العميد. محمد الحسيني*
لم تعد الحروب الحديثة، بما فيها الحروب غير المتماثلة، تُخاض فقط عبر المواجهات المباشرة أو الاشتباكات التقليدية بين الجيوش. فقد انتقل جزء كبير من المعركة إلى الشاشات والخوارزميات والمسيّرات وأنظمة الرصد الذكية. وفي ظل هذا التحول، لم يعد الجندي وحده في قلب ساحة القتال، بل أصبحت البيانات والإشارات والذكاء الاصطناعي عناصر حاسمة في إدارة الحرب وصناعة القرار العسكري. وتجسد المواجهة الحالية بين إسرائيل وحزب الله ذروة هذا التحول، حيث تتقاطع منظومات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع المسيّرات السلكية التي فرضت واقعًا ميدانيًا جديدًا كسر جزءًا من قواعد التفوق التكنولوجي التقليدي.
في قلب هذه المواجهة برزت المسيّرات السلكية، المعروفة بمسيّرات الـFPV المعتمدة على الألياف الضوئية، بوصفها واحدة من أكثر أدوات الحرب الحديثة إرباكًا للمنظومات الدفاعية التقليدية. وقد استُلهم هذا التكتيك من تجارب الحروب الحديثة، خصوصًا في أوروبا الشرقية، لكنه اكتسب في البيئة اللبنانية طابعًا أكثر تعقيدًا بسبب طبيعة التضاريس وكثافة الرصد الجوي والإلكتروني.
تكمن قوة هذه المسيّرات في أنها تقلّل اعتمادها على البث اللاسلكي التقليدي إلى حد كبير. فهي تعتمد على كابل ألياف ضوئية رفيع جدًا يمتد خلفها أثناء الطيران لمسافات قد تصل إلى خمسة عشر أو عشرين كيلومترًا، ما يسمح بنقل أوامر التحكم والبث الحي عالي الدقة عبر اتصال سلكي مباشر بدل موجات الراديو التقليدية. وبهذا تصبح أنظمة التشويش الإلكتروني واعتراض الترددات أو قطع إشارات الـGPS أقل فاعلية، لأن المسيّرة لا تعتمد بصورة أساسية على إشارات يمكن استهدافها إلكترونيًا.
هذا الأسلوب يمنح المسيّرات قدرة كبيرة على التخفي، إذ لا تترك انبعاثات ترددية واضحة تسمح بتحديد مكان المشغّل أو نقطة الانطلاق، كما أن حجمها الصغير وطيرانها المنخفض بين التضاريس والأبنية يجعل رصدها بالرادارات التقليدية أكثر صعوبة، خصوصًا في اللحظات الأخيرة قبل الإصابة. وتزداد خطورة هذا السلاح بسبب كلفته المنخفضة نسبيًا، فمسيّرة لا تتجاوز قيمتها بضع مئات من الدولارات قد تتمكن من إصابة هدف عسكري أو منظومة دفاعية تساوي ملايين الدولارات، ما يخلق معادلة استنزاف قاسية في الحروب الطويلة.
في المقابل، يعتمد الجيش الإسرائيلي بصورة متزايدة على منظومات الذكاء الاصطناعي في إدارة المعركة وصناعة القرار الاستخباراتي. فكمية هائلة من البيانات القادمة من الهواتف الذكية، وكاميرات المراقبة، والطائرات المسيّرة، وإشارات الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، تُدمج داخل شبكات تحليل متقدمة لبناء صورة لحظية عن التحركات والأهداف المحتملة. وتؤدي وحدات تقنية واستخباراتية، مثل الوحدة 8200، دورًا محوريًا في هذا المجال عبر تطوير خوارزميات قادرة على تحليل الأنماط السلوكية وربطها بقواعد بيانات ضخمة.
وتشير تقارير وتحقيقات صحفية إلى استخدام منظومات مثل «لافندر» (Lavender) و«غوسبيل» (The Gospel)، التي تعتمد على تحليل البيانات لتوليد قوائم أهداف بسرعة تفوق القدرة البشرية التقليدية. تقوم هذه الأنظمة بمقارنة المعطيات الرقمية بأنماط مخزنة مسبقًا، ثم تمنح الأفراد أو المواقع درجات ترجيح احتمالية قد تؤدي إلى تصنيفهم كأهداف عسكرية محتملة.
لكن ظهور المسيّرات السلكية خلق فجوة ميدانية أمام هذه المنظومات، لأنها حرمتها من إحدى أهم المواد التي تعتمد عليها: الإشارات والبيانات اللاسلكية. ولهذا اضطرت إسرائيل إلى اللجوء إلى حلول ميدانية مباشرة، مثل تركيب الشباك المعدنية فوق الآليات والتحصينات، والاعتماد على الرصد البصري وإطلاق النار اليدوي على المسيّرات الصغيرة.
في الوقت نفسه، يجري العمل على تطوير وسائل تصدٍّ أكثر تقدمًا تعتمد على “الرؤية الحاسوبية” بدل الحرب الإلكترونية التقليدية. وتشمل هذه الوسائل مناظير ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تُركب على الأسلحة الفردية، حيث تقوم بتتبع حركة المسيّرة بصريًا وحساب مسار الإصابة قبل السماح بالإطلاق. كما يُنظر إلى منظومة «شعاع الحديد» (Iron Beam) باعتبارها أحد الحلول المستقبلية الواعدة بسبب سرعتها وكلفتها التشغيلية المنخفضة، رغم أن فعاليتها الكاملة ضد الأهداف الصغيرة والمنخفضة الارتفاع ما تزال تواجه تحديات تقنية.
غير أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي العسكري يصطدم بمشكلة أساسية تُعرف بـ “مشكلة الصندوق الأسود” (Black Box Problem)، وهي أن الخوارزميات لا “تفهم” الواقع كما يفهمه الإنسان، بل تعتمد على الترجيحات الإحصائية والأنماط المتكررة. فإذا تم تدريب النظام على اعتبار سلوك معين مؤشرًا على نشاط قتالي، فقد يُصنَّف مدنيون عاديون كأهداف محتملة فقط لأن تحركاتهم أو اتصالاتهم تشبه نمطًا مخزنًا داخل قاعدة البيانات.
وتزداد خطورة هذه الأنظمة لأن خوارزميات التعلم العميق قد تتخذ قرارات معقدة دون أن تقدم تفسيرًا واضحًا لكيفية وصولها إليها. ومع ضغط الوقت في الحروب، قد يميل بعض القادة إلى الثقة المفرطة بالآلة، ما قد يحول التوصيات الاحتمالية إلى قرارات ميدانية فعلية.
كما تعاني أنظمة الرؤية الحاسوبية من أخطاء ناتجة عن الدخان أو الغبار أو الظلال أو زوايا التصوير، ما قد يؤدي إلى سوء تصنيف أهداف مدنية باعتبارها تهديدات عسكرية محتملة. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تُستخدم أساليب تمويه بسيطة، مثل المجسمات أو الشباك أو التضليل البصري، لإرباك الخوارزميات ودفعها إلى استهداف أهداف وهمية.
في المقابل، يحاول حزب الله تقليل بصمته الرقمية إلى الحد الأدنى عبر فرض انضباط صارم في استخدام الهواتف والاتصالات، والاعتماد على شبكات أرضية أو وسائل اتصال يصعب تعقبها. وهنا تتحول المعركة إلى صراع بين طرف يسعى إلى مراقبة كل شيء عبر البيانات، وطرف آخر يحاول الهروب الكامل من الشبكة.
في المحصلة، تكشف المواجهة في جنوب لبنان عن تحوّل أعمق من مجرد تطور في أدوات القتال، إلى إعادة صياغة لطبيعة الحرب نفسها. فالمعركة لم تعد تُحسم فقط في الميدان التقليدي، بل في طبقات موازية من البيانات والخوارزميات وأنظمة الرصد الذكي، حيث تتداخل الصورة الرقمية مع الواقع الميداني بصورة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، تواجه المنظومات الإسرائيلية تحديًا متزايدًا مع اتساع استخدام المسيّرات السلكية ومنخفضة الارتفاع، التي تربك بنية الرصد والاعتراض القائمة على التفوق الإلكتروني والاستشعار البعيد. فهذه المسيّرات لا تُضعف فقط فعالية التشويش التقليدي، بل تُجبر هذه المنظومات على العودة إلى وسائل أكثر بدائية نسبيًا مثل الرصد البصري، والشباك الواقية، والاشتباك المباشر، ما يكشف حدود السيطرة المطلقة في بيئة قتالية عالية التعقيد.
لكن لا يعني ذلك انهيار منظومة التفوق التكنولوجي، بل دخولها في مرحلة استجابة سريعة وتكيّف مضاد، حيث تعمل إسرائيل على تطوير أدوات جديدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية وأنظمة الطاقة الموجهة والمسيّرات الاعتراضية، في محاولة لإعادة ضبط ميزان المواجهة.
وهكذا تتحول الحرب إلى نظام مفتوح من التفاعل المستمر بين الابتكار والهجوم ومحاولات الإفلات منه، حيث لم تعد السيطرة تعني التفوق الناري أو المعلوماتي فقط، بل القدرة على إدارة هذا التوازن المتغير بين الكشف والتخفي، وبين الخوارزمية والميدان.
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر