جاسم العزاوي*
في يناير/كانون الثاني 2026، وانتشـاءً بالإطاحة السريعة والسرية بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، جازفت إدارة ترامب بالدخول في مواجهة مع خصم أكثر تقلبًا وعمقًا وتجذرًا. لقد تصرف الرئيس دونالد ترامب بناءً على افتراض مغرٍ بأن القيام بحملة خفية عالية التقنية ضد جمهورية إيران الإسلامية سيثمر عن نصر موازٍ وغير مكلف. ومع ذلك، فبعد مرور أشهر على الصراع الذي أشعلته حملة الإدارة الهجومية “الضغط الأقصى 2.0” والذي تصاعد عبر عملية “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، تجد واشنطن نفسها محاصرة في مستنقع مألوف ومؤلم؛ حيث تم الخلط مجددًا بين البراعة التكتيكية والانتصار الاستراتيجي. وكما لاحظ ونستون تشرشل بعبارته الشهيرة في أعقاب الانتصارات المبكرة زمن الحرب: “هذه ليست النهاية. إنها ليست حتى بداية النهاية. ولكنها، ربما، نهاية البداية”. ومن خلال إعطاء الأولوية للاستعراضات الحركية (العسكرية) المبهرة على حساب غايات سياسية متماسكة، ارتكبت الإدارة أخطاءً استراتيجية قاتلة تعيد إلى الأذهان عثرات أمريكا الماضية في المنطقة، مما ترك الولايات المتحدة في نهاية المطاف أكثر عرضة للمخاطر، وتسبب في تآكل قدرتها على الردع، وزعزعة استقرار الشرق الأوسط بشكل جذري.
تمثل الخطأ الأول والأكثر فجاجة للإدارة في وهم “النصر السريع” ــ وهو سوء فهم جوهري لقدرة إيران على الصمود، وحسها القومي، وعمقها في الحروب غير المتكافئة. لقد حققت الضربات الافتتاحية لحملة عام 2026 إنجازات تكتيكية استثنائية، بما في ذلك التدمير الممنهج للأصول البحرية التقليدية لإيران، والتصفية المذهلة لقمة الهرم باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. ومع ذلك، وكما لاحظ معهد “كاتو” بعد فترة وجيزة من هدوء العاصفة: “إن النجاحات التكتيكية لا يمكنها حجب ما تحول سريعًا إلى فشل استراتيجي آخر… إن استراتيجية الإدارة منفصلة تمامًا عن أهدافها المعلنة”. لم تؤدِ القوة الجوية والاغتيالات المستهدفة إلى إشعال انتفاضة ديمقراطية محلية، كما لم تمحُ عقودًا من السيطرة المؤسسية الراسخة. وعوضًا عن ذلك، تكتلت السلطة سريعًا حول فصيل أكثر تشددًا وتمرسًا على الحروب داخل الحرس الثوري الإيراني، مما أثبت مقولة الجنرال عمر برادلي الخالدة بأن “الهواة يتحدثون عن التكتيكات، بينما يتحدث المحترفون عن اللوجستيات” والاستدامة طويلة المدى.
علاوة على ذلك، استهانت الإدارة بشكل صارخ بقدرة إيران على الرد الإقليمي غير المتكافئ. فلأعوام طويلة، تعاملت المؤسسة الدفاعية في واشنطن مع افتراض مريح مفاده أن طهران ستقصر ردودها على هجمات محلية ضد الأصول الأمريكية أو مناوشات عبر وكلائها. وبدلاً من ذلك، تحول الصراع على الفور إلى مواجهة مستعرة متعددة الجبهات. ففي اليوم الأول، ضربت الصواريخ الإيرانية والذخائر المتسكعة (المسيرات الانتحارية) المتطورة الدول الخليجية الست، مما أدى إلى تحطيم مظلة الأمن الإقليمي تمامًا وكشف زيف فرسية الدفاعات الجوية غير القابلة للاختراق. وبدلاً من تفكيك البنية التحتية الصاروخية لإيران، كشفت الحرب أن نسبة هائلة تصل إلى 70% من مخزون الصواريخ البالستية ومنصات الإطلاق المتحركة الإيرانية بقيت سليمة تمامًا، ومطمورة في عمق “مدن الصواريخ” المحصنة تحت الأرض، وظلت تعمل بكامل طاقتها لأسابيع خلال القتال.
أدى هذا الفشل الذريع في الحسابات إلى ارتكاب الخطأ الاستراتيجي الثاني: العجز عن توقع وتخفيف الآثار الاقتصادية العالمية المدمرة الناتجة عن هذه الحرب. فقوبل الحصار البحري الهجومي الذي فرضته الإدارة باستراتيجية مضادة متكافئة وشرسة في الممرات المائية الحيوية؛ إذ فرضت طهران سيطرة فعلية بحكم الأمر الواقع على مضيق هرمز ــ الشريان الحيوي الذي يمر عبره 25% من نفط العالم ــ ومضت في تطبيق نظام تحصيل رسوم قسري وزرع للألغام البحرية، مما دفع أسعار النفط الخام العالمي لتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل. وأحدثت هذه الارتدادات الاقتصادية اضطرابًا في سلاسل الإمداد العالمية الهشة، وأشعلت موجات تضخمية في الاقتصادات الغربية. وفي مفارقة ساخرة كبرى، اضطرت الإدارة إلى تخفيف بعض العقوبات النفطية بهدوء ومنح إعفاءات لإبقاء أسواق الطاقة العالمية على قيد الحياة، مما منح طهران أوراق ضغط اقتصادية غير متوقعة في خضم حرب كان الهدف منها كسر إرادتها المالية. وتذكرنا هذه الهشاشة الاقتصادية بتحذير رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، التي أشارت إلى أنه لا يمكن الحفاظ على الدفاع إذا كان يدمر الأساس الاقتصادي الذي تستند إليه قوة الأمة.
تكمن المأساة الأعمق لهذا الصراع في الكيفية التي أدى بها ــ بشكل عكسي ــ إلى تحفيز السلوك ذاته الذي سعت واشنطن لردعه. فقد كان المبرر المعلن للإدارة للتدخل العسكري هو القضاء الكامل والدائم على برنامج إيران النووي. ومع ذلك، فمن خلال المطالبة بما يرقى إلى “الاستسلام غير المشروط” مع تفكيك ما تبقى من كوابح دبلوماسية ممنهجة، لم تترك الإدارة لطهران أي مخارج سلمية. وقبل اندلاع الأعمال العدائية، أشار وسطاء إقليميون إلى أن إيران كانت مستعدة لتقديم تنازلات نووية تتجاوز بكثير الاتفاقيات الدولية الأصلية. ولكن باستبدال الدبلوماسية بتهديدات عسكرية وجودية، ضمنت واشنطن عمليًا أن أي نظام إيراني بعد الحرب سيرى في الردع النووي الفاعل ضرورة قصوى للبقاء الوطني، وليس رفاهية قابلة للتفاوض. وكما كتب الاستراتيجي الأسطوري كارل فون كلاوزفيتش في مقولته الشهيرة: “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. وحين تفقد الحرب هدفها السياسي وتتحول لمجرد أداة عقابية، فإنها تتحول إلى محرك للتصعيد اللامتناهي.
أخيرًا، عجلت هذه الحرب بحدوث تحول هيكلي نحو نظام عالمي “ما بعد أمريكي” يتسم بالعدائية، مما ألحق ضررًا بالغًا بمصداقية الولايات المتحدة بين الحلفاء والأعداء على حد سواء. وفي معرض حديثه عن التداعيات الجيوسياسية المتتالية لهذا الصراع، أشار المحلل السياسي الخارجي روبرت كاجان إلى أن الحرب قد أطلقت “تغييرًا عالميًا متسارعًا للتكيف مع عالم ما بعد أمريكا نتيجة لهذا الخطأ الفادح في الحسابات”. وبعيدًا عن عزل إيران، فقد ربط هذا الصراع المنافسين الجيوسياسيين الرئيسيين لواشنطن ببعضهم البعض بشكل وثيق؛ حيث واجهت القوات الأمريكية خصمًا محصنًا بقوة بفضل التعاون الخارجي، الذي تراوح بين رقائق أشباه الموصلات الصينية المتقدمة، وصور الأقمار الصناعية الفورية، وصولاً إلى الابتكارات التكتيكية المشتركة في حرب المسيرات.
لقد دخلت إدارة ترامب هذا الصراع مدفوعة بافتراض غطرسـي مفاده أنها تستطيع إملاء شروط مواجهة قصيرة ومنخفضة التكلفة من جانب واحد. وبدلاً من ذلك، تجاهلت القاعدة الأساسية لسياسة إدارة الدول الاستراتيجية: لا تبدأ حربًا أبدًا دون تعريف واضح وقابل للتحقيق للسلام. ومن خلال مطاردة سراب انهيار النظام بلا عناء، تسببت الإدارة في إضعاف الردع التقليدي لأمريكا، وعرضت الاقتصاد العالمي لصدمات طاقة حادة، ودفعت خصمًا مرنًا إلى عمق معسكر منافسينا العالميين الأكثر شراسة. وإذا لم تتحول واشنطن سريعًا نحو وقف واقعي لإطلاق النار يمكن فرضه دبلوماسيًا، فلن تُذكر عملية “الغضب الملحمي” كأحد الانتصارات التاريخية، بل كحالة نموذجية تدرس كيف تولد الغطرسة التكتيكية كوارث استراتيجية.
*كاتب واعلامي عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر