الخميس , يونيو 11 2026
الرئيسية / اراء / هل بقي حل للشأن الفلسطيني المتحلل؟!

هل بقي حل للشأن الفلسطيني المتحلل؟!

نادية حرحش*
لا يبدو في الأفق أي انفراج للوضع الفلسطيني المتفاقم وسط تراكم الأحداث الدولية والإقليمية والداخلية، وانشغال العالم بأزمات متلاحقة لم يعد معها يؤرقه البحث عن حلول تضمن للفلسطيني حقه في الوجود أو تقرير المصير.
أكدت مناورات الانتخابات الأخيرة، سواء المتعلقة بالبلديات أو بحركة فتح، حجم الانغلاق الذي أصاب النظام السياسي، حتى بدا الوطن وكأنه بضعة آلاف من الأشخاص يدورون في فلك عشرات الشخصيات، تدور بدورها في فلك دائرة أضيق من أصحاب القرار.
ومع ذلك، وبينما تتآكل مشاعر المواطن المرتبطة بفكرة الوطن، نشهد هدر الدماء شلالات على يد احتلال لا يرتوي من القتل، وغياباً للقانون يقتلع الرحمة من النفوس، حتى غدا العنف لغةً سائدة وأصبح القتل جزءاً من المشهد اليومي لمجتمع أنهكه التفكك.
وفي ظل استباحة أصبحت معها كلمة “مذبحة” مألوفة التداول، وانعدام أمنٍ جعل الموت خبراً عابراً، لا يملك المرء إلا أن يبحث عن مخرج من هذه الكارثة التي تتجدد كل يوم.
هل يمكن القول إن فكرة المصالحة الفلسطينية لم تعد واردة، وإنّ كل ما تبقى لنا هو الرضا بالأمر الواقع؟ ففي الضفة، تتصدر المشهد انتخابات البلديات وانتخابات حركة فتح، بينما ينشغل أهل غزة بمعارك البقاء اليومية وسط محاولات لتخفيف شكل الإبادة عبر إطعام الناس وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، بالتزامن مع محاولات فرض سيادة يحمل رايتها من ينجح في السيطرة على الأرض، أكان ذلك عبر عصابات أم لجان سلام. لا أعرف إن كان بالإمكان الاستمرار حتى في هذا الكلام الخانق. فلا يبدو في الأفق أي إشارة يمكن أن تمنح المرء أملاً بالتفكير في المستقبل. أي مستقبل يمكن التفكير فيه أصلاً؟
ومع ذلك، فإن الانسداد لا يلغي ضرورة التفكير فيما يمكن أن يأتي بعده.
كالعادة، نفكر بأسماء أشخاص. وربما يكون هذا بحد ذاته مؤشراً على عمق الأزمة، إذ يعود الحديث إلى الأشخاص أكثر من المشاريع في ظل الفراغ السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون وتصاعد النقاشات حول اليوم التالي في غزة ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني عموماً. لكن السؤال يبقى: هل يمكن أن يكون هناك من يستطيع حمل هذا العبء المتهتك المسمى بالكل الفلسطيني، بما تبقى منه بين الضفة وغزة؟ ذلك الكل الذي مزقه الاحتلال بين ضفة مجزأة وقطاع جرى تقليصه إلى رقعة صغيرة من الأرض.
يبدو أن إسرائيل لا تزال تفضل عدم حكم الفلسطينيين بشكل مباشر. فوجود السلطة، رغم ما أصابها من ضعف وتآكل وفقدان للفاعلية، يبدو خياراً مستمراً حتى الآن. كما أن مسألة الخلافة داخل فتح في الضفة لا تزال موضع تداول أو جدل حتى بعد الانتخابات والترتيبات الأخيرة، بما يؤكد أن التنافس يدور في معظمه بين الأسماء ذاتها ومن أجل بقاء المنظومة نفسها، بما يرافق ذلك من صراعات على النفوذ والمواقع.
وينطبق الأمر نفسه على غزة، إذ لا يبدو أن احتلالها الكامل مطروح للأسباب ذاتها. فما حققته إسرائيل من خلال أوسلو كان، ولا يزال، أحد أهم إنجازاتها الاستراتيجية؛ إذ تخلصت من عبء الإدارة المباشرة للفلسطينيين وما يترتب عليها من مسؤوليات، مع إبقائهم تحت أشكال مختلفة من الحصار والسيطرة يمكن تشديدها أو تخفيفها وفق ما تقتضيه الظروف.
لذلك لا يبدو أن ثمة حكماً فتحاوياً مباشراً مطروحاً للقطاع، بل ترتيبات تقوم على قوى أو مجموعات محلية ولجان مختلفة يجري تداول أدوارها في إدارة ما بعد الحرب، إلى جانب محاولات التعامل مع ما تبقى من نفوذ لحماس. ولا يخلو المشهد من أحاديث متزايدة عن مبادرات واجتماعات تُعقد برعاية أطراف إقليمية مختلفة لبحث ترتيبات المرحلة المقبلة في غزة. وبصرف النظر عن صحة كل ما يُتداول، فإن مجرد كثافة النقاش حول هذه السيناريوهات يعكس إدراكاً متزايداً بأن مرحلة ما بعد الحرب أصبحت جزءاً من الصراع الحالي.
ومع ذلك، فإن جميع السيناريوهات المطروحة، في غزة كما في الضفة، لا تبدو أكثر من مسكنات لأزمة متفشية في الجسد الفلسطيني. فهي لا تقدم حلولاً بقدر ما تسعى إلى إدارة الأزمة وتأجيل انفجارها. فجوهر المشكلة لم يعد يتعلق فقط بمن يدير غزة أو من يخلف الرئيس في الضفة، بل بالتآكل الذي أصاب البنية السياسية نفسها بعد سنوات من غياب الانتخابات العامة، وتراجع دور المؤسسات التمثيلية، وانقسام النظام السياسي بين الضفة وغزة. لذلك فإن أي ترتيب جديد حتى ولو نجح في إدارة المرحلة مؤقتاً، لن يجيب وحده عن السؤال الأكبر المتعلق بإعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية وإعادة تعريف المشروع الوطني.
أما أزمة الضفة، فلم تُحل بقدر ما جرى ترحيلها إلى اليوم التالي. ولا يحتاج المرء إلى كثير من التحليل ليدرك أن انتقال السلطة لن يكون بتلك السهولة. فالصراع لن يكون على المنصب فحسب، بل على شبكة النفوذ والمصالح التي تشكلت على مدار سنوات طويلة، ما يجعل أي انتقال للسلطة محاطاً بأسئلة أكثر مما تحيط به الإجابات.
لكن الواقع الفلسطيني الحالي لم يعد يحتمل ترف النقاشات النظرية. فما الذي يريده الفلسطيني اليوم سوى أن يجد فرصة عمل، وأن يصل الطعام إلى غزة، وأن تتوقف آلة القتل؟ وهذا لا يعني إغفال الهم الأكبر المتعلق بالقضية الفلسطينية برمّتها. لكنّ هذه المطالب أكثر الهموم إلحاحاً. فما قيمة الشعارات الكبرى إذا أصبح البقاء نفسه معركة يومية، وإذا تحولت الكرامة إلى اسم على معبر أكثر منها واقعاً يعيشه الإنسان؟
ربما يكون الخطأ الأكبر أننا ما زلنا نبحث عن الخلاص في الأشخاص، فيما تكمن الأزمة في غياب المشروع الجامع الذي يستطيع أن يعيد للفلسطينيين شعورهم بأنهم شعب واحد،ومصير واحد. فمهما تعددت الأسماء وتبدلت المواقع، لن يكون أي شخص قادراً وحده على إنقاذ واقع يتآكل منذ سنوات طويلة. فالقضية الحقيقية أصبحت: كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الكل الفلسطيني قبل أن يتحوّل التفكك المؤقت إلى واقع دائم.
وربما لهذا السبب تبدو كلمات عبد الرحمن الكواكبي، رغم مرور أكثر من قرن على كتابتها، أقرب إلى الواقع أكثر من أي وقت مضى:
“لقد تمحص عندي أن أصل الداء هو: الاستبداد السياسي.. ودواؤه هو: الشورى الدستورية.”
*كاتبة فلسطينية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

عودة الحرب الشاملة في المنطقة!

د. سعد ناجي جواد* عادت اجواء التصعيد الأمريكي والتهديد بحرب شاملة جديدة تخيم من جديد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *