الأربعاء , يونيو 10 2026
الرئيسية / اراء / ألم… بأمل!

ألم… بأمل!

نسيمة عبدالرحمان*
عندما نستحضر أحداث الماضي، لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد التذكر، بل استخلاص العبر وتجنب تكرار الأخطاء التي كانت سببًا في الشقاق والصراع العنيف بين أبناء البيت الواحد. فمثل هذه الخلافات والخصومات الحادة تحتفظ بها الذاكرة الجماعية، وتوثقها الوقائع والشواهد التي لا يمكن إنكارها.
وإذا كانت هذه الأحداث المؤلمة جزءًا من ذاكرة جماعية ساهمت في صنعها العديد من الأطراف، فمن الحكمة أحيانًا طيّ صفحاتها بعد استيعاب محتواها، لا من باب النسيان أو تجاهله، بل تفاديًا لفتح جرح عميق لا يزال يؤلم الذاكرة، وقد يعيدنا إلى عقد دموي لا يزال كابوسه يعيشه العديد ممن واكبوا تلك الحقبة. فتراكم الغبار على الصفحات أحيانًا أصوب من فتح تلك الذكريات، خشية إيقاظ الوحش المدوَّن فيها، وخوفًا من تكرار المآسي ذاتها، لأن هذا الوحش يكمن في نفوس كل الفاعلين في تلك الأحداث.
وما يجري اليوم في لبنان من خلافات وصراع بين أبناء الوطن الواحد ليس مجرد نزاع عفوي، بل هو مخطط له من كيان صهيوني يسعى إلى إحكام قبضته على لبنان منذ عقود. فالكيان الصهيوني يُبدع في شق الجسد الواحد، بدفع فريق نحو الانشقاق عن الأطراف الأخرى، ليستفرد به ويجعله في مواجهة شقيقه، مستغلًا المشاحنات ومطبّقًا سياسة فرّق تسُد. وكما في كل مرة، يتذرع بأن الحرب على لبنان جاءت لردع تهديدات إيران من خلال وكلائها في الجنوب المتمثلة في حزب الله، وأن ما يُشنّ على جنوب لبنان وبعض المناطق الأخرى سببه المقاومة. غير أن الكيان الصهيوني وتوأمه الأمريكي، اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر في استتباع الشعوب بسياسة توافقية لا منازع لها، يخططان لمشروع قديم متجدد، يُعاد إحياؤه كلما أتيحت الفرصة لإشعال المنطقة بسرديات كاد الثنائي أن يُصدّقها من كثرة التكرار. وهذا الفكر التوسعي أصبح إرثا يتناوب عليه كل قائد صهيوني يتولى الحكم، مدركًا أن أشد الحروب نجاعة هي الحرب الأهلية.
ولإتمام هذه الرواية وترسيخها، كان لا بد من إقناع هذا الفريق المنشق بأن المقاومة تمثل خطرًا على لبنان، وأن قرارها الانفرادي بالانخراط في الحرب يهدد لبنان ومجتمعه بالانقسام، مُسوِّيًا شبابها بالميليشيات والمرتزقة. غير أن هؤلاء الشباب اختاروا أن يتنافسوا على الشهادة لتحرير أرض عرفت أقدم الحضارات، وكان أهلها أول من اخترع الحرف. فإذا كانت المقاومة كذلك، فلا بأس حينئذٍ أن نتصفح في تكتم بعض الذكريات المؤلمة.
لا يمكن للتاريخ أن يُسجَّل لفريق دون الآخر، لأن في ذلك وضعه في حالة سكر يتذكر فيها أحداثًا دون أخرى. ففي القرن الماضي، عاش لبنان أقسى حقبة في تاريخه خلال الحرب الأهلية، التي كان مُصمِّمها الكيان ذاته بأدوات داخلية، موّلت لتأسيس ميليشيات لحرب ذات نكهة عقائدية. فطائفة اعتبرت نفسها أقرب إلى الكيان منها إلى العالم العربي، وعلى أساس هذه القناعة بنى الكيان الصهيوني فكرة أن هذه الطائفة يمكن أن تكون حليفة تضمن أمنه في المنطقة، واقترح حينها توقيع معاهدة سلام. ولأن إسرائيل لا تؤمن بالسلام، فإن هذه الشراكة أشعلت النيران، مما أسفر وفق الأرقام الموثقة عن ثمانية آلاف قتيل ودمار كارثي للممتلكات. ومنذ ذلك التاريخ المشؤوم، بقيت جروح لبنان مضمَّدة دون أن تلتئم، ومجتمعه يعاني من الهشاشة مما يُعرِّضه للكسر عند أدنى صدمة.
وما نتابعه اليوم من شرخ بين مختلف الأطراف دلالة على أن الفكر السياسي اللبناني لم يبلغ النضج الكافي لإدراك أن العدو الصهيوني لن يقبل يومًا أن يكون حليفًا، لأن فكرته استغلالية توسعية. فليُدرك الفريق المنشق أن المعادلة الصهيونية لا تقارَن بمن يبسط يده لإنقاذ وطن من استعمار يُراد له أن يكون أبديا. فإذا كانت إيران اليوم تناصر المقاومة لتحرير أرض تشمل الجميع، فذلك حرص على البقاء الوجودي لوطن. فلندرك أن وجودنا بوحدتنا، وأن مصيرنا بأيدينا، وأن عيشنا المشترك غنانا وما يميزنا، وملجأنا أرض لبنان، تحت أرزة تحوينا وعطرها يغمرنا وظلالها تُغطينا.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

من جزيرة ألبانية إلى غزة ولبنان!

د. معن علي المقابلة* ما يلفت الانتباه في الاحتجاجات التي شهدتها ألبانيا ضد مشروع تطوير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *