الثلاثاء , يونيو 2 2026
الرئيسية / اراء / غربة العيد في عيون صنعاء!

غربة العيد في عيون صنعاء!

 

بقلم / عادل عبدالله*
يأتي العيد إلى تفاصيلنا المثخنة بالوجع كزائر مهيب يطرق أبواب الذاكرة قبل البيوت محملا بعبق أزمنة كانت تضج بالبشر والوئام. لكنه اليوم في قلب العاصمة التاريخية وعلى أرصفة أزقتها العتيقة يقف مذهولا أمام مشهد مغاير مشهد كتبت تفاصيله بمداد الصبر وعزة النفس الصامتة. لم يعد العيد مجرد بهجة عابرة تقاس بجديد الثياب بل غدا مرآة تعكس أعمق معارك الإنسان الصامتة في مواجهة بؤس الحياة واستبسال الآباء في حماية براءة الطفولة من أن يخدشها حرمان أو يطفئ بريقها ضنى ليتحول هذا الموسم من مساحة للفرح الخالص إلى وقفة تأمل إنسانية دامعة في واقع وطن يسابق غياب الفرح بالدعاء والرجاء.

بينما يرتدي العالم حلة البهجة وتزدحم الدروب بضحكات الصغار وأثوابهم الجديدة يقف العيد على عتبات الذاكرة اليمنية كزائر ثقيل محمل بالحسرة والوجع بعد أن جردته سنوات العجاف من تفاصيله الحميمة ومباهجه المعهودة. لقد تحول هذا الموسم الذي كان يمثل ذروة التلاحم الإنساني والفرح الجماعي إلى مرآة عاكسة لعمق المأساة والمعركة الصامتة التي يخوضها الإنسان في هذا الوطن المثخن بالجراح. إنها مواجهة يومية يجابه فيها المواطن بؤس الحياة وشؤم الظروف باحثا بين ثنايا الأيام عن لقمة عيش تسد رمق أطفاله الذين باتوا كصغار الطير اللاهية لا يدركون من فواجع الواقع سوى حرقة الجوع ودموع الضنى التي تبلل مآقيهم الغضة.

تتبدل ملامح العيد الصنعاني اليوم وتتوارى تلك العادت المتوارثة التي كانت تجمع الأحياء والمنعطفات في جسد واحد حيث غابت الزيارات المتبادلة وحلت العزلة الاختيارية محل التدفق البشري المبهج. في الأزقة العتيقة والمحاوي التي كانت تضج بالحياة أصبحت خطوات الخجل هي السائدة تداريا من عجز اليد وضيق ذات اليد حتى كأن التراب العالق على الأثواب بات شاهدا على انكسار النفوس وعزة كبريائها في آن واحد. ولم يعد الانكفاء داخل الجدران المغلقة مجرد رغبة في العزلة بل غدا درعا يتقي به أرباب الأسر مرارة المجاملات التي لا يملكون ثمنها وسياجا يحمي ما تبقى من كرامة في زمن أغلقت فيه حتى الأبواب القريبة وشحت فيه وصال الأصدقاء وغاب فيه السؤال والافتقاد.

إن هذا التحول القاسي في طقوس العيد يعيد صياغة المشهد الإنساني بطريقة تدمي القلوب حيث تحول السعي من أجل الفرحة إلى جولة مضنية في شوارع المدينة لتدبير أبسط مقومات البقاء. فالآباء الذين كانوا يسابقون الريح لجلب الهدايا والحلويات يقطعون اليوم ذات الطرقات بحثا عن كسرة خبز يابسها ورطبها لتأمين قوت يوم لا يرحم. ومع ذلك ورغم هذا الحزن المقيم والرماد الذي غطى ملامح البهجة المسروقة يظل الصدر اليمني مفعما بصلابة لا تنكسر وتظل الخوافق تلهج بالدعاء لمالك الملك في تجل واضح لقوة الإيمان والرجاء الذي لا ينقطع بأن يتسع ضيق الحال وأن يتبدد ظلام الفقر والقلق ليعود العيد يجمع القلوب على أرض اليمن وتعود للبلاد السكينة والخير والسلام الذي تستحقه.

ومع انقشاع سحابة العيد وانطواء أيامه تظل تلك النبرة الممزوجة باللوعة والكبرياء عالقة في فضاء المدينة شاهدة على شعب يتقن الصمود حتى في ذروة انكساره. إن هذا الانكفاء خلف الجدران وهذا المسير الخجول في دروب القوت البسيطة ليس استسلاما للفاقة بل هو أسمى تجليات العفة والكرامة اليمنية التي ترفض المجاملة على حساب الأنفة. وسيبقى هذا العيد بكل شجونه صرخة أمل خفية تنبثق من جوف الخوافق دعاء خالصا لمالك الملك بأن ينجلي هذا الضيق وتنفك أقفال الأبواب الموصدة ليعود الخير غدقا يغسل هموم اليمن السعيد ويعود العيد كما كان يوما: جامعا للقلوب طاردا للفقر ومشرقا بالسلام.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

العالم كله مسؤول عن تصرفات إسرائيل!

د. عبدالله الأشعل* أصبحت إسرائيل دولة تتشكل من عصابة تزرع الشوك فى العالم كله وللأسف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *