الأحد , أبريل 5 2026
الرئيسية / اراء / تأملات في أخلاق الحروب غير العادلة!

تأملات في أخلاق الحروب غير العادلة!

د.احمد القطامين*
في كل زمنٍ، حين تختلّ موازين القوة، يظهر سؤالٌ لا يشيخ: هل تُهزم العدالة لأنها ضعيفة، أم لأنها تُترك وحيدة؟
الحروب غير العادلة ليست مجرد صراع بين طرفين؛ إنها لحظة انكشاف أخلاقي للعالم كله. حين يختار من يملك القوة أن يسحق من يملك الحق، لا يكون قد انتصر في معركة، بل يكون قد أعلن، بصمتٍ صاخب، أن القوة قررت أن تتحرر من أي التزام أخلاقي. وهنا، لا يعود السؤال: من ربح؟ بل: ماذا خسرنا جميعًا كبشر؟
القوة، في جوهرها، أداة محايدة. يمكنها أن تحمي، كما يمكنها أن تدمر. لكن عندما تنفصل عن العدالة، تتحول إلى ما يشبه الغريزة العمياء؛ لا ترى إلا بقدر ما يخدم بقاءها وتوسعها. أما الحق، فهو هشّ بطبيعته، لأنه لا يملك أن يفرض نفسه بالقسر، بل ينتظر أن يُعترف به. وهذه هي المأساة: الحق يحتاج إلى ضمير، بينما القوة لا تحتاج إلا إلى قرار قد يتخذه شخص احمق.

في الحروب غير العادلة، لا يُقتل الناس فقط، بل تُقتل المعاني. تُقتل فكرة أن العالم يمكن أن يكون مكانًا تُحترم فيه القيم، لا مجرد ساحة تُفرض فيها الإرادات. يصبح الإنسان رقمًا، والخسارة إحصائية، والدم مجرد “أثر جانبي”. والأسوأ من ذلك، أن هذا التكرار يُنتج نوعًا من التبلّد الأخلاقي؛ حيث يتعوّد العالم على رؤية الظلم، حتى يصبح مألوفًا، بل مقبولًا ضمنيًا.
لكن، رغم كل هذا، يبقى هناك تناقض عميق لا يمكن محوه: القوة قد تسحق الحق ماديًا، لكنها تعجز عن إلغائه معنويًا. فالحق لا يُقاس بقدرته على الانتصار الفوري، بل بقدرته على البقاء كفكرة تقاوم النسيان. ولهذا، كثيرًا ما تنتهي الحروب غير العادلة بانتصار عسكري للقوة، لكن بهزيمة تاريخية لها ايضا. لأن الذاكرة البشرية، مهما طال الزمن، تميل إلى إعادة الاعتبار لما كان صحيحًا، حتى لو تأخر ذلك.
إن أخطر ما في الحروب غير العادلة ليس فقط الظلم الذي يحدث فيها، بل الفكرة التي تترسخ بعدها: أن القوة كافية لتبرير نفسها. وإذا ما ترسخت هذه الفكرة، فإننا لا نكون أمام حرب واحدة، بل أمام مستقبلٍ كاملٍ مهدد بأن يُبنى على نفس المنطق.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا تسحق القوة الحق؟ بل: لماذا يسمح العالم بذلك؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من إدراك أن الحياد في لحظات الظلم ليس موقفًا بريئًا، بل هو شكلٌ آخر من أشكال الانحياز، انحياز للصمت الذي غالبًا ما يكون الحليف الأكثر وفاءً للقوة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجًا:
أن العدالة لا تنهزم فقط حين تُهزم في ساحة المعركة، بل حين يتوقف الناس عن الايمان بانها تستحق ان يدافع عنها.

*كاتب واكاديمي اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ارتفاع سقف “الوهم”!

وديع العبسي* يؤكد استمرار موجات الانتقام والتأديب الإيرانية بذات الوتيرة من القوة، مع ارتفاعها أحياناً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *