الأربعاء , أبريل 15 2026
الرئيسية / اراء / أم المعارك وأم المفارقات!

أم المعارك وأم المفارقات!

د. ادريس هاني*
ألف كذبة وكذبة في مسلسل شرق المتوسط، يذكرنا هذا بمشاهد فيلم “الطيب والشرس والقبيح” (The Good, the Bad and the Ugly)، من إخراج سرجيو ليوني وبطولة كلينت استيوود، في رحلة البحث عن الكنز. يعيد ترامب إنتاج موقف وإيلاي والاك في دور القبيح.
تدرجت أهداف الحرب من الملف النووي إلى إسقاط النظام وصولا إلى إعلان الحرب الحضارية، وهي مفارقة ذات وجهين:
– شن حرب حضارية ضد شعب زعم راعي البقر أنه شن حربا لأجل تحريره. هذا يعني أن تحرير شعب يتوقف على تدمير حضارته.
– هذه الحضارة لم تعد خاصة، بل أصبحت منذ 14قرن جزء من الحضارة الإسلامية، ما يعني أن راعي البقر يشن حربا حضارية على الأمة برمتها.
لكن قراءة الحدث في ضوء مكر التاريخ، يؤكد على أنها لحظة غلق أبواز التضليل وانهيار بنية سردية متورمة، باتت تطارد منتحليها “المكوعين” في الوقت بدل الضائع، بعد أن ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس بتوافه البهتان.
لم تكن طهران في حاجة إلى ثورة في البيان لإيقاف صبيب التضليل، فقد كانت في حاجة فقط إلى إخراج مخزونها من الصواريخ لتلقم مفاخر الدفاعات العملاقة.
في هذا السياق، اكتسب الحجاج بيانا مضاعفا، مختصرا كل المسافات. وقد رأى بعض صناع الإفك القدامى من الذين يسعون هذه الفترة لتغيير القناع، بأن إيران نجحت في تصدير شخصية مثل الباحث د. حسن احمديان إلى العالم العربي. تكمن المغالطة هنا – رغم أنها منقولة على علاتها- في كون أحمديان هو باحث منذ سنوات ودائم الحضور في وسائل إعلام كثيرة وليس حديث الظهور. وكانت إحدى القنوات العربية هي من استدعاه بسبب نشاطه الأكاديمي والإعلامي وليست ايران هي من صدره، وهي عبارات موغلة في التضليل. لقد تأخروا كثيرا في الإنصات، بينما المثير في شخصية الصديق أحمديان، هو أنه لم يفعل أكثر من التصرف بسجيته المعهودة. وبدل أن يكون شاهد زور في محطة، استطاع أن يقلب المجن على بعض المهرجين، مساهما في إنقاذ مصداقية المحطة نفسها.
قبل سنوات خلت اكتشفت في هذا الباحث الصادق اللهجة شخصا مقنعا، حتى أنني أخبرته يومها وآخرين من الأصدقاء بأن وجود هذا الباحث في النقاش العمومي العربي، كفيل بكسر ستار التنميط. بالفعل، ما خاب ظني ولا ضاعت نبوءتي. الحكاية قديمة قبل أن يستيقظ بعض المتذاكين في منتصف النهار، لكن بعض من هؤلاء المتأخرين في الاستنتاج، لا يرون إلا ما شهدت به بعض القنوات التي شكلت مصدرهم الوحيد في المعرفة.
وعليه، لماذا تحرص الميديا العربية المتورطة في التضليل، على أن تجعل من النقيض شاهد زور لتأثيث مشهد مزيف من المبتدأ حتى الخبر؟ ولماذا تغيب الإستقامة الأيديولوجيا والصلابة العلمية من مشهد تتزاحم فيه الرداءة وتستفحل فيه التفاهة؟ ويصبح المشهد مجالا للهروب في كل اتجاه؟ وفي حالة استدراك مستدام؟
إن سعادين الضيعة العربية الضائعة، المولعين بالنط بين الأغصان، يفقدون مع مر الزمن الذاكرة، وهي عنصر أساسي لخلق مناعة ضد فوضى المفارقات. إن ما يبدو وقاحة في تساكن التناقضات في الموقف، هو بالأحرى تلف في الذاكرة يسمح بتدفق سيول التناقضات من دون رقيب، لأن مكر التاريخ هو هازم الإنتهازية وكاشف عن اللوذانية. لا يتعلق الأمر بأخطاء تتطلب التصويب، وجهل يتطلب البيان، بل بوقاحة ووظيفة ممنهجة، كما لا يتعلق الأمر بقناعات، بل باستشراف انتهازي قوامه الصلاة وراء من غلب.
إنها أم المعارك بلا شك، لكنها أيضا أم المفارقات. وستكون مخرجات هذه المعركة انقلابا سيمس الدماغ العربي، فتغدو فيه الأوزاع تماسيحا، والثعالب أسودا.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الكرامة أولاً..!

د. رحمة حمدي شير* عقدان من الزمان وإيران تفاوض الولايات المتحدة وتحديداً منذ عام 2004، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *