الأربعاء , أبريل 22 2026
الرئيسية / اراء / مها..شهيدة (صور) والأمم!

مها..شهيدة (صور) والأمم!

د. ادريس هاني*
أخيرا فعلتها مها، شهيدة مدينة صور الضاربة الجذور في أعماق التاريخ وبطون الشهادة، وهي ـ كما كان متوقعا دائماـ شهيدة لبنان وفلسطين والعالم الثالث. قبل دقائق فقط من الهدنة الملغومة، تعرض بيتها ضمن عدد من البيوت لقصف وحشي من قبل الاحتلال سواها بالأرض. اختفى صوتها تلك الليلة، فتساءل الأقربون من عائلتها ومحبيها، انتظرنا ليلة بكاملها قبل أن تسحبها كشافة الرسالة الاسلامية من تحت الأنقاض.
الصديقة مها أبو خليل أبت إلا أن تفعلها، لقد اختارت وبعناد أن لا تغادر صور، واختارت بصمود أن ترقى شهيدة شامخة، وحين نصحها ابن عمها بمغادرة صور، أجابته: أنت بالضبط يجب أن لا تقول هذا الكلام. وكأنها تذكره بعمها الذي ارتقى شهيدا في الجبهة، قالت له: لن أخرج من صور إلا أفقيا.
مها أبو خليل المناضلة الفدائية التي آثرت أن تعيش بين الناس وللناس، وقد اختارت أن لا تكتب سيرتها الفدائية ولا يكتب عن سيرتها أحد . وكم حاولت إقناعها بذلك، لكنها كانت تفضل أن تتوارى في عملها الإجتماعي والإنساني بين الناس، وحين تسر لي بأمر تردفه بالقول: هذا يبقى بيننا، وحتى حين شاركت في كتاب جماعي حول كاتب السطور قبل سنوات، استشرتها حول الصفة، فأصرت أن تمضي بالاسم فقط، وكتبت لي بالحرف: “الإسم كافي أستاذنا العزيز، الصفات غير مهمة”. ونزولا عند رغبتها تلك، لم نتطرق لسيرتها، لكن بات اليوم واجبا أن نخوض في سيرة بطلة من العيار الثقيل.
الدكتورة مها أبو خليل فدائية من الرعيل الأول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رفيقة الحكيم جورج حبش، حيث لا زالت عائلته تحتفظ في مكتبه بصورة رفقة مها أبو خليل وهي مناضلة في عمر الزهور، وهي رفيقة وديع حداد وعنصر فاعل في حركته، وقد اشتهرت مها بالمحاكمة الشهيرة حين مثلت أمام محكمة الجنايات بأثينا على إثر محاولة خطف
طائرة العال الإسرائيلية سنة 1969م. تزعمت مها أبو خليل مجموعة من الفدائيين، مؤلفة من سامي عبود (20 سنة) وعصام دوميط(18 سنة)، وكانت هي يومها معلمة مدرسة في عمر يناهز 22 سنة. كانت تلك العملية واحدة من المحاولات للفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية، وأيضا وسيلة لاستعادة الأسرى. وقد خرجت من السجن ورفاقها في صفقة تبادل أخرى. هذه الشابة التي يذكر الإعلام الدولي صورتها وهي ترفع إشارة النصر بعد صدور المحاكمة. لقد لفت انتباهي أن هذه السيدة التي ارتقت شهيدة وهي في الثمانين من عمرها، تحمل العنفوان نفسه وهي في مقتبل العمر. ولطالما مازحتها – من دون مبالغة- كيف لهذه الصبية (الزغيتوره) أن تقود عملية فدائية بهذا الحجم؟ ها هي بعد هذه الرحلة الطويلة تنال ما كانت تتطلع إليه بنقاء ثوري. وقد جاء نعيها من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيان حرر يوم السبت (18 أبريل 2026) جاء فيه: ” الرفيقة المناضلة التاريخية والأكاديمية والاجتماعية الدكتورة مها أبو خليل ابنة القليلة في قضاء صور بمحافظة الجنوب”. وجاء في بيان الجبهة أيضا: ” الشهيدة مها أبو خليل شكلت نموذجا للمرأة المناضلة التي جمعت بين الفكر والإلتزام الوطني والعمل الإجتماعي والتربوي”. وذكرت الجبهة في البيان بأن مها أبو خليل، ارتبطت ” مبكرا بمشاركات العمل النضالي الداعم للقضية الفلسطينية، وأنخرطت في أنشطة الجبهة الشعبية في المجال الخارجي ضمن سياق المرحلة التاريخية في العام 1970″. وعن العملية الشهير، أشار بيان الجبهة الشعبية إلى مشاركتها في ” عملية أثينا الفدائية (محاولة اختطاف طائرة إسرائيلية بمطار أثينا الدولي عام 1969) بهدف تحرير الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال”.
الشهيدة مها أبو خليل، وكما يخبرني ابن عمها الصديق يوسف أبو خليل، أنه تعرف على سيرة والده من خلال حديثها عنه وتأثرها به، وكان عمها الشهيد يوسف قد انظم مبكرا لصفوف الجبهة، وكان قد انتمى مبكرا إلى الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط، واستشهد بينما كان يدرب الفدائيين بمعسكر الرشيدية، وكان الصديق يوسف يومها لا يزال في بطن أمه، حيث سيحمل إسم والده الشهيد.
كانت الشهيد مها متأثرة بعمها، هذا بينما كان أبوها “معروف أبو خليل” رحمه الله، شاعرا ثوريا.
واصلت الشهيدة مها أبو خليل مشوارها، واجترحت أسلوبا نضاليا موسوعيا، فقد آمنت بالمقاومة فكريا واجتماعيا وتربويا، كما خاضت تجربة تدريس الإعلام ببراغ، حيث كان زوجها سفيرا للعراق بجمهورية التشيك. وكانت الشهيدة على معرفة قديمة بالسيد موسى الصدر وأخته السيدة رباب، حيث ظلت نشطة في العمل الاجتماعي والتربوي، ومسؤولة العلاقات الإعلامية في مؤسسة السيد موسى الصدر. وهي كانت تتشوق لحمل السلاح في وجه الاحتلال حتى آخر لحظة، لكن جسمها كما باحت لبعض مقربيها، لا يطاوعها. كانت شجاعة، وأخبرتني مرارا بأنها تعرف حقيقة العدو الجبان ميدانيا من خلال الاشتباك المباشر معه. إن مها بالفعل صندوق أسود لمرحلة حساسة من عمر الجبهة، في تجربتها الميدانية كفدائية مع وديع حداد وجورج حبش. وكانت تدافع عن وديع بشراسة وتعتبر نشاطه محطة غيرت الموازين تجاه القضية الفلسطينية، حين كنت أسألها عن بعض ما يروج من خلال داخل الجبهة بين الحكيم ووديع ، وهي تشرح لي بعض المواقف والقرارات الصعبة. فلقد كانت عارفة بكثير من تجارب الجبهة، تعرف منها ما ظهر وما بطن، والأهم في ذلك هو نقاء سريرتها واستقامتها الأيديولوجية.
وهي ترى نفسها فدائية لبنانية من أجل فلسطين، وهو ما يمنحها قيمة إضافية.
كانت الشهيدة تتواصل معي باستمرار، تسألني عن أحوالي وتواسيني في مصابي ، وهذه صفة قيادية تميزت بها حتى آخر يوم في حياتها. وكنت من خلالها أخرج من حالة الاكتئاب وخيبات الأمل، فقد كانت تتفاعل مع كل ما أكتبه، تعلق وتتساءل وتشجع، كانت تمنحني بالفعل طاقة إيجابية، فهي متابعة جيدة. وحين أغيب تسأل بإلحاح ووفاء، مما يدفعني للمشاركة مجددا. تشاركني هم نقد العقل العربي، هي على قدر من الذكاء المعرفي لالتقاط ما بين السطور.
فقد بلغ الانسجام الفكري بيننا غايته، آمنت بي حين كذبني الغوغاء، إنها المواساة، وكان لي الشرف أن كتبت عني في الكتاب الجماعي المذكور ما نصه:
“كنت قد سئمت القراءة لكتاب ومفكرين ملؤوا الدنيا ضجيجا، وهكذا توجهت لقراءة الأدب، وبعد أن كنت قد قرأت الوفير من الأدب العالمي، التفتت إلى الروايات التاريخية والسير الذاتية لأداري الخيبة التي أصابتني من المقولات الطنانة. ادريس هاني أحدث في نفسي صدمة، صدمة إيجابية بالطبع، فوجدت نفسي أقرأ من جديد، وبحماس شديد. ادريس هاني جعلني أتخلص من شعور الخيبة، وأعاد ثقتي بقوة الكلمة،…الخ”. والحقيقة، هي التي كانت تساعدني على التخلص من خيبة أمل ما فتئت تقض مضاجعنا، هي من أعاد إلي الثقة بقوة الكلمة.
كانت الشهيدة تحرص على التواصل باستمرار، وكذلك تحضر في كل لقاء ببيروت، لعل آخرها زيارتي لها في صور، يا لها من امرأة نبيلة، وقبلها أبت إلا أن تتجشم الرحلة من صور إلى رأس بيروت، لما علمت بمشاركتي في لقاء بالجامعة الأمريكية ببيروت، وشاركت في النقاش باحترافية عالية؛ تلك الجدية التي افتقدناها كثيرا في الوطن العربي، تلك الجدية التي انقرضت في زمن التهافت البؤس المحتوى.
وكذلك كانت حريصة على اللقاء والنقاش، حتى حين انتصر الفريق الوطني، كانت أول من هنأني بالفوز، حيث كتبت لي فور انتهاء المبارة: “مبروك كأس العرب، لفريق مغرب العرب”. كانت تسألني عن كل الأحداث، وتقودها موضوعية المجرب أن تسألني عما يجري من باب أهل مكة أدرى بشعابها.
كانت متألمة من وضعية العرب، من حالة التخلف والاستبداد، حتى قالت لي مرة: “عندما كنت أنا رهن الاعتقال في ذلك الزمن وفي ذاك البلد، قال لي وزير عدلهم: أحمدي ربك واشكريه، ليس لأنك لست في إسرائيل، بل لأنك لست في بلد عربي”. كان هذا مجازا يعبر عن عنف الاضطهاد في البلاد العربية.
لكن لفت انتباهي أن الشهيدة التي ناضلت بشجاعة وصمت، كانت تتحلى بالعمق والروية وتدرك مأزق العقل العربي، وكانت أكثر تواضعا مقارنة بالعديد ممن آثروا ممارسة النضال بالمراسلة، لكن ضوضاؤهم طغى على المشهد في وقت تتوارى الأوزان الثقيلة خلف العمل الإنساني؛ لقد جمعت كثيرا بيننا نميمات(مستحقة) حول ظواهر وشخوص المهرولين على أوتوستراد الذاكرة المزيفة، وعن هشاشة السيكولوجيا العربية المقهورة. كانت تسر لي بالقول: انا لم أسمع عن هؤلاء، من هم؟ من ناحيتي كنت أقدر من ضحى بالفعل وعمل، بالقدر الذي أمقت من ادعى واعتدى. هي ممن حرس المعنى وآمن بالكلمة المسؤولة، ولكنها ذهبت من دون استئذان بعد أن اتفقنا على اللقاء في أقرب فرصة، حين سألتني: متى ستأتي؟
وحين كانت رحمها الله تحت الأنقاض، راسلتها يائسا حزينا : ” كيفك مها.. طمنيني عنك!”.
ونظرا لتجربتها الأممية، فلقد أخبرتني عن عدد من القضايا الملفتة. كانت مها أبو خليل رفيقة وصديقة لعدد من القيادات العربية والدولية؛ وقد أخبرتني كثيرا عن الفقيه البصري، الذي كانت تجمعها به علاقة صداقة عائلية، وهي تحمل الكثير من الأسرار الحقيقية عن الفقيه البصري في سنوات الذروة من نشاطه في الخارج، قبل أن يعود إلى البلد. وسوف أسمح لنفسي بنشر صورة لأول مرة لهما أثناء استقبال الفقيه البصري لها في المطار ببراغ رفقة زوجته وزوجها، وقد ائتمنتني على هذه الصورة الناذرة، ولكنني رأيت أنها وثيقة ناجعة اليوم بعد استشهادها، حيث التاريخ هو ما كتب بالوثيقة لا بالادعاء.
عند سماعي الخبر، وقد كنت أتوقع ذلك، وكنت قبلها أقول لها: ( انتبهي جيدا، ديري بالك منيح)، لكنها كانت حريصة على البقاء في بيتها، وحين قصفت صور قبل ذلك، سألتها هل الضربة كانت بعيدة، كانت تقول بأن العدو لا ينتقي، وكل شيء متوقع.
كانت الشهيدة بالنسبة لي تعني بقاء المعنى الصلب في الميثاق الإنساني والتحرري. ومع ذلك كانت نظرتي لها أعمق مما تراه هي، إنها ذاكرة حذرة لا تبوح إلا لمن حدست فيهم صدقا، سيدة آمنت بقيمة الرحم فوصلته وقيمة الصداقة فأحسنت تدبيرها. عنوان وفاء ودماثة، وطبعا هذا متوقع من فدائية أنجبتها الفحولة من العرب.
ودعني أخبركم عن تأويل “مها”، فلقد بكيتها ذاك الصباح بكاء اليتيم، حيث يغيب أهل النبل والوفاء، لمن يا ترى يتركوننا؟ كنت أعرف أن “مها” هو إسم عربي أصيل، مشتق من المهاة، وهي الدرة والبلورة ذات البريق، وهي الظبي، ذات العيون السوداء (عيون المها)، يقول *زهير بن أبي سلمى:*
تنازعها المها شبها ودر ال..
بحور وشاكهت فيها الظباء
ويقول *جميل بثينة* :
بثينة تزري بالغزالة في الضحى
اذا برزت لم تبث يوما بها بها
لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة
كأن اباها الظبي أو أمها مها
*وللمتنبيء* غزل في عيون المها يقول فيه:
كل مهاة كأن مقلتها
تقول إياكم وإياها
فيهن من تقطر السيوف دما
إذا لسان المحب سماها
*وللبارودي* نصيب من ذلك في قوله:
محا البين ما أبقت عيون المها مني
فشبت ولم أقض اللبانة من سنى
وهي عند *الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي:*
ألا يا نسيم الريح بلغ مها نجد
بأني على ما تعلمون من العهد.
مها أيضا هي من المهو، السيف الرقيق الحاد، ومنه أمهى النصل على السنان، يقول *امرؤ القيس:*
راشه من ريش مناهضة
ثم أمهاه على حجره
تأويل مها في علم الحرف، يضعك أمام هذا التماهي مع نبل الصفات وشموخ العريكة: م=40، ه=5، ا=1، المجموع=46. وبعلم الأرقام، يكون نطقها: و، م، وكلا الحرفين: تراب ونار، يمنحها قوة التحمل، صبورة، مندفعة.. وبعلم الحرف: م=نار، ه=نار، ا= نار. الغالب إذن هو العنصر الناري، ما يمنحها ميزة التفوق في العمل الإداري، والقيادة، فهي حذرة، وهي موفقة، وكلما تقدم بها العمر ازدادت رقيا، وقد حصل. أما سر الحرف الخاص فهو صاد، منزلته الشمسية قوس، وفي نظري هذا هو سر التوافق بيننا.
سأفتقد المرأة التي كانت تتفقد كل المحبطين والمستضعفين ما استطاعت، تلك التي تشرق كل صباح بابتسامة ثورية، وبوفاء ناذر تسأل عن الغائبين، تتفقد كل مريض ومحبط، تحمل مسؤولية بحجم قناعاتها الأممية، تعزي في موتانا، وتعيد مرضانا، تنشر التفاؤل، صامدة كصور حارسة تاريخ من صمود الإنسان المتحضر، ملهم التجارة والسلام والمقاومة. أبت إلا أن تكون شهيدة وشاهدة على صور المكافحة. سأفتقدك مها، ومعها سأفتقد زمانا جميلا بنكهة الجلال، سجل حافل بالود والنضال، سلام على من آمنت بفلسطين، وقضت شهيدة تحت قصف الاحتلال، هنيئا لشموخك ورقيك، سلام لمثواك ب”قليلة”، عزاؤنا أنك نلت وسام الشهادة، والشهداء هم أنبل وأبهى بني البشر. مها يا ظبية النضال وأيقونة الكفاح الوطني، لك مني أزكى سلام..
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

لماذا يماطل ترامب.. وماذا على إيران أن تفعل؟

د. حميد أحمدي نژاد* دونالد ترامب، عبر سردية “السلام من خلال القوة”، قاد هيمنة النظام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *