د. بسام روبين*
عندما نتحدث عن خنق مضيق هرمز، يذهب الظن بالكثيرين إلى أنه فعل لا يصدر إلا عن القوى الإقليمية المحيطة به، لكن القراءة الإستراتيجية العميقة لما وراء الكواليس تضعنا أمام فرضية أكثر رعبا ، فعندما تقرر الولايات المتحدة، عبر سياسات العقوبات القصوى ، خنق الملاحة في هذا الشريان، وهنا لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن قرار أمريكي بـإعدام الإستقرار الإقتصادي العالمي بدم بارد .
فالسياسة الأمريكية التي تتبنى إستراتيجية تصفير الصادرات لبعض دول المنطقة، وتحويل المضيق إلى ثكنة عسكرية تحت مسمى حماية الملاحة، هي في الواقع عملية خنق غير مباشر . فعندما تزداد وتيرة التحشيد ، ترتفع كلف التأمين على الناقلات إلى أرقام فلكية، مما يجعل سعر برميل النفط المحمل من الخليج يخرج عن السيطرة قبل أن يغادر مياه المضيق.
وأمريكا، التي تظن أنها باتت بمنأى عن الحاجة لنفط المنطقة بفضل صخورها الزيتية، ترتكب خطأ إستراتيجيا فادحا ، فالإقتصاد العالمي وحدة واحدة، وخنق هرمز يعني خنق الحلفاء في أوروبا والخصوم في آسيا على حد سواء.
وتداعيات الخنق على الخارطة العالمية يشكل
زلزال في بورصات الطاقة ،
وإذا ما أدت التحركات الأمريكية إلى توقف الملاحة، فإننا سنرى أسعار النفط تقفز إلى مستويات غير مسبوقة (قد تتخطى 200 دولار). وهذا ليس مجرد رقم، بل هو إعلان إفلاس لشركات طيران، ومصانع، وقطاعات نقل تعيش أصلا على حافة الإنهيار. بالإضافه الى
كسر ظهر التنين الصيني والعواصم الآسيوية ،
حيث تعتبر آسيا (الصين، اليابان، كوريا الجنوبية) المستهلك الأكبر لنفط هرمز ، فخنق المضيق بقرار أو إستفزاز أمريكي هو بمثابة إعلان حرب إقتصادية صريحة على القوى الصاعدة، مما قد يجر العالم إلى مواجهة عسكرية كبرى لا تبقي ولا تذر ، مما قد يؤدي الى
إرتداد السحر على الساحر ،
ولن تكون أمريكا في مأمن ، فإرتفاع الأسعار عالميا سيؤدي إلى تضخم جامح داخل الولايات المتحدة نفسها، مما يضرب القوة الشرائية للمواطن الأمريكي ويهز إستقرار الدولار كعملة إحتياط عالمية، إذ ستبحث الدول حينها عن بدائل ومسارات بعيدة عن الهيمنة الأمريكية.
وواشنطن دائماً تروج بأنها تملك مفاتيح البدائل، سواء عبر الأنابيب أو الضغط لزيادة الإنتاج من مناطق أخرى ، ولكن من منظور عسكري وإستراتيجي، أقولها بملء الفم لا يوجد بديل قادر على تعويض 21 مليون برميل يومياً ، ومحاولة خنق هرمز هي محاولة لقطع الوريد الأبهر للعالم، وهي مغامرة لن تجلب لواشنطن إلا كراهية الشعوب وإنهيار المنظومة الإقتصادية التي تقودها.
وخلاصه القول تتمثل بأن خنق أمريكا
لمضيق هرمز، سواء كان بقرارات سياسية أو بتحرشات عسكرية أمريكية، هو لعب بالنار في غرف مغلقة مليئة بالغاز ، فالقوة لا تعني الحكمة دائما، وعلى الإدارة الأمريكية أن تدرك أن مصالحها المرتبطة بإستقرار العالم تمر عبر إنسيابية هذا المضيق، لا عبر خنقه .
فإذا ما إنقطع النفط والغاز بفعل التهور السياسي، فلن تجد المصانع ما تشغله، ولن تجد الشعوب ما تقتات عليه، وسيدخل العالم في ظلام إقتصادي ، لن تخرج منه أمريكا منتصرة أبداً .
حمى الله عالمنا من مغامرات السياسة التي تفتقر للبصيرة الإستراتيجية .
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر