الأحد , يونيو 28 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / هل يمكن انهاء حزب الله…؟

هل يمكن انهاء حزب الله…؟

إيڤاريتا جعفر*
في التحليل الاجتماعي السياسي للمفكر علي شريعتي، ثمة تفكيك عميق لكيفية تحول الأفكار والمظلوميات إلى ‘وعي اجتماعي’ يتجاوز الأفراد والمؤسسات. من هذا المنظور الفكري، يبدو التساؤل الراهن في الدوائر الدبلوماسية الدولية-‘هل يمكن إنهاء حزب الله؟’-
مقاربة قاصرة تسقط في فخ ‘الفجوة بين الخطاب والقدرة’. فالخطاب الدولي يتعامل مع الحزب كبنية عسكرية وتكتيكية يمكن تفكيكها بالصواريخ أو قطع الإمداد، في حين أن الواقعية السياسية تكشف أننا أمام ظاهرة تحولت على مدى عقود إلى عقيدة مجتمعية منغرسة في الوعي الجماعي لبيئتها.
أبعد من الوصول الى السلطة: حينما يتحول الحزب الى شبكة أمان إجتماعية ومعيشية
يُعرَّف الحزب السياسي، بأنه تنظيم مؤسسي يجمع أفراداً يؤمنون بمبادئ ورؤى مشتركة، ويهدف بشكل رئيسي إلى الوصول للسلطة أو المشاركة فيها. غير أن هذا التعريف القانوني المجرّد يتخذ أبعاداً أكثر تعقيداً في البيئات التي تعاني من هشاشة الاستقرار وغياب مؤسسات الدولة؛ حيث تتحول هذه التنظيمات، بدافع تمثيل مبادئها ودعم بيئتها، من مجرد أداة للتنافس السياسي إلى ركيزة ملاصقة للحياة اليومية والمعاشية للناس، وشبكة أمان تملأ الفراغ.
إن هذا الالتصاق الكامل بالحياة اليومية والإنسانية للناس لم يكن ترفاً سياسياً، بل كان نتيجة حتمية لتقصير الدولة المزمن وتراجع مؤسساتها عن القيام بدورها الأساسي في الرعاية والحماية. وفي بلد يعيش على خطوط التماس مع الأزمات والاعتداءات المستمرة، لم يتوقف هذا الملء للفراغ عند حدود تقديم الرغيف والمستشفى والمدرسة، بل تمدد طبيعياً ليشمل الحماية والأمن.
أبعد من الجغرافيا: العلاقة الوجدانية بين الحزب والشعب
لا يمكن مقاربة علاقة الناس بالحزب من زاوية مادية بحتة قائمة على تقديم الخدمات أو فرض القوة، بل إن الجذور الحقيقية لصلابة هذه الحاضنة تكمن في “الرابط الاجتماعي والوعي الفكري” الذي تشكّل عبر عقود، وتحول في وجدان بيئته من تنظيم سياسي إلى “هوية جامعة” ورواية تاريخية مشتركة عن الكرامة والبقاء.
ويتجلى هذا التعلق الوجداني بأبهى صوره المصداقية في الشواهد الحية من أرض الواقع؛ فعلى مرّ الحروب المتعاقبة التي شنها الكيان المحتل على لبنان، وبرغم سياسة التدمير الممنهج والتسوية بالأرض التي طالت القرى والمدن، كان المشهد المتكرر دائماً هو خروج أصحاب البيوت المهدمة من تحت الركام ليعلنوا بصلابة أن “هذا المنزل هو فداء للفكرة وللمقاومة”. إن هذا الخطاب الشعبي العفوي يثبت أن الحاضنة لا تلتف حول الحزب ككيان سياسي مصلحي، بل كعقيدة وجودية، حيث يصبح هدم الحجر عاجزاً عن تدمير الفكرة الكامنة في البشر. هنا تتجلى ذروة الفجوة الاستراتيجية؛ فالقوى الدولية تحارب هيكلاً وتكتيكاً وتدمر جغرافيا، بينما تواجه على أرض الواقع وعياً فكرياً ممتداً وثقافة جماعية ترى في التضحية صمام أمان لبقائها.
من رحم عجز السلطة: “الشرعية الطبيعية” كخيار وجودي للجماهير
وامتداداً لهذا الوعي الفكري وتلك العقيدة الوجودية، يبرز النقاش المستمر حول شرعية سلاح المقاومة كأحد أكثر الملفات جدلاً على الساحتين المحلية والدولية؛ حيث تصوّر القوى الخارجية وبعض الأطراف في الداخل هذا السلاح على أنه “خارج عن إطار الشرعية المؤسساتية”. إلا أن القراءة الموضوعية لفهوم الشرعية تكشف أن المقاومة لا تستمد مشروعية وجودها وسلاحها من النصوص القانونية الجافة والاعترافات الدولية الفوقية فحسب، بل إن لها ركيزتين أساسيتين؛ الأولى هي الشرعية الشعبية والطبيعية القائمة على الحق الإنساني البديهي في الدفاع عن النفس والأرض في وجه الاحتلال والعدوان المستمر، وهي شرعية تسبق القوانين الوضعية وتسمو عليها. أمّا الركيزة الثانية والأكثر واقعية، فتنبع من عجز السلطة ومؤسسات الدولة الرسمية عن القيام بوظيفتها السيادية الأولى، وهي حماية مواطنيها وأراضيها من الانتهاكات والتهديدات الوجودية للكيان المحتل. بناءً على ذلك، فإن شرعية السلاح هنا ليست ترفاً سياسياً، بل هي نتاج “حالة الضرورة القصوى” وملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه عجز الدولة؛ وحيثما تعجز السلطة عن بسط أمنها وحماية شعبها، تصبح المقاومة خياراً واجباً وشرعياً تستمد قوتها من التفاف الناس حولها كدرع حامٍ بديل، ليتكامل هذا الوجود الرديف مع صمود الأرض والبيئة الحاضنة.
أبعد من الحسابات العسكرية: حرب المصطلحات و المناشير والمسيرات في مواجهة الترابط الروحي
ولربما فهم الكيان المحتل هذه المعادلة مبكراً؛ تلك المعادلة القائمة على استحالة كسر الإرادة الميدانية للمقاومة، مما دفعه إلى نقل ثقل المعركة إلى جبهة “الوعي والأنفس” عبر حرب نفسية ممنهجة برزت بوضوح في حربي عام 2024 وعام 2026، حيث استهدف بشكل مباشر “العمق الاستراتيجي” للمقاومة المتمثل في بيئتها الحاضنة الصلبة بالجنوب اللبناني، محاولاً شرخ هذا الترابط العضوي عبر عدة أساليب تشكل الدليل شبه القاطع على إفلاسه الميداني؛ أولهما المصطلحات المستخدمة في الخطاب السياسي الرسمي الذي يلقيه رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو عندما يقول نحن نستهدف الحزب وليس اللبنانيين ، وهو ذات الخطاب الذي يعتمده المتحدث باسم الجيش حتى في منشوارته وتحذيراته على مواقع التواصل الاجتماعي لاسيما الإنذارات بالإخلاء والتي يؤكد فيها أن الاستهداف حصراً لحزب الله بينما الواقع يثبت العكس ، وكذلك سياسة إلقاء المناشير الورقية بكثافة من الطائرات، والتي تحولت من أداة تحذيرية إلى سلاح تحريضي مكشوف يحاول تحميل المقاومة مسؤولية الدمار وتصويرها كعبء على الأهالي وليس كدرع حامٍ لهم، مترافقاً مع بث الوعيد لدفع المدنيين نحو النزوح وتفريغ الأرض جغرافياً ونفسياً، وهي محاولات تصطدم دائماً بحقيقة أن أهل “الجنوب والبقاع والضاحية” هم أساس المقاومة وخزانها البشري، وثانيهما هو الاعتماد على بث الرسائل الصوتية عبر الطائرات المسيّرة التي تجوب البلدات لتخترق بيوت وحقول المواطنين بملاحقة نفسية مستمرة، مستخدمةً عبارات ومصطلحات تحريضية وتعبيرات تدعي “التحرير” والحرص على سلامة الأهالي، في محاولة خبيثة لقلب الحقائق وسرقة أدبيات المقاومة لإعادة توجيهها ضدها، وحث الناس بنبرة آمرة على عدم التعاون معها، وهو ما يعكس جهل المحتل بطبيعة الترابط الروحي والاجتماعي الجنوبي، ليؤكد في النهاية أن لجوء العدو إلى الكلمة المسمومة والمصطلح المزيّف ما هو إلا اعتراف بعجز دباباته وطائراته، وأن هذا العمق الشعبي المعجون بعقود من الصمود سيبقى عصياً على الاختراق، لتتحول كل مناشيره ورسائله إلى مجرد وثائق تثبت إحباطه وهزيمته النفسية.
استحالة الحل بالنيران : عجز لغة الحروب أمام مدافع الأفكار المتجذرة
أمام هذه الحقيقة المركبة، تتضح المعضلة الإستراتيجية التي تواجه صُناع القرار في العواصم الكبرى، وتظهر “الفجوة بين الخطاب والقدرة” في أوضح صورها. فالخطاب الدولي يفرط في استخدام وعود “الحسم، والإنهاء، والاجتثاث”، وهي لغة مستعارة من الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية، لكن القدرة الفعلية على الأرض تصطدم بمعادلة يستحيل حلها بالنيران: كيف يمكن إنهاء تنظيم لا يحده معسكر، بل يمتد كشريان في جسد مجتمع كامل؟
إن أي استراتيجية تقارب هذا الملف بلغة الحسابات العسكرية الجافة—مثل تدمير المقرات أو اغتيال الكوادر—تظل عاجزة عن إدراك أن قوة الحزب أصبحت تُنتج محلياً واجتماعياً، ولم تعد مجرد إمدادات خارجية يمكن تجفيفها بقرار. وبالتالي، فإن الفجوة تزداد اتساعاً كلما استمر القفز فوق الواقعية السياسية؛ فالأفكار المتجذرة في وجدان الشعوب لا تموت بإنهاء هياكلها التنظيمية، بل غالباً ما تمنحها الحروب والضغوط أسباباً جديدة للبقاء والتمدد.
حتمية “الوعي الاجتماعي”: فلسفة شريعتي في مواجهة وهم الإنهاء
نصل في الختام إلى جوهر فلسفة علي شريعتي؛ حيث يكمن الرد الحاسم على تساؤل الدوائر الدبلوماسية حول إمكانية “الإنهاء”. إن المحاولة الدولية لتفكيك الظاهرة بأدوات عسكرية أو بقرارات فوقية تعكس عجزاً عن إدراك كيف تتحول الأفكار والمظلوميات التاريخية إلى “وعي اجتماعي” عابر للأفراد والمؤسسات.
وفي نهاية المطاف، تصطدم الحسابات المادية الجافة بالواقعية السياسية التي تثبت أن الحروب والضغوط لا تميت العقيدة المنغرسة في الوجدان الجماعي لبيئتها، بل إن فلسفة شريعتي تؤكد أن هذا الوعي المشترك، المعجون بالكرامة وحق البقاء، يمتد كشريان حيوي في جسد المجتمع، مما يجعل محاولات اقتلاعه مستحيلة، بل تمنحه دائماً أسباباً متجددة للتجذر والاستمرار.
*كاتبة لبنانية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

العرب وكرة القدم.. هل تكفي المشاركة؟

محمد قائد العزيزي* أسدل الستار على الدور التمهيدي لبطولة كأس العالم 2026م” أمريكا وكندا والمكسيك” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *