السبت , أبريل 11 2026
الرئيسية / اراء / الحرب على إيران: اختبار التوازنات…!

الحرب على إيران: اختبار التوازنات…!

د. وائل عوّاد*
في خضم التصعيد المتسارع بين إسرائيل وإيران، وبدعم واضح من الولايات المتحدة، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف على حافة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى. غير أن هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن أدوار قوى إقليمية ودولية تسعى إلى التأثير في مسار الصراع دون الانخراط المباشر فيه، وعلى رأسها الهند والصين ودول الخليج—إلى جانب لاعب غالبًا ما يعمل في الظل: باكستان.
الحرب أو شبه الحرب الدائرة اليوم لم تعد مجرد مواجهة ثنائية، بل تحولت إلى ساحة تفاعل معقدة تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع حسابات الطاقة والتجارة، وتُختبر فيها قدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
من منظور إسرائيلي، لطالما شكّلت إيران التهديد الاستراتيجي الأول. منذ تسعينيات القرن الماضي، شكّلت إيران محورًا أساسيًا في الرؤية الأمنية الإسرائيلية. ففي كتابه مكان بين الأمم- ((A Place Among the Nations، قدّم نتنياهو تصورًا واضحًا لموقع إسرائيل في النظام الدولي، معتبرًا أن التهديدات التي تواجهها ليست فقط تقليدية، بل تمتد إلى ما أسماه “الأنظمة المعادية ذات الطموحات الإقليمية وقد عبّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن هذه الرؤية منذ عقود، معتبرًا أن احتواء إيران أو إضعافها ضرورة وجودية. اليوم، تبدو هذه العقيدة في طريقها إلى الترجمة العملية، لكن ضمن سياق أكثر تعقيدًا، حيث تتحرك إسرائيل ضمن شبكة تحالفات تقودها الولايات المتحدة بعد ان ربطت اسرائيل امنها بالاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

في المقابل، تنظر إيران إلى المواجهة باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والسيادة، وتعتمد على استراتيجية تقوم على الرد غير المباشر وتجنب الحرب الشاملة، مع الحفاظ على أوراقها الإقليمية.
غير أن العامل الحاسم في هذه المعادلة لم يعد محصورًا في طرفي الصراع، بل بات يتشكل في مواقف الدول التي تحاول البقاء خارج دائرة النار.
الهند، على سبيل المثال، تتبنى سياسة “الحياد الاستراتيجي النشط”، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف. فهي شريك استراتيجي لإسرائيل، لكنها تحتفظ بمصالح حيوية مع إيران، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية. هذا التوازن يجعلها حريصة على تجنب أي تصعيد قد يهدد استقرار المنطقة.
أما الصين، تتعامل مع الأزمة ببراغماتية واضحة. فهي ترى في إيران شريكًا مهمًا في مجال الطاقة، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على استقرار المنطقة لضمان تدفق التجارة العالمية. لذلك، تسعى إلى لعب دور داعم للاستقرار دون الانخراط في المواجهة.
دول الخليج، بدورها، تعيش حالة من القلق البراغماتي. فهي الأكثر ضررا” من هذا التصعيد الحطر ، وفي الوقت نفسه تعمل على تنويع مشاركاتها الدولية وفتح قنوات تواصل مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران، لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبرز دور باكستان كلاعب صامت لكنه مؤثر. فبفضل موقعها الجغرافي، وعلاقاتها المتوازنة مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، وقدرتها على التحرك بعيدًا عن الأضواء، تمتلك إسلام آباد مقومات فريدة للعب دور “قناة خلفية” في إدارة الأزمة.
لا تسعى باكستان إلى وساطة معلنة فحسب ، بل إلى أداء وظيفة أكثر دقة: الحوار المباشر بعيدا” عن نقل الرسائل، تخفيف التوتر، ومنع سوء الفهم بين الأطراف.
وفي هذا السياق، لم يعد الدور الباكستاني مجرد احتمال نظري، بل أخذ يتبلور كأحد المسارات الواقعية لإدارة الأزمة. فقد حظيت الوساطة التي تقودها باكستان بقبول نسبي من الأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع، إلى جانب ترحيب حذر من قوى إقليمية ودولية معنية بالحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران. ويعكس هذا القبول إدراكًا متزايدًا لدى هذه الأطراف بأن القنوات التقليدية لم تعد كافية وحدها لإدارة أزمات معقدة بهذا الحجم، وأن الحاجة باتت ملحّة لوسطاء يمتلكون مرونة سياسية وقدرة على التحرك خارج الأطر الصلبة للتحالفات.
الأهم من ذلك، أن الدور الباكستاني يتميز بخصوصية مزدوجة: فهو من جهة مقبول نسبيًا من مختلف الأطراف، ومن جهة أخرى لا يثير حساسيات كبرى كما تفعل بعض القوى التقليدية. هذه “الحيادية الوظيفية” تمنحه ميزة نادرة في بيئة إقليمية مشحونة بالاستقطاب، حيث يصبح الوسيط القادر على التواصل مع الجميع دون أن يُحسب بالكامل على أي طرف عنصرًا حاسمًا في إدارة الأزمات.
من منظور أوسع، يفتح بروز باكستان كوسيط محتمل الباب أمام سيناريوهات جديدة في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط. فبدلًا من احتكار الوساطة من قبل قوى كبرى أو أطراف غربية، نشهد انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج “تعدد الوسطاء”، حيث تتكامل أدوار قوى إقليمية مختلفة—مثل الصين ودول الخليج—في إدارة الأزمات. وهذا النموذج يعكس تحوّل النظام الدولي نحو تعددية قطبية أكثر مرونة وتعقيدًا.
غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يبقى محكومًا بعدة محددات، أبرزها محدودية أدوات الضغط الباكستانية، وتعقيدات المشهد الداخلي في إسلام آباد، إضافة إلى حساسية التوازن بين علاقاتها مع واشنطن وبكين وطهران. ومع ذلك، فإن قيمة هذا الدور لا تكمن في قدرته على فرض الحلول، بل في قدرته على منع الانزلاق نحو الأسوأ.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الوساطة الباكستانية تمثل أكثر من مجرد جهد دبلوماسي عابر؛ إنها مؤشر على تحوّل أعمق في كيفية إدارة الصراعات في الشرق الأوسط، حيث لم تعد القوة وحدها هي المحدد، بل أصبحت القدرة على بناء الجسور وإدارة التوازنات عنصرًا لا يقل أهمية.
ختاما” ، وفي زمن تتراجع فيه فعالية القنوات التقليدية، تبرز باكستان كوسيط من خارج الإطار الجغرافي للشرق الأوسط، لكنها في قلب معادلته الجديدة؛ حيث لم يعد النفوذ يُقاس بالموقع فقط، بل بالقدرة على فتح قنوات الحوار حين تُغلق أبواب السياسة.
الولايات المتحدة تدرك أهمية هذه القنوات غير الرسمية، خاصة في ظل محدودية التواصل المباشر مع إيران. ومن هنا، قد تجد في باكستان شريكًا مفيدًا—ليس كصانع قرار، بل كمسهّل للحوار غير المعلن.
مع ذلك، يبقى الدور الباكستاني محدودًا بحدود قدرته. فهو لا يملك أدوات ضغط حاسمة، ولا يتحكم في مسار العمليات العسكرية. لكنه، في المقابل، يساهم في خلق مساحة دبلوماسية تمنح الأطراف فرصة للتراجع أو إعادة الحسابات.
ما نشهده اليوم، إذن، هو صراع متعدد المستويات: عسكري في ظاهره، لكنه في عمقه شبكة معقدة من التوازنات الدولية والإقليمية. وفي مثل هذا الصراع، لا يكون الانتصار دائمًا لمن يطلق الصواريخ، بل لمن ينجح في إدارة التوازنات.
السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟ بل: هل يمكن منع الحرب الشاملة؟
الإجابة لا تعتمد فقط على قرارات تل أبيب أو طهران أو واشنطن، بل على قدرة الأطراف الأخرى الهند، الصين،روسيا، دول الخليج، وباكستان على لعب أدوار موازنة تمنع الانفجار الكبير.
في هذا السياق، يصبح دور باكستان مثالًا على قوة “الدبلوماسية الهادئة”، حيث لا تُصنع العناوين الكبرى، لكن تُمنع الكوارث.
في الشرق الأوسط اليوم، لا تُقاس القوة فقط بالقدرة على شن الحروب، بل بالقدرة على تجنبها؛ حيث تتحول الأدوار الصامتة كالدور الباكستاني إلى صمامات أمان في نظام إقليمي يقف على حافة الانفجار
*كاتب صحفي و مستشار في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

«ولا يزالون يقاتلونكم»

محمد محسن الجوهري* ليس في عقيدة الكيان أدنى إيمان بثقافة السلام، ولو لم يتبقَّ لهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *