاق الأمم المتحدة مع النزعة الإمبريالية، وكان لا بد من التضحية بالمؤسسة الدولية.
خلال العقود الماضية، راكمت واشنطن العديد من الانتهاكات للميثاق الأممي، بل انتهى الأمر إلى شن حروب في إطار سياسة التدخل من دون الرجوع إلى مجلس الأمن، مما شكل تهديدا صارخا للنظام الدولي وفتح الباب على مصراعيه للفوضى. ومع ذلك، تبدو السياسة الأخيرة أكثر جرأة وحماقة في الإجهاز على ما تبقى من مكتسبات النظام الدولي. وفي سابقة من نوعها، استمر مسلسل الانتهاك، ولم يجد جدارا ممانعا ضد هذا المروق إلا في العدوان الأخير الذي شنه ترامب والنتن ضد إيران، وهي بالفعل حرب يتحمل مسؤوليتها الأحمقان أو بالأحرى المتحامقان ، لأنها شكلت تهديدا للنظام الدولي وليس فقط للشرق الأوسط.
هذا هو الإطار الذي يسعى الخطاب الإعلامي الدولي والإقليمي لاستبعاده من التحليل السياسي، فلقد أنفقوا ملايير الدولارات من المال العام لإعلان الحرب على الدماغ العربي وتشكيل ناشئة زومبية، هي بلا شك ضحية لجيل التبعية والهزيمة.
ساهم الإعلام المضلل في إحكام السيطرة على ذهن المتلقي العربي – قارئا ومستمعا ومشاهدا- وهذه السيطرة هي الأخرى عرفت تطورا ومزيدا من المخاتلة، كي تخفي انتهاكها الممنهج لمنطق الأشياء. يختبئ الإعلام الرجعي في لعبة الصورة وتقنيتها، معززا ذلك بخدعة الانفتاح على الرأيين. وعندما تقف عند الرأيين، لن تجد اختلافا حقيقيا، بل لن تجد رأيين حقيقين، بل يتعلق الأمر هنا بمواجهة بين رأي وتضليل، يصبح ذهن المتلقي مهيأ خوارزميا لتقبل المشهد كجدل بين رأيين، وفي النهاية يصبح التضليل رأيا، في أكبر خدعة أسكرت رأيا عاما عريضا.
حين يتحدى ترامب الرأي العام الأمريكي والعالمي، فهو مدرك لمنشأ قوة اللعب بالجمهور. فلقد لعب التضليل دورا كبيرا في تجهيز الرأي العام، وحرمانه من الوعي بوضعيته التاريخية.
هناك رأي وهناك تضليل في وضعية صراع مفتعل وممسرح، ينظمها إعلام تهريجي مضلل. وكانت تلك هي العملية التي بات فيها الدجل وجهة نظر، بل غدا الدجل يتلوى خلف متاريس مفاهيمة مهربة.
وليس شطارة منها غدت الميديولوجيا الرجعية متفوقة حتى على إعلام المقاومة في تصدير علفها التضليلي؛ فهذا التفوق راجع إلى تنزيل تقنية التضليل المعمول بها في الإعلام الإمبريالي، استنساخ تقنيات اللعب بالصورة والضخ الإعلامي المبني على المغالطة، ويأتي الإنفاق الأسطوري على قطاع يساهم في إعادة إنتاج الموقف الرجعي بلبوس القوة الناعمة، ثم يأتي العامل الأساسي هو الإسناد الإمبريالي، في مقابل ذلك، هناك طرد لمعظم هذه القنوات من الأقمار الاصطناعية، ومنع تداول أي صورة أو عنوان له علاقة بالمحور. تلك هي شطارة الإعلام التضليلي، مضاف إليه أن إعلام المحور مقيد بخط تحريري يمنع الكذب والتضليل، وهذه في نظر إعلام التضليل هي نقطة ضعف. هذا دون أن ننسى اختراق إعلام المقاومة نتيجة استفحال مركب ستوكهولم في هذا الإعلام الذي يجعله يهرول عبثا خلف كل صوت، مما يوقعه في قزمة الرأي والخبراء المزيفين ، بالإضافة إلى جمود الخطاب التحريري وتموقعه في خانة الدفاع عن النفس مقابل شلال التضليل الذي يحشره في الزاوية.
هذا ما يؤدي إلى الفجوة التواصلية، وهي نقطة ضعف باتت بنيوية بامتياز.
في سياق أزمة الوضعية التواصلية، لا توجد حصانة أمام الشقلبات البهلوانية في المواقف، وهو ما تستغله نابتة التضليل في حضيرة الوعي العربي المثقوب. لقد تم تسجيل حالات من النطات بين الحبال في غياب راصد حقيقي لهذه الظاهرة. يتيح خطاب التضليل انتهاك الإنحاء، فتصبح باؤهم تجر، وباء غيرهم لا تجر، هكذا من دون قرينة، سوى قرينة الوقاحة. وهنا يتشكل الضلع الأعوج للسياسة العربية.
لوثة الطائفية
الجسد العربي معتل، وبلهارسيا الطائفية أورثته الهلاك وأصابته بالوهن. ولكن للطائفية، بمفهومها السياسي شديد المكر، دورا وظيفيا لازال يذكرنا بعصر الوفاء للهزيمة. إن الطائفية هي المصل الذي يمكننا من هضم الهزيمة.
هذا هو وطننا العربي، تعددت مدارسه وآراؤه، وليس هو في عالم الأوطان بدعا في هذا التنوع، فلماذا يريدون تذكيرنا بالختمة الطائفية لإيران وللعرب، وهم إذ يفعلون ذلك ليس بوازع ديني ولا علما بالفروق، ولكنها وسيلة لإغماط حق بلد صمد ولم يصمدوا، قاوم ولم يقاوموا، قال لا للاحتلال حيث قالوا نعم… ما أجبن الهزيمة حتى تتحلى بالإنصاف. لكن الطائفية في وطننا العربي هي ساحرة شمطاء هثماء، تبخس المختلف حقه، وتجعل من الحبة قبة متى تعلق الأمر بعصبتها، فالطائفية هي العصبية الجاهلية التي صمدت على مر العصور في منطقتنا . ونقصد بالطائفية تلك الحساسية التي تستسهل عدم إنصاف المختلف. ولكن الجديد في هذه النزعة المرضية إن لم نقل عبقريتها في الوطن العربي، هو تلبسها بالحقد الجبان، وعدم الكشف عن لواعجها الخفية.
لا شيء يبرر التشنيع على أهل التضحية، فهذا خيانة للضمير الإنساني. إن الوباء الطائفي لا علاج له إلا بتمكين الناشئة العربية من وعي جديد خارج قوالب سراق الله.
نحن من فقأ عين الفتنة ودعى إلى الاقتصاد في الخلاف، على قاعدة الاحتواء والاستيعاب والاعتراف والإنصاف، نحن من يمحض الوطن العربي النصيحة، ويعلمه كيف يصطاد في المياه العذبة لا المياه العكرة. نصيحة للعرب: لا تسمحوا للتخلف أن يحول تنوعكم إلى لعنة. هناك ما هو أنبل في حياة الأمم، أن تكون متعايشة على تنوعها، سيدة على مقدراتها، حرة في اختياراتها، فليكن مذهبكم هو الإسلام في كليته المستوعبة للتنوع، وطائفتكم هي الأمة على ثراء مذاهبها، وأما الباقي فهو تفاصيل.
إن الشعوب العربية طيبة العريكة في أصلها، ولكنها غير متروكة للحق.
اليوم وقد احتدمت المعركة، وباتت الحرب حرب وجود، لن يصمد فيها إلا من كان له أصل في التاريخ عريق. وهذه المعركة لن تنهيها حتى القوة النووية، فليست طهران في جغرافيتها ومزاجها هي بيرل هاربر، والقوة النووية لن تنهي أمة مستعدة لاستنشاق النووي دفاعا عن كرامتها. ولا شك أنه من الصعوبة أن ينتفض جزء من العرب ضد تواجد عسكري أجنبي بات توريطيا بامتياز، لكن لابد من التحرر من هذا الرهاب المزمن. فلماذا البكاء إن كانوا قد وضعوا كل البيض في سلة راعي البقر؟ وحيث كل السرديات مصيرها إلى مزبلة التاريخ، فليس أمام أبناء المنطقة سوى الدخول إلى نظام عالمي جديد في طور التشكل حتما، برصيد مسبق من التفاهم، فلا زلنا مقتنعين منذ عقود، بأن لا بديل عن الحوار والتفاهم ووجوب غسل الصحن الذي ولغ فيه كلب الطائفية، سبع مرات، أولاهن بالتراب. لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيهم إن لم يسمعوها. ليست لنا مصلحة منذ المبتدأ فكيف تكون في الخبر، إلا أن نصلح حالة أمة تترنح على حافة التاريخ. هو الأمل وقد عبرت عنه في إهداء كتابي( العرب والغرب/ 1998م)، لجيل عربي ارتسمت ملامحه في وجداننا من مهجري القديم ، أستعيد هذا الإهداء اليوم كما هو لا عوج فيه ولا شيء منه قد تغير:
إليك جيل المحنة العربي حيثما أفاق حلمي بك عظيما، وأصر حلمي على رؤياك عزيزا..إليك قربان قلب مزقه هدير الشوق..ها أنذا أرسف إليك بأغلال حلم مخاتل، وصبابة حائر في دروب جنت بإشارات المرور، فأستحمل طغيان الغياب كي أعانق أمل حنين أضناه حزن المسافات بين لعبة الشرق والغرب، في ممشى مثخن -حتى الآفاق- بجراح صبر لما يبرحه نزيف الانتظار..إليك عساك تصغي إلى ما تبقى من الكلام المباح.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ارتفاع سقف “الوهم”!

وديع العبسي* يؤكد استمرار موجات الانتقام والتأديب الإيرانية بذات الوتيرة من القوة، مع ارتفاعها أحياناً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *