الثلاثاء , يونيو 16 2026
الرئيسية / اراء / فيزياء الصمود..!

فيزياء الصمود..!

د. ادريس هاني*
حين يتحدث “الخبير” السياسي في معاطن الإعلام العربي باللغة نفسها التي تتحدث بها إدارة القوة العظمى، تصبح المفارقة مضاعفة والخطاب بالغ الرعونة. إن كان سكر القوة يدعو الإمبريالية اليوم إلى الشطط في سياسة الاستكبار، فما الذي يحرق “بصلة” العبيد؟ وهكذا لا زالت أشواط الكوميديا السياسية تتوالى في صوالين الإعلام العربي الأجرب، تسخر من بقايا عصبون الدماغ السياسي العربي، في حرب إدراكية بليدة من حيث أدوات التحليل ومن حيث المضمون أيضا.
قليل من الحدس السيميائي يجعلك تكتشف اعورار القول وغباء الايماءات وسيلان الحقد. من يا ترى يحرر العقل العربي من حثالة الخبراء المزيفين؟ إن الوضعية الرقية هي ما يؤدي إلى الهرولة على طريق الهزيمة المزمنة والخالدة في ذاكرة من خسروا الحروب كلها وحصدوا الوهم في كل التسويات الفاشلة. لا توجد أمة تفخر بهزيمتها كما يفخر نواطير الإمبريالية، ممن هم من أقل أحياء قريش؛ لماذا يتصرفون كحاقدين ومحتالين؟
هل يا ترى للعرب قرار في هذه المعادلة المعقدة؟ هل لرأيهم وزن واعتبار؟ هل مسموح لهم بالمصاحبة في الحنطور الجيوسياسي؟ وإذن: لماذا هذا الضوضاء؟!
اليوم تكسرت شوكة العرب وذهبت عصبيتهم، وقد وقعوا في مفارقة جيوسياسية تقضي بإعادة توزيعهم على خريطة الشرق الأوسط بما ليس في حسبانهم. الحليف الذي راهنوا عليه هو نفسه حليف عدو وجودهم، هذه ليست إلا البداية، فما ينتظر المنطقة مرهون بقواعد اشتباك تتشكل في مضيق هرمز واستحقاقاته الجيوستراتيجية. سيشهد التاريخ رغم تلوي ثعالب العروبة الذين ضيعوها في قلعتها التاريخية، لأن صمود طهران هو من فاوض من أجلهم بإدخال بند وقف الحرب على لبنان، سحب القوات الغازية من المنطقة، تقاسم السيادة والإدارة مضيق هرمز مع دولة عربية محترمة، عودة مفهوم السيادة من جديد إلى منطقة راهنت على شرق أوسط جديد بلا قيادات عربية.
لا تسمح الدولة العميقة للإمبراطور المتحامق بأن يكشف عن أهدافه؛ ففي أقواله البهلواني السابقة يسعى لجعل مهمة الاستشراف صعبة المنال، إنها لغة الحرب.
حين يستبدل الوضع وتتحرك الوساطة العربية، وهذه المرة هي مؤشر على عجز الاحتلال وحليفته عن تحقيق أهدافهما. وعلى الرغم من كل هذا التصعيد، فالعالم لا يتحمل استمرار الحرب في الممر الأكثر حيوية للطاقة في العالم، كما أنه عاجز عن تحقيق التشطيب في معركة يتعذر النزول فيها إلى البر. الوضعية غير المريحة التي وضعت طهران فيها كلا من الاحتلال وحليفته العظمى، مؤشر على تحول كبير في حساب المصالح. ليس في وسع الحليفين اليوم أن يتجاهلا مخرجات العدوان، المغامرة التي تدلى فيها الألعبان حد السقوط.
وكما هو متوقع، فترامب هو الآمر الناهي في هذه الحرب، وسيجد نفسه مرغما على الإمضاء على مذكرة إسلام آباد، ومرغما على جر الاحتلال وقادة المنطقة للرضوخ إلى الأمر الواقع.
إن صمود محور المقاومة لن يكون في صالح المحور وحده، بل سيكون في صالح المنطقة برمتها كما ذكرنا. لقد تعرضت فكرة الصمود إلى ضرب من التشنيع والاختزال من داخل صوالين الهزيمة، منذ أربعين عاما ونحن نصرخ حتى بححنا بهذه الحقيقة، يومها كان الاصطفاف الغبي يرسم معالم تاريخ مستقبل المنطقة، وقد تبدى اليوم واضحا، لقد أخرجت الإمبريالية والاحتلال مخطط باء، وهو الأسوأ بل هو الأهزع في كنانة من خسروا الحرب الحضارية.
وقد ظلت المقاربات مرتهنة لفيزياء القوة النيوتونية. وهذا ما يؤكد أن فيزياء نيوتن فضلا عن جمودها وخضوها لسلطة قانون القصور الذاتي، فهي فيزياء جبانة، لأنها اختصرت القوة في نقاط ماكروفيزيائية قياسية، هذا بينما القوة بالمعنى الكمومي هي ميكروفيزيائية لاقياسية. وتماما كالسلطة فوكونيا، هي خفية وغير محصورة وتوجد في كل مكان. فلقد اهتدت المقاومة، وتلك هي وظيفتها، إلى أن تنازل القوة الميكانيكية بتدبير كمومي للقوة الخفية، بحثا عن قواعد اشتباك تجعل الرهان على القوة الكلاسيكية عاجزا عن تحقيق بلغة الحرب. فيزياء الصمود ليست فقط فيزياء المقاومة بالمعنى الذي يحتمل أن تحترق فيه المقاومة في حال فرط-التيار (Overcurrent)، بل هي فيزياء نووية بصورة أخرى. فالسلاح النووي الفائق والمرعب، يقوم على منظور للقوة غير كلاسيكي(=فيزياء الكم) وهو المنظور الذي يقوم عليه تصور القوة في فيزياء الصمود، مما يجعل قوة الصمود نفسها تعادل بل تفوق قوة السلاح النووي. فالذي يحرك قوة الصمود هو إرادة غير نهائية ولا تنضب، فالسلاح النووي عند مستعمله لا يكون نوويا إلا عند الاستعمال، لكن منظور مستعمله للقوة يظل كلاسيكيا بامتياز، وتلك هي المفارقة الفيزيائية؛ بينما المقاومة هي سلاح نووي يعمل باستمرار، وهذا ما يفسر زهد المحور في امتلاك ذلك السلاح، لأنه يدرك أن ذلك في تقدير معادلة الصراع، هو قوة تلويح لا قوة فعل، وأمة تملك إرادة الصمود والمقاومة لا تحتاج إلى سلاح نووي . يصعب على فيزياء نيوتن استيعاب قوة فيزياء الشهادة والصمود في معارك الأمم. ففي تاريخ العدوان لم تشهد الإمبريالية معركة صمود كما في الحرب الأخيرة، هذا سيقوي فكرة “روبرت سميت” حول لا جدوى القوة. بالفعل، لم يعد أمام فيزياء القصور الذاتي سوى أن تقتل الناس، أما المحارب، فقد اختفى وتلطف، فتارة هو جسيم وتارة هو موجة، وما يعلم جنود ربك إلا هو!
من المؤكد أن نذكر بأن ما حدث ليس بفضل مبادرة أو وساطة من أحد ، بل كل ما جرى هو بحسابات جدية، وننيجة قوة الصمود والمقاومة التي صنعتها سواعد من تعرضوا للتشنيع الممنهج والخذلان منذ عقود . لا أحد – إلا من باب: ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن- له الفضل في إنهاء حرب كان هدفها المعلن شطب حضارة.
وعليه، لننتظر المنعطف الكبير، تغيير الخطاب، المهرولون، المكوعون، المتشقلبون، وكل من كان ينتظر نهاية فكرة الصمود… علينا أن نتأمل من دون صدمة، انقلاب الصورة تجاه ما يقارب 40 سنة ونيف من التشنيع و التآمر والهلوسة، تاريخ من الحقد فجرته السياسة وحملته الألسن الطولى؛ بالفعل: على الدنيا، بعد كل هذا، العفا!
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

وحدة الساحات ومعادلة الاستباحة!

عبدالفتاح البنوس* نجحت إيران من خلال قيادتها لمحور المقاومة في تثبيت معادلة وحدة الساحات، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *