الإثنين , أبريل 13 2026
الرئيسية / اراء / (إسرائيل) تقود لبنان نحو الحرب الأهلية!

(إسرائيل) تقود لبنان نحو الحرب الأهلية!

العميد. محمد الحسيني*
يمكن قراءة قبول العدو الإسرائيلي بالانخراط في مسار تفاوضي مع لبنان ضمن إطار أوسع من الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل الجبهة الشمالية. فبعد جولات عسكرية متكررة أظهرت صعوبة تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله بالقوة المباشرة، برز للعلن في بعض النقاشات الإعلامية والتحليلية الإسرائيلية طرح يقوم على فكرة أن الضغط العسكري والسياسي المتواصل قد يؤدي إلى نتائج استراتيجية داخل لبنان لمصلحة العدو نفسه. وقد ظهر هذا النقاش بوضوح في أحد البرامج التحليلية على القناة 13 الإسرائيلية، حيث تناول الصحافي الاستقصائي رفيف دروكر (Raviv Drucker) والمحلل العسكري ألون بن دافيد (Alon Ben David) تداعيات الحرب على الجبهة الشمالية، مشيرين إلى أن استمرار التصعيد قد يفضي إلى تداعيات داخلية عميقة في لبنان، قائلين: “نحن نقود لبنان نحو حرب أهلية”.
من هذا المنطلق، يعتمد هذا التحليل على مقاربة تفسيرية في دراسة السلوك الاستراتيجي لإسرائيل، التي تركز على تفاعل العقيدة الأمنية مع بيئة الصراع الإقليمي. فمن الناحية النظرية، يمكن فهم هذا النمط من التفكير ضمن تطور عقيدة الأمن الإسرائيلية التي تبلورت منذ عهد دافيد بن غوريون (David Ben-Gurion)، والقائمة على مبدأ منع تشكّل تهديدات استراتيجية على حدود إسرائيل من خلال الجمع بين الردع والاستباق ونقل المواجهة إلى خارج العمق الإسرائيلي، أي إلى داخل بيئة الخصم.
وقد تطورت هذه العقيدة لاحقًا لتشمل في بعض قراءاتها الاستراتيجية فكرة إدارة البيئة الإقليمية المحيطة عبر إضعاف مراكز القوة المعادية أو احتوائها، بدل الاكتفاء بردّ الفعل العسكري المباشر.
ومن هذا المنظور، يمكن وضع النقاشات الإسرائيلية حول لبنان ضمن سياق أوسع لا يتعلق فقط بإدارة الصراع مع حزب الله، بل بطريقة تصور إسرائيل للبيئة الأمنية المحيطة بها ككل، حيث يصبح استقرار الجبهات الحدودية مرتبطًا بمدى تماسك الدول المجاورة وقدرتها على ضبط الفاعلين المسلحين داخلها.
وفي هذا السياق، يُفهم القبول الإسرائيلي بالمفاوضات – خصوصًا في ظل ما يُصوَّر إسرائيليًا على أنه طلب أو ضغط لبناني للقبول بالمفاوضات – كجزء من مقاربة قد تسعى إلى نقل مركز الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله إلى ديناميات داخلية لبنانية. فإضعاف الحزب عبر صراع داخلي محتمل قد يُنظر إليه، في بعض التحليلات الإسرائيلية، كمسار أقل كلفة من مواجهة عسكرية مفتوحة يصعب حسمها ميدانيًا. ومن هنا جاءت الإشارة التي أثارت جدلًا عندما طُرح احتمال أن يقود الضغط العسكري المتواصل لبنان نحو اضطرابات داخلية قد تصل إلى حد الحرب الأهلية، بوصفها إحدى النتائج المحتملة لتراكم الضغوط العسكرية والسياسية.
غير أن هذا الطرح يواجه أيضًا انتقادات استراتيجية جوهرية في الأدبيات الأمنية. فعدد من الباحثين يرون أن انهيار الاستقرار الأمني في لبنان قد لا يخدم بالضرورة المصالح الإسرائيلية، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والبعيد. إذ إن تفكك الدولة أو انفلات الوضع الأمني قد يحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لظهور فاعلين مسلحين متعددي المستويات، بما في ذلك تنظيمات عابرة للحدود يصعب احتواؤها ضمن معادلات الردع التقليدية. ففي حين يقوم الصراع القائم حاليًا مع حزب الله ضمن إطار ردعي يمكن التنبؤ بتفاعلاته نسبيًا، فإن انهيار المنظومة الأمنية اللبنانية قد يفضي إلى بيئة أمنية فوضوية تتسم بتعدد مراكز القرار العسكري وتراجع قدرة أي طرف على ضبط مسار التصعيد. لذا، قد تتحول الحدود الشمالية لإسرائيل من جبهة صراع محددة المعالم إلى فضاء أمني مفتوح، تتداخل فيه تهديدات غير متجانسة يصعب إدارتها أو احتواؤها ضمن استراتيجيات الردع التقليدي.
ومن منظور استشرافي، يفتح هذا الواقع أمام عدة مسارات محتملة لمستقبل الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية. فقد يؤدي استمرار الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية إلى تفاقم الانقسامات الداخلية في لبنان، بما قد يفضي إلى حالة من عدم الاستقرار المزمن أو إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي اللبناني. وفي المقابل، قد يدفع إدراك المخاطر المشتركة المرتبطة بانهيار الدولة الأطراف المعنية إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة تهدف إلى ضبط مستوى التوتر وإعادة تثبيت قواعد الاشتباك على الحدود. وفي كلتا الحالتين، سيبقى مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل مرتبطًا بجملة من المتغيرات الحاسمة، من أبرزها قدرة الدولة اللبنانية على إعادة بناء جزء من التماسك المؤسسي، ومستقبل الدور العسكري والسياسي الذي يؤديه حزب الله، إضافة إلى طبيعة التوازنات الإقليمية الأوسع التي تشكل البيئة الاستراتيجية للصراع.
وفي ظل هذه العوامل المتداخلة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور يتمثل في استمرار نمط من “الاستقرار الهش”، حيث يتعايش الردع المتبادل مع مستويات متفاوتة من التصعيد المحدود، من دون أن يتحول الصراع إلى تسوية شاملة أو إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
كلّ ذلك في حال لم تُسارع الحكومة اللبنانية إلى التواصل مع الدبلوماسية الإيرانية لمواكبة المفاوضات الأميركية–الإيرانية الجارية في إسلام آباد. فحتى لو انتهت هذه المفاوضات إلى الفشل، فإن مجرد الانخراط اللبناني في متابعة مسارها من شأنه أن يحدّ من تراجع قدرة بيروت على التأثير في مجريات التطورات. ويعود ذلك إلى أن إيران، بوصفها الراعي الإقليمي لحزب الله، تُعدّ الجهة الوحيدة القادرة عمليًا على ضمان تنفيذ أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار على الأراضي اللبنانية. وفي غياب هذا التنسيق، قد تجد الحكومة اللبنانية نفسها مع اقتراب يوم الثلاثاء، موعد اللقاء مع الجانب الإسرائيلي، من دون امتلاك أوراق تفاوضية حقيقية تمكّنها من التأثير في مسار المحادثات أو تحسين شروطها.
وعند مقارنة أي مسار تفاوضي محتمل بين لبنان وإسرائيل بتجارب السلام العربية السابقة، يظهر أن نجاح مثل هذه المسارات غالبًا ما يرتبط بوجود حد أدنى من التوازن في موازين القوى. فقد جاء الاتفاق الناتج عن “معاهدة كامب ديفيد” بعد حرب تقليدية كبرى خاضتها مصر عام 1973، وهو ما أعاد قدرًا من التوازن العسكري والسياسي مكّن القاهرة من التفاوض انطلاقًا من موقع يمتلك أوراق ضغط واضحة، الأمر الذي أسهم في إنتاج تسوية قائمة على إعادة توزيع واضحة لمعادلات القوة وليس فقط على إنهاء الحرب. كما أن معاهدة السلام المعروفة باسم “اتفاقية وادي عربة” جاءت في سياق إقليمي ودولي مختلف، حيث امتلك الأردن هامشًا من الاستقرار الداخلي والقدرة على إدارة التفاوض ضمن منظومة إقليمية داعمة.
أما في الحالة اللبنانية، فإن تعدد مراكز القوة داخل الدولة وارتباط الصراع بالمقاومة يجعل مستقبل أي تسوية محتملة أكثر تعقيدًا. ومن هنا فإن استشراف مسار العلاقة بين لبنان وإسرائيل في السنوات المقبلة سيبقى مرتبطًا بثلاثة متغيرات أساسية: قدرة الدولة اللبنانية على إعادة بناء جزء من التماسك المؤسسي، ومستقبل دور حزب الله في المعادلة الأمنية، وطبيعة التوازنات الإقليمية التي قد تدفع الأطراف إما نحو تسويات تدريجية أو نحو جولات جديدة من الصراع. وفي ظل هذه العوامل المتداخلة، يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو استمرار حالة “الاستقرار الهش”، حيث يتعايش الردع المتبادل مع توترات دورية قد تعيد تشكيل المشهد الأمني والسياسي على الجبهة الشمالية للمنطقة.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

النجم المرهبي.. قصة نجاح ملهمة!

  محمد العزيزي* في زمنٍ كانت فيه الملاعب الترابية تصنع النجوم وتقاس قيمة اللاعب بجرأته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *