حسن الوريث
.
في قلب ميدان التحرير وبينما كنا نستقبل أول أيام السنة الهجرية الجديدة رفقة صديقي الصحفي المتميز وبعض الأصدقاء لم تكن عيوننا على بهجة العيد لكنها وقفت على مشهدٍ مشين يندى له الجبين . مجموعة من البلاطجة والمتهبشين فوق أحد قلابات مكتب الأشغال يطاردون أصحاب البسطات الضعفاء بعنجهية مفرطة وعنف غير مبرر. والمفارقة الصارخة أنهم كانوا ينتقون بسطات بعينها لاقتلاعها بينما يغضون الطرف عن أخرى تجاورها يبدو أن أصحابها قد عرفوا من أين تؤكل الكتف فدفعوا ثمن البقاء ..
علق صديقي الصحفي بنبرة يملؤها الأسى هذا الأسلوب لا يشي بدولة تحكمها قوانين ومؤسسات بل يوحي بأننا أمام عصابات وقطاع طرق يصادرون الممتلكات بلا رقيب إنهم يتعمدون تشويه صورة الدولة يلاحقون المساكين الذين يكسبون قوت يومهم بشق الأنفس في حين أن هوامير النفوذ يخالفون الأنظمة علناً ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم لأن لديهم حصانة الحماية أو سلطة المال التي تجعلهم فوق القانون..
قلت له محذراً .. المصادرة الجائرة للأرزاق دون توفير بدائل عملية هي قنبلة موقوتة وكارثة إنسانية محققة فعندما يفقد الإنسان مصدر دخله الوحيد فإنه يُدفع دفعاً نحو مفترق طرق خطير إما رصيف التسول أو منزلق الإجرام والسرقة أو الوقوع في فخ الاستقطاب للجماعات المتطرفة التي تستغل حاجة الضعفاء ونحن بهذه التصرفات لا ننظم الشوارع بل نساهم بفعالية في صناعة البطالة والجريمة ..
هنا تدخّل أحد الأصدقاء كاشفاً المستور .. الأمر مقصود يا عزيزي فليس من مصلحتهم وضع حلول حقيقية كإنشاء أسواق بديلة لأن مأسسة النظام ستقطع عليهم شريان الدخل الذي تغذيه هذه الفوضى العارمة ..
وفي تلك اللحظة هبطت عصفورتنا الذكية التي كانت ترقب المشهد لتدلي بدلوها قائلة .. هل تعرفون أن هؤلاء البلاطجة يدفعون إتاوات مسبقة لضمان النزول إلى هذه المواقع؟ إنها سلسلة فساد متكاملة يستلم فيها الصغير والكبير حصته في ظل غياب الرقابة وضوابط الدولة وما شاهدناه اليوم يتكرر في كل شوارع أمانة العاصمة والمحافظات تحت لافتة إزالة الازدحام بينما الحقيقة هي أن من يدفع يملك الحق في البقاء ولو في وسط الطريق ..
تابع صديقي الصحفي حديثه واضعاً النقاط على الحروف .. المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق وزارة النقل والأشغال العامة وأمانة العاصمة اذ يجب عليهم دراسة المشكلة بجدية وتقديم معالجات إنسانية مستدامة بدلاً من تلك القرارات الارتجالية التي تشبه تخديرة القات ولا تنتج إلا مزيداً من الأزمات فالحل يكمن في توفير أسواق عامة بديلة ومنظمة وتأهيل الشباب لتمكينهم من العيش بكرامة وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً للبلد ..
أيدته قائلاً .. بالتأكيد لو وفرت الدولة تلك البدائل لما بقي باسط واحد في قارعة الطريق ولكن يبدو جلياً أن هناك حكومة خفية تدير المشهد من وراء الستار وتقتات على الفوضى وترفض أي تنظيم يحرمها من مكاسبها ..
ختمت “عصفورتنا الذكية” الحوار بتساؤلات مشروعة تفرض نفسها بقوة .. هل سيتم محاسبة المتورطين في هذا العبث البلطجي؟ أم أنه سيتم تكريمهم كما جرت العادة حيث يُمنح الفاسدون والكذابون شهادات التقدير لنجاحهم في تعذيب المواطن وإهانته؟ ومتى نرى توجهاً حقيقياً لإنشاء مجمعات تجارية تحتضن هؤلاء البسطاء في كافة المديريات؟ ومتى تتحول بلادنا من مصنع للمشردين والمتسولين والفاسدين والكذابين والمقربعين والبلاطجة إلى واحة تصنع مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة؟ أم أن الحكومة الخفية ستظل ممسكة بخيوط اللعبة وتبقى الفوضى هي المتحكمة في الموقف ؟ …
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر