د. هاني الروسان*
لن تكون العودة الى الحديث عن “الحصار البحري” كأداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية مجرد تكرار لسيناريوهات الحرب الباردة، بل أصبح يمثل اليوم ما يمكن تسميته بـ “مقامرة الصفر الافتراضي” التي تقود عقل ترامب الى سلوك استراتيجي يقوم على افتراض إمكانية تحقيق حسم صفري في بيئة دولية غير صفرية بطبيعتها، قد تقود إلى مقامرة عالية المخاطر بسبب تجاهل الترابط البنيوي لتفاعلات النظام العالمي.
إن الاندفاع نحو خنق الجغرافيا البحرية الإيرانية يمثل “قفزة في المجهول” ليس بسبب قوة الخصم فحسب، بل لأن المنظومة الدولية الحالية وهشاشة الاقتصاد الدولي لم تعد تحتمل ارتدادات هذا النوع من الصدامات الخشنة، خاصة في ظل غياب يقني على القدرة بالحسم السريع، لاسباب عديدة:
اولا/ معضلة “الردع المتماثل” في ممرات ضيقة
صحيح ان الرؤية التقليدية للحصار تعتمد على تفوق الأساطيل البحرية، لكن المنطق التحليلي يشير إلى أن إيران نجحت في خلق حالة من “تكافؤ الرعب التقني”.
فمن الناحية الموضوعية فان حشد مدمرة من فئة “أرلي بيرك” أو حاملة طائرات في مياه الخليج يضع هدفاً بقيمة تزيد عن 13 مليار دولار في مواجهة “أسراب” من الزوارق السريعة والمسيرات التي لا تتجاوز تكلفة السرب منها 500 ألف دولار، وهنا لا يتعلق الأمر فقط بفارق الكلفة، بل بمعدل الاستنزاف حيث ان لكل صاروخ اعتراضي من منظومات مثل “SM-2” أو “SM-6” قد تتجاوز كلفته 2 إلى 4 ملايين دولار، ما يعني أن اعتراض سرب منخفض الكلفة يحوّل التفوق التكنولوجي ذاته إلى عبء مالي متسارع، ويضع البحرية الأمريكية أمام معادلة استنزاف غير قابلة للاستدامة في بيئة قتال ممتدة ومعقدة.
كذلك فانه من الناحية الاحصائية ووفقا لبعض المصادر فان ايران ما زالت تمتلك ما يقدر بـ 3000 صاروخ باليستي وكرات نار من المسيرات الانتحارية مثل “شاهد 136″، وهي منظومات مصممة خصيصاً لكسر الحصار من خلال استراتيجية “الإغراق الدفاعي”. وهذا ما قد يجعل الحصار “انتحاراً استراتيجياً” للقطع البحرية التي ستجد نفسها محاصرة بجغرافيا ضيقة لا تسمح بالمناورة.
ثانيا/ الجيوسياسة العكسية: الحصار كخطر على “الحلفاء”
وعلى هذا الصعيد فاغلب الظن ان القرار الأمريكي ينطوي على درجة عالية من النزق والتسرع، لان الفجوة الإقناعية به تظهر تجاهل مصالح القوى الصاعدة، مثل خط بكين – نيودلهي، حيث تعتمد الصين على المنطقة في تأمين 40% من وارداتها النفطية، بينما يمثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) حلم الهند الجيوسياسي القادم. وواشنطن هنا بحصارها لإيران، لا تخنق طهران عسكرياً بقدر ما تخنق “الأمن الطاقي” لشركائها ومنافسيها على حد سواء. وهذا ما قد يحول الحصار من أداة عزل لإيران إلى أداة عزل للولايات المتحدة دولياً، حيث ستجد واشنطن نفسها في صدام قانوني وسياسي مع “نادي القوى الصاعدة” الذي يرى في استقرار الملاحة مصلحة وجودية لا تخضع للمزاج السياسي الأمريكي. ويزداد الموقف تعقيداً إذا ما أُسقط على قواعد قانون البحار، حيث إن فرض حصار فعلي في مضيق دولي مثل هرمز يضع واشنطن في منطقة رمادية قانونياً، قد تُفسَّر كتعطيل لحرية الملاحة، وهو ما يمنح قوى كبرى ذريعة سياسية – وربما عملياتية – لكسر الحصار تحت غطاء “حماية التجارة الدولية”.
ثالثا/ “سلاح الأسعار” والانهيار المتسلسل لسلاسل الإمداد
وهنا بعيداً عن لغة الرصاص، فان هناك لغة الأرقام المادية التي تفرض منطقها، فالمعروف انه يمر عبر مضيق هرمز قرابة 21 مليون برميل نفط يومياً، وإن أي احتكاك عسكري سيؤدي فوراً إلى قفزة في الأسعار بنسبة قد تصل إلى 100% (تجاوز حاجز الـ 150 دولاراً). وهذا سيؤدي الى ارتفاع ليس مجرد رقم في البورصة، بل ولانه هو محرك التضخم العالمي الذي سيهدد الاستقرار الاجتماعي في أوروبا والولايات المتحدة نفسها، فان هذا ما سيضاعف من تعقيدات القرار الامريكي. لذا فالواعي البسيط يدرك أن “الحصار” هو عملية “خنق ذاتي” للاقتصاد العالمي، حيث ستتأثر تكلفة الشحن والتأمين البحري بنسبة تفوق 300% بمجرد بدء العمليات، مما يجعل من الحصار قفزة نحو ركود تضخمي عالمي لا مخرج منه. والأخطر من صدمة الأسعار المباشرة هو انتقال العدوى إلى الأسواق المالية، حيث سترتفع أقساط التأمين على المخاطر السيادية، وتتسع فروقات الفائدة في الاقتصادات الناشئة، ما قد يطلق سلسلة من الانهيارات المالية المتتالية، تبدأ من أسواق الطاقة ولا تنتهي عندها.
رابعا/ الفراغ الاستراتيجي وغياب “خطة الخروج”
ان النقطة الأكثر إثارة للجدل في التحليل هي غياب تصور لليوم التالي. فالحصار بطبيعته فعل استاتيكي “ساكن”، بينما الرد الإيراني ديناميكي “متحرك”، حيث تمتلك إيران القدرة على نقل المعركة إلى مضيق باب المندب عبر حلفائها، مما يعني تحويل الحصار البحري من أزمة إقليمية إلى “إغلاق شامل” لشرايين التجارة العالمية بين الشرق والغرب. وهذا الفراغ في التخطيط الأمريكي يجعل من الحصار خطوة بلا أفق؛ فإما التراجع أمام هذه لتعقيدات والإصرار الإيراني على استخدام الجغرافيا، أو الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة لا تخدم سوى أطراف دولية أخرى تراقب المشهد من بعيد. لا سيما وان الإشكالية الأعمق تكمن في أن العقيدة القتالية الإيرانية لا تفترض نهاية تقليدية للصراع، بل تقوم على مبدأ “إطالة أمد الاشتباك وتوسيعه أفقياً”، وهو ما يجعل أي حصار بحري بداية لسلسلة مسارح متداخلة، لا حدثاً قابلاً للاحتواء ضمن جغرافيا محددة.
ويبقى ان نقول ان الحصار البحري على إيران ليس “حلماً استراتيجياً” بل هو “كابوس لوجستي”. يعبر عن عجز في الأدوات الدبلوماسية ولجوء إلى خيارات صفرية في عالم لم يعد يعترف بالصفر. إنها بالفعل “قفزة في المجهول”، حيث لا يكمن الخطر في قوة الضربة الأولى، بل في استحالة السيطرة على موجات الارتداد التي ستضرب قلب النظام العالمي. إنه ليس مجرد خيار صفري، بل نموذج لما يمكن تسميته بـ “التصعيد غير القابل للمعايرة”، حيث تفقد القوة المهيمنة قدرتها على ضبط إيقاع التصعيد، وتتحول من فاعل مسيطر إلى طرف منخرط في ديناميات لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
*كاتب واكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر