الإثنين , أبريل 27 2026
الرئيسية / اراء / هل يُطبخ للمغرب ما طُبخ لفلسطين؟

هل يُطبخ للمغرب ما طُبخ لفلسطين؟

أمين بوشعيب*
قبل أكثر من قرن، لم يكن المغرب خارج حسابات الحركة الصهيونية الناشئة. فتيودور هرتزل، مؤسسها، لم يحصر تفكيره في فلسطين وحدها، بل وضع ما عُرف بـ“خطة المغرب” كخيار بديل لمشاريع أخرى، وعلى رأسها “خطة أوغندا”. الفكرة كانت واضحة: البحث عن أرض يمكن أن تستوعب مشروعًا استيطانيًا حين تتعثر الخيارات الأخرى. ولم يكن طرح المغرب صدفة، بل استند إلى وجود تاريخي لليهود في البلاد، وإلى تصور براغماتي يعتبر الجغرافيا أداة قابلة لإعادة التشكيل وفق موازين القوة.
هذا المعطى التاريخي لم يعد مجرد تفصيل في كتب الباحثين، بل عاد إلى الواجهة بشكل مقلق في سياق تحولات سياسية وتشريعية وثقافية متسارعة. ففي وقت قريب، طُرح ملتمس تشريعي في البرلمان المغربي، يطالب بمنح الجنسية المغربية لجميع أبناء وأحفاد اليهود المغاربة، دون توضيح الجهة التي تقف خلفه. ملتمس لم يكن بريئًا في توقيته ولا في مضمونه، لأنه يتجاوز منطق تصحيح وضعيات فردية إلى محاولة إعادة هندسة مفهوم الانتماء الوطني بشكل جماعي ومفتوح على احتمالات خطيرة.
قد يقول قائل إن الأمر يتعلق بحقوق أو تصحيح مظالم تاريخية، لكن الإشكال الحقيقي ليس هنا. الإشكال في السياق، وفي التداخل بين الهويات، وفي واقع أن جزءًا من هؤلاء المعنيين يحمل اليوم جنسية دولة قائمة على الاحتلال، بل ويشارك بعضهم في مؤسساتها العسكرية والأمنية. هنا لا يعود النقاش قانونيًا صرفًا، بل يتحول إلى سؤال سيادي بامتياز هو: أين تنتهي الحقوق الفردية، وأين تبدأ المصلحة الوطنية؟ الأخطر أن هذه المؤشرات لم تعد معزولة.
ما جرى مؤخرًا في مدينة مراكش، حيث تم أداء طقوس تلمودية من قبل يهود أجانب من “الحريديم” عند حائط باب دكالة، لم يكن حدثًا عابرًا كما حاول البعض تصويره، بل يحمل دلالات رمزية عميقة. حين تتحول الفضاءات العامة إلى نقاط استحضار لهويات دينية-سياسية في سياق إقليمي ملتهب، فإن الأمر يتجاوز حرية العبادة إلى اختبار حدود المجال العام، وإلى إعادة طرح سؤال: من يحدد طبيعة هذا الفضاء وهويته؟
هنا تحديدًا، أستحضر ما سبق أن حذّرت منه في مقال سابق، بعنوان: هل تجنيس اليهود” المغاربة” إحياء لـ”خطة المغرب” التي وضعها الصهيوني تيودور هرتزل عام 1903؟ حين نبهت إلى أن ما يُقدَّم في البداية كخطوات ثقافية أو إنسانية قد يتحول تدريجيًا إلى مسار تطبيعي أعمق، يفتح الباب أمام تحولات لا يتم الانتباه إلى خطورتها إلا بعد فوات الأوان.
المشكلة ليست في اليهود المغاربة كجزء من تاريخ هذا البلد، فالمغرب كان ولا يزال أرض تعايش، وهذه حقيقة لا ينازع فيها أحد. لكن الخلط المتعمد بين اليهودية كدين، والصهيونية كمشروع سياسي، هو ما يخلق هذا الالتباس الخطير. لأن ما يُطرح اليوم لا ينفصل عن سياق إقليمي يشهد محاولات لإعادة التموضع، واستثمار كل الثغرات الممكنة.
ثم إن القانون المغربي واضح في مسألة الجنسية والولاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بحمل جنسية أخرى أو الارتباط بمؤسسات دولة أجنبية في وضعية تناقض مع المصالح الوطنية. وبالتالي، فإن أي محاولة لتجاوز هذا الإطار تحت عناوين فضفاضة، تطرح أكثر من علامة استفهام. ما يجب قوله بوضوح هو أن المغاربة ليسوا ضد التعدد، ولا ضد مكوناتهم التاريخية، لكنهم أيضًا ليسوا سذّجًا إلى درجة عدم التمييز بين التعايش المشروع، وبين التسلل الناعم لمشاريع ذات أبعاد سياسية.
لقد عبّر الشارع المغربي مرارًا عن مواقفه، سواء في رفضه للتطبيع أو في دعمه الثابت للقضية الفلسطينية. وهذه ليست مواقف عابرة، بل امتداد لذاكرة جماعية ضاربة في التاريخ، من مشاركة المغاربة في تحرير القدس، إلى حضور فلسطين في الوجدان الشعبي اليومي.
وفي خضم كل هذه التطورات، يبقى الثابت الذي لا يتغير هو أن المغاربة، الذين أثبتوا عبر التاريخ تمسكهم بأرضهم وسيادتهم لن يقفوا موقف المتفرج إذا ما شعروا بأن ثوابتهم تُستهدف. هذا شعب خبر معنى الدفاع عن الأرض والهوية، – كما خبرها الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية – ويملك من الوعي الجماعي ما يجعله يقف صفًا واحدًا حين يتعلق الأمر بالمصالح العليا للوطن. قد تختلف الأساليب والظروف من سياق إلى آخر، لكن الرسالة واحدة وهي أن المغرب ليس أرضًا مفتوحة لكل المشاريع، وسيادته ليست قابلة للاختبار أو التآكل تحت أي مبرر. وأن اليقظة ليست خيارًا، بل ضرورة. وما يبدو اليوم تفصيلاً صغيرًا -ملتمسًا هنا، أو طقسًا هناك- قد يتحول غدًا إلى واقع مفروض إذا لم يُقرأ في سياقه الصحيح.
في النهاية، المسألة لم تعد تحتمل التجميل ولا المناورة اللغوية. ما يجري ليس تفاصيل معزولة، بل مسار يتشكل خطوة خطوة، تحت عناوين براقة تخفي رهانات ثقيلة. ومن يعتقد أن الشعب المغربي يمكن أن يُستدرج إلى هذا المسار بهدوء، يخطئ قراءة التاريخ كما يخطئ قراءة الحاضر. المغاربة الذين خرجوا بالملايين دفاعًا عن فلسطين، لن يقبلوا أن تتحول بلادهم إلى ساحة لاختبار مشاريع مشبوهة، ولا إلى بوابة خلفية لتبييض جرائم الاحتلال.
لقد قيلت الكلمة، وستُقال من جديد: المغرب ليس أرضًا سائبة، ولا ذاكرةً قابلة للمحو، ولا هويةً قابلة للمساومة. ومن يراهن على تعب الناس أو انشغالهم، سيصطدم بحقيقة واحدة لا تتغير وهي أن هذا الشعب قد يصبر، لكنه لا يفرّط. وإذا شعر أن الخطوط الحمراء تُمس، فإنه لا يتردد في قلب الطاولة. وحينها، لن ينفع الندم.
لكن، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ويتطلّب إجابة واضحة هو: من الذي فتح الباب، ومن الذي سمح بتسلل هذه الوقائع إلى قلب المجتمع المغربي؟ أهو مجرد تهاون عابر، أم أن هناك من يهيّئ الأرضية بصمت، ويدفع بالأمور نحو مسار لا يجرؤ على إعلانه صراحة؟ سؤال لا يتعلق بواقعة معزولة، بل بمسؤولية واضحة. لأن ما يحدث لا ينمو في الفراغ، بل يجد دائمًا من يمهّد له الطريق.
فلاش: لعلّ ما أعقب واقعة باب دكالة لا يقل دلالة عن الحدث نفسه، حيث أقدم عدد من المغاربة على غسل وتنظيف المكان الذي أُديت فيه تلك الطقوس، بالماء والصابون، في مشهد حمل رسائل متعددة تتجاوز الفعل في حد ذاته. لم يكن الأمر مجرد سلوك عفوي، بل تعبيرًا رمزيًا عن رفض المجتمع المغربي لأي ممارسات تُفهم خارج سياقها أو تُؤوَّل باعتبارها مساسًا بهوية الفضاء العام. هذا التفاعل الشعبي يكشف حجم الحساسية التي تحيط بمثل هذه القضايا، ويؤكد أن المغاربة، رغم تنوعهم وتاريخهم العريق في التعايش، يميزون بوضوح بين احترام المعتقدات الدينية، وبين رفض توظيفها في سياقات ملتبسة أو ذات أبعاد سياسية.
*كاتب مغربي/ إيطاليا

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الناشئون والشباب الخطوة الصائبة!

محمد العزيزي* تابعت مؤخرا تصريح الاتحاد اليمني العام لكرة القدم حول اتفاق الاتحاد مع فروعه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *