الأحد , يونيو 7 2026
الرئيسية / اراء / روسيا بين السيادة والانفتاح على العالم الجديد!

روسيا بين السيادة والانفتاح على العالم الجديد!

رامي الشاعر*
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته أمام الجلسة العامة لمنتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، الجمعة، أن العالم يشهد تحولا هيكليا كبيرا.
وأشار الرئيس إلى التحديات الجسيمة التي يواجهها العالم اليوم، والاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة، والتوترات في بعض المناطق، لا سيما في الشرق الأوسط، والتي تحمل تداعيات هائلة على مستقبل الاقتصاد العالمي.
كذلك أشار الرئيس إلى البيروقراطية الأوروبية والسياسات قصيرة النظر والخطاب العدائي والتي تؤدي إلى مزيد من تراجع مكانة أوروبا في الاقتصاد العالمي فضلا عن تقويض الأمن الإقليمي والعالمي، مؤكدا أن هذه العمليات تأتي نتيجة تحول هيكلي هو الأكبر الذي يشهده العالم خلال العقود الأخيرة، ولا يتعلق ذلك بالانتقال من مرحلة لأخرى ضمن دورة اقتصادية تاريخية بل بـ “تغير في النموذج نفسه الذي يقوم عليه التطور العالمي”.
تابع بوتين أن عددا من المراكز المالية والتكنولوجية والخدمات اللوجستية ووكالات التصنيف الائتماني والعملات الاحتياطية، والتي كانت في السابق تستخدم كمنظومات عالمية “حيادية” و”موضوعية”، أصبحت تستخدم كأداة للضغط السياسي والمنافسة غير النزيهة، وكسلاح ضد أي دولة أو كيان أو طرف يقرر التصرف وفقا لمصالحه الوطنية الخاصة. بمعنى أن هذه المنظومة أثبتت أنها في جوهرها قد صممت خصيصا لخلق التبعية واستنزاف الموارد.
يضع ذلك الخطط الاستثمارية ومشاريع تطوير الأعمال والمشاريع القومية الضخمة وغيرها من المشاريع بين الدول أمام مخاطر وتحديات جسيمة تتمثل في إمكانية استخدام البنية التحتية الخارجية ضدها، ما دفع الدول نحو تطوير حلولها التكنولوجية الخاصة وإنشاء مساراتها الخاصة للتوريد وبناء مؤسساتها القومية.
أدى إدراك روسيا لتلك التحولات إلى استشعار الخطر وفي نفس الوقت اقتناص الفرص التي توفرها هذه المساحة للمناورة الاقتصادية، حيث بدأت موسكو في عقد شراكات جديدة وحلول مالية وتكنولوجية مبتكرة وبدأت روسيا في الدخول إلى أسواق واعدة أكثر فأكثر.
وقال بوتين مؤكدا: “إن جذور الاضطرابات الراهنة في العالم تكمن في انتقاله من نموذج هرمي رأسي يعمل لمصلحة عدد محدود من الدول إلى نموذج أكثر تعقيدا وتوزعا وتعددية في الأقطاب”.
في دول الجنوب العالمي يتزايد عدد السكان وتتشكل طبقة وسطى جديدة وتتطور الصناعة وتتوسع السوق الداخلية، ما يؤدي إلى الحاجة إلى بناء المدن والطرق والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات الرقمية وتنشأ مراكز المال والأعمال والتعليم والتكنولوجيا الخاصة.
في هذا السياق تصبح التعددية القطبية هي الخيار الأكثر منطقية وعدلا عندما يشمل النمو الاقتصادي عددا أكبر من الدول، وتتاح الفرص لمليارات البشر في مراكز النمو الجديدة أن تحدد مسار تنميتها بما يتفق ومصالحها وتنشئ علاماتها التجارية الخاصة وتضع معاييرها وكفاءاتها الذاتية وتحصل على نصيب أكبر من القيمة المضافة بعد أن كان هؤلاء في السابق على هامش الاقتصاد العالمي.
وبالنظر إلى ديناميكيات الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال السنوات الخمس الماضية، استنادا لبيانات صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، سنجد أن دول مجموعة “بريكس” أسهمت بما يقارب نصف الزيادة السنوية في الاقتصاد العالمي (49%)، فيما يقدر إسهام مجموعة الدول السبع الكبرى بنحو 18% فقط. وتبلغ حصة “بريكس” من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقاً لتعادل القوة الشرائية نحو 40%، في حين تقل حصة مجموعة السبع عن 29%.
لهذا فإن مركز الثقل في التجارة العالمية، ومعه النظام المالي العالمي، سيتجه أيضا نحو هذه المراكز الجديدة، بل قد بدأ التحول فعليا ومن المتوقع أن يستمر مستقبلا. وإذا كانت التدفقات الرئيسية للسلع ورؤوس الأموال والمعلومات تمر عبر عدد محدود من مراكز البنية التحتية الغربية، وحتى حينما كانت السلع تنتقل ما بين دول وأخرى في أوراسيا كانت عمليات الدفع والخدمات اللوجستية والتأمين والتحكيم تعتمد على مؤسسات جودة ومؤسسات مالية موجودة في دول ثالثة، وهو ما كان يؤدي إلى زيادة في التكاليف وتبعية سياسية، فإن التجارة الدولية اليوم قد أصبحت أكثر كفاءة، على خلفية تزايد عمليات التوريد المباشر من دون وسطاء غير ضروريين، وتتوسع عمليات التسوية بالعملات الوطنية، ويجري افتتاح ممرات جديدة مثل ممر “الشمال-الجنوب” في أوراسيا، وطريق النقل العابر للقطب الشمالي والممرات عبر بحر قزوين وآسيا الوسطى والبحر الأسود والشرق الأقصى. كل ذلك يمثل ملامح حقيقية للتنمية الراهنة والمستقبلية.
إن النظام التجاري العالمي لم يعد يتمحور حول الغرب كما كان في السابق، وخلال ربع القرن الماضي تضاعفت حصة “بريكس” في التجارة العالمية للسلع أكثر من ضعفين، حيث استحوذت المجموعة على ما يقارب ربع الصادرات العالمية، وهو مؤشر يواصل الارتفاع بصورة مطردة، كما يواصل حجم التجارة البينية بين المجموعة نموه حيث تجاوز فعليا تريليون دولار سنويا. ومن المهم في هذا المقام التأكيد على أن العنصر الأساسي في ارتفاع هذه المؤشرات وتعزيز هذه الروابط هو توفير الثقة والبنية اللوجستية وآليات التسوية المالية واليقين القانوني والتوافق التكنولوجي.
يأتي ذلك بالتوازي مع ابتعاد البنية التجارية العالمية الراهنة عن المبادئ الأصلية التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية، ما دفع ويدفع إلى تآكل المنظمة التي كانت الدول الغربية تروج لها حينما كانت تخدم مصالحها، ويدعون الدول إلى الانضمام إليها، وعندما بدأت تلك الدول في خسارة المنافسة الاقتصادية، أصبحت القواعد التجارية العامة والموحدة التي جرى ترسيخها في إطار المنظمة غير مرغوبة وعبئا على تلك الدول. عندها بدأ الغرب في اللجوء إلى القيود الأحادية والحصار والإملاءات والعقوبات.
بذلك، عطلت الدول الغربية عملياً آلية عمل منظمة التجارة العالمية، وقوضت الثقة بهذه المؤسسات، وعندما تغيب الثقة وتتوقف المؤسسات التي يفترض فيها الحياد والشفافية عن أداء دورها على النحو المطلوب، فإن الشركات والدول بشكل طبيعي تبحث عن بدائل أخرى.
وإلى جانب سرقة الاحتياطيات الروسية من جانب الغرب، وهو ما ترك أثرا لا رجعة فيه على مكانة العملات العالمية، الدولار واليورو، فإن الثقة في الغرب تراجعت أيضا بسبب الوضع غير المطمئن لمالياته العالمة بسبب ارتفاع الدين العام والعجز الكبير في الموازنات. حيث ارتفع الدين العام لمنطقة اليورو لعام 2025 إلى 81.7% من الناتج المحلي الإجمالي (يبلغ ذلك المؤشر في روسيا 16.4% فقط). وأما عجز موازنة الاتحاد الأوروبي في عام 2025 فقد بلغ 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي (يبلغ هذا المؤشر في روسيا 2.6% فقط)، هو ما يحمل في طياته خطر موجة تضخمية جديدة للعملات الغربية.
في ظل هذا الوضع تقوم دول العالم بتقليص أصولها الموجودة في الغرب وتحويل معاملاتها إلى العملات الوطنية والتوسع في استخدام أنظمة الدفع البديلة وتعزيز دول الأصول المالية الرقمية بما في ذلك العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية الوطنية. وتستخدم روسيا بالفعل العملات الوطنية في 65% من عمليات التصدير.
تحتل روسيا مواقع متقدمة من حيث سرعة إدخال المنصات الرقمية، والأسواق الإلكترونية، والحلول المالية، والخدمات الحضرية، وأنظمة الرعاية الصحية والتعليم. وتلك حلول تسهم في تحسين جودة حياة المواطنين فضلا عن تصدير تلك الأفكار والحلول إلى عشرات الدول التي تواصل استيراد هذه المنتجات والخدمات لقدراتها التنافسية أمام نظيراتها الأجنبية. كما تحتل روسيا أيضا موقعا رياديا في مجال الطاقة النووية بالغ التعقيد، حيث تنفرد بأنها الدولة الوحيدة التي تقوم بتصنيع كافة مكونات محطات الطاقة النووية داخل حدود الدولة دون الحاجة إلى استيراد أيا من هذه المكونات. وأكثر من 80% من مشروعات بناء محطات الطاقة النووية الجاري تنفيذها في السوق العالمية تتم بمشاركة مؤسسة “روساتوم” الروسية.
وتمتلك روسيا كذلك منظومة متكاملة من تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها والأنظمة المستقلة التي ترفع إنتاجية العمل بصورة جذرية والحلول والمنصات الرقمية التي تسمح للمشاركين بتبادل المعلومات وإبرام الصفقات في الوقت الحقيقي Realtime وبصورة آلية وهو ما يؤكد على المستقبل الواعد لروسيا كمركز قوي من مراكز السيادة في العالم متعدد الأقطاب.
بدون هذه التقنيات، يصبح تحقيق السيادة لأي دولة أو كيان أمرا مستحيلا من حيث المبدأ، لأن امتلاك قاعدة تكنولوجية وطنية خاصة هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للدول ذات الكثافة السكانية والمساحات الشاسعة والثقافات المتميزة. حيث لا يمكن لهذه الدول أن تكتفي بكونها “مستخدما” للحلول الأجنبية سواء كانت اقتصادية أو مالية أو تكنولوجية لأنها بذلك تخاطر بأن تقع تحت طائلة الابتزاز والإدارة والتحكم من قبل المنصات الخارجية.
لذلك يصبح جوهر التحدي أمام الدول الكبرى هو الخيار التاريخي بين أن تنشئ تلك الدول المنظومة التكنولوجية والمنصة الخاصة بها أو تتحول إلى أطراف هامشية في العالم الرقمي تتحكم بها المراكز التكنولوجية كما تشاء، فتمنحها القدرة على الوصول وتضغط عليها حينما “تخالف الأوامر والإملاءات” بمنعها من الوصول إلى تلك المنصات والتقنيات والحلول.
في هذا السياق أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا ستواصل تعزيز بنيتها التحتية الحيوية الخاصة وستدخل في شراكات فقط مع الأطراف التي تحترم التزاماتها المتبادلة، حيث أن مكانة أي دولة في منظومة العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، وقدرتها على ممارسة دور قيادي على المستوى الدولي، تتوقف على قدرتها على ضمان سيادتها الخاصة، وسباق السيادة قد بدأ بالفعل ويزداد زخما يوما بعد يوم.
وتابع بوتين: “السيادة تعني أن تكون أقوى وأكثر ذكاء وأن تدير مواردك بدقة أكبر وأن تستثمر بكفاءة أعلى بما في ذلك في مجال التطور التكنولوجي. السيادة الحقيقية تتطلب الكفاءة. وروسيا تواصل تعزيز سيادتها ليس بالانغلاق على نفسها بل على العكس، من خلال توسيع دائرة شركائها، فالدولة القوية ذات السيادة، لا يمكن أن تكون دولة منغلقة على نفسها”.
*كاتب ومحلل سياسي فلسطيني/ موسكو

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

دموع ولد علي وأعلام اليمن..!

محمد العزيزي* لم تكن مباراة اليمن ولبنان مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف الكرة بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *