الخميس , يونيو 25 2026
الرئيسية / اراء / هل يستطيع العدو الإسرائيلي الاعتماد على ذاته؟

هل يستطيع العدو الإسرائيلي الاعتماد على ذاته؟

العميد. محمد الحسيني*
مع تصاعد التباينات بين العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة بشأن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وما حملته من ترتيبات إقليمية جديدة، عاد إلى الواجهة بقوة نقاش قديم – جديد داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية يتعلق بمفهوم “الاعتماد على الذات”. ويُنظر إلى هذا النقاش باعتباره جزءاً من إعادة إحياء مقاربة استراتيجية ارتبطت تاريخياً بالمؤسس لهذا الكيان “ديفيد بن غوريون”، قبل أن يعيد “بنيامين نتنياهو” استحضارها وتقديمها بصياغة معاصرة أكثر حدة وارتباطاً بتحديات البيئة الدولية الراهنة.
لا يُنظر إلى الخلاف الحالي، بالنسبة لقطاع متزايد من الإسرائيلين، باعتباره مجرد تباين عابر في المصالح أو وجهات النظر، بل بوصفه مؤشراً إضافياً عن المخاطر الكامنة في الإفراط في الارتكاز على الدعم الخارجي، مهما بلغت متانة التحالفات الاستراتيجية.
في هذا السياق، استعاد “بنيامين نتنياهو” وأوساط اليمين الإسرائيلي إرث “ديفيد بن غوريون”، الذي شكّل مفهوم “الاعتماد على الذات” أحد المرتكزات الأساسية لفلسفته الأمنية. حيث أدرك أن بقاء إسرائيل واستمرارها لا يمكن أن يرتبطا بالكامل بإرادة القوى الكبرى أو بتقلبات البيئة الدولية. ومن هذا المنطلق، سعى خلال خمسينيات القرن الماضي إلى بناء ركائز قوة وطنية مستقلة، قوامها جيش قادر على خوض الحروب، وقاعدة صناعية وعسكرية محلية تؤمّن الحد الأدنى من الاحتياجات الدفاعية، وتحدّ من مخاطر الارتهان للقرار الدولي أو حظر توريد السلاح في أوقات الأزمات.
في تلك المرحلة، لم يكن الحديث عن استقلال استراتيجي كامل بقدر ما كان سعياً إلى امتلاك هامش أمان يسمح للدولة بمواجهة التحديات الوجودية التي كانت تحيط بها بحسب مفهومه. وقد انعكس هذا التوجه في الاستثمار المكثف في المؤسسات العسكرية والبحث العلمي والصناعات الدفاعية، باعتبارها أدوات ضرورية لضمان استمرارية المشروع الإسرائيلي في بيئة إقليمية معقدة.
وقد شهدت العقود اللاحقة تطوراً مختلفاً. فمع تعمق الشراكة الإسرائيلية – الأميركية، أصبح الكيان الإسرائيلي تدريجياً المستفيد الأكبر من المساعدات العسكرية الأميركية، وارتبطت أجزاء واسعة من منظومته الدفاعية والتكنولوجية بشبكات التمويل والتسليح والدعم الغربي. ولم تعد العلاقة مجرد تحالف سياسي تقليدي، بل تحولت إلى بنية اعتماد متبادل، تحتفظ فيها واشنطن بدور الحليف الضامن للتفوق العسكري الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تمتلك أدوات تأثير غير مباشرة عبر تزويد السلاح، وأنظمة التشغيل، وسلاسل الإمداد، وحتى المواقف السياسية في المحافل الدولية.
ويبرز هنا جوهر الإشكال الذي تعيد مذكرة التفاهم إظهاره بوضوح: فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تزال تعتمد في لحظات الحرب والتصعيد على تدفق الدعم الأميركي، سواء في الذخائر أو أنظمة الدفاع أو الغطاء السياسي. وهذا ما يثير داخل دوائر القرار تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت واشنطن، بحكم موقعها ومصالحها، تسمح أصلاً بتطور استقلال استراتيجي إسرائيلي كامل، أم أنها تدير تحالفاً مضبوط الإيقاع يبقي إسرائيل قوية ولكن ضمن حدود محسوبة داخل المنظومة الغربية الأوسع.
وبالتالي، لم يعد هذا السؤال نظرياً، بل بات يتغذى من تجارب عملية مرتبطة بإدارة الحروب، وتوقيت شحنات السلاح، وحدود الدعم في المحافل الدولية، وهو ما يعيد صياغة النقاش حول طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة: هل هي شراكة تمنح حرية قرار واسعة، أم علاقة قوة غير متكافئة تضع سقفاً غير معلن لحركة إسرائيل الاستراتيجية؟
حالياً، أعادت الخلافات المرتبطة بمذكرة التفاهم إحياء هذا النقاش من جديد. فداخل إسرائيل تتزايد الأصوات التي ترى أن قدرة أي حليف، مهما كان قريباً، على التأثير في القرار الإسرائيلي من خلال أدوات الدعم العسكري أو الاقتصادي تمثل نقطة ضعف استراتيجية ينبغي معالجتها. ومن هنا عاد الحديث عن توسيع قاعدة التصنيع العسكري المحلي، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في إنتاج الذخائر والأنظمة الدفاعية، وتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين في القطاعات الحساسة.
ولا يقتصر هذا التوجه على البعد العسكري فحسب، بل يعكس تحولاً أعمق في مفهوم السيادة. فالمقصود لم يعد مجرد امتلاك جيش قوي، بل امتلاك حرية القرار الاستراتيجي بعيداً عن الضغوط والاعتبارات الخارجية. وبذلك يصبح التصنيع العسكري المحلي جزءاً من مشروع سياسي أشمل يهدف إلى توسيع هامش المناورة الإسرائيلي في القضايا المصيرية، سواء تعلقت بالحرب أو الأمن أو الترتيبات الإقليمية.
وعليه، يمكن النظر إلى المرحلة الحالية بوصفها عودة معدّلة لأفكار بن غوريون في سياق مختلف تماماً، حيث أعاد بنيامين نتنياهو إبرازها ضمن خطابه السياسي والأمني. فإذا كان هاجس الخمسينيات يتمثل في حماية الدولة الناشئة من العزلة والضعف، فإن هاجس العقد الحالي يتمثل في الحد من التبعية التي نشأت بفعل عقود طويلة من الارتباط العميق بالولايات المتحدة. وبين المرحلتين يبقى الهدف الاستراتيجي واحداً: امتلاك أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في اتخاذ القرار وتأمين أدوات القوة، بما يسمح لإسرائيل بالتحرك وفق حساباتها الخاصة حتى عندما تتباين مع رغبات أقرب حلفائها.
ومن هنا، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بالسلاح أو التمويل أو طبيعة الخلافات مع واشنطن، بل يرتبط بسؤال أعمق يتصل بمستقبل المشروع الإسرائيلي نفسه: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل التحول من دولة تعتمد على شبكة تحالفات خارجية واسعة إلى دولة تمتلك مقومات “السيادة الاستراتيجية المكتفية ذاتياً” ضمن منظومة دولية لا تزال فيها الولايات المتحدة الفاعل الأكثر تأثيراً؟
في ضوء هذا المسار المتصاعد من النقاش داخل إسرائيل، تبدو معادلة “الاعتماد على الذات” أقرب إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، لا إلى خيار تكتيكي ظرفي. فالاتجاه نحو تعزيز التصنيع العسكري المحلي وتقليص مستويات الاعتماد على المظلة الأميركية لا يعكس قطيعة مع واشنطن بقدر ما يعكس إعادة صياغة لشروط العلاقة معها ضمن سقف أكثر توازناً من المنظور الإسرائيلي.
غير أن القراءة الاستشرافية لهذه التحولات تشير إلى أن هذا المسار سيصطدم بقيود بنيوية عميقة، أبرزها التشابك العضوي بين المنظومة العسكرية الإسرائيلية والبنية التكنولوجية والصناعية الأميركية، إضافة إلى تراكم الاعتماد المتبادل في مجالات التسليح، وسلاسل الإمداد، وأنظمة التشغيل المتقدمة. وبالتالي، فإن الانتقال نحو “استقلال استراتيجي كامل” يبقى محدوداً بسقف القدرة الفعلية وليس بنطاق الطموح السياسي.
في المقابل، يُرجّح أن تتبلور في المدى المتوسط صيغة هجينة من العلاقة: توسّع نسبي في الاكتفاء الذاتي داخل مجالات محددة، ولا سيما الذخائر والصناعات الدفاعية الحساسة، مقابل استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات التفوق النوعي، والأنظمة المتقدمة، والغطاء السياسي الدولي. وهو ما يعني عملياً إعادة هندسة العلاقة مع واشنطن، لا إعادة تعريفها جذرياً.
وعلى المدى الأبعد، قد يفضي هذا التحول إلى إعادة تعريف مفهوم القوة الإسرائيلية ذاته، بحيث لا يُقاس فقط بمستوى التفوق العسكري، بل بمدى القدرة على تقليص نقاط الارتهان الاستراتيجي في لحظات الحرب والأزمات. ومع ذلك، يبقى العامل الأميركي محدداً بنيوياً حاكماً في ضبط حدود هذا التحول، بما يجعل “الاستقلالية الإسرائيلية” أقرب إلى إدارة تدريجية للتبعية ضمن هامش مناورة محسوب، لا إلى خروج كامل من منظومة الاعتماد الخارجي.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

تأريخ التحول الكبير!

نجاح محمد علي* في لحظة فارقة من التأريخ المعاصر، اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة ومعها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *