نجاح محمد علي*
تدرس وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) حالياً إعادة تموضع قواتها ونقل مقرات حيوية مثل “الأسطول الخامس” إلى داخل الكيان الصهيوني. يأتي هذا التوجه بعد تعرض المنشآت الأمريكية في دول مجلس التعاون(لا سيما قاعدة الدعم البحرية في البحرين) لأضرار بالغة جراء الضربات الصاروخية الإيرانية ضمن سياق المواجهات الأخيرة.
وفي هذل الواقع يُظهر إعادة انتشار الأسطول الأمريكي في المنطقة أن الكيان الصهيوني وأمريكا يسعيان إلى استنساخ تجربة الشرخ الذي أحدثته إيران في العلاقة بين الكيان الصهيوني وأمريكا، وصنع مثيل له بين إيران وسلطنة عُمان. من الأراضي العمانية قد ينطلق شيء مريب نحو إيران، في محاولة لعزل طهران وتضييق الخناق عليها. غير أن المؤكد أن الكيان الصهيوني بات يتعقب السلوك الإيراني وينسخه، وليس العكس؛ من لبنان إلى عمان. إن محاولة الالتفاف على الهزيمة الاستراتيجية التي مني بها الكيان الصهيوني وأمريكا في الجولة الأخيرة ستنتهي بنتائج كارثية على الطرفين، لأن المنطقة لم تعد تقبل المزيد من المغامرات العسكرية المكشوفة.
قبل شهرين تقريباً، اقتنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الضربات الجوية لم تحقق أي نصر حقيقي، وأن الحل الوحيد يكمن في الغزو البري. لذلك أبلغ قيادة الحرب بضرورة العمل على الغزو البري بأسرع وقت ممكن. جاء الرد من القيادة العامة في وزارة الدفاع موافقاً على الطلب، لكنه حمل معه قائمة طويلة من الشروط والمتطلبات التي تكشف حجم التعقيد والمخاطر.
أول هذه الشروط يتعلق بالطقس: الجو في الشرق الأوسط حار جداً، ودرجة الحرارة تبلغ خمسين درجة مئوية، مما يجعل العمليات البرية مستحيلة في مثل هذه البيئة. لذلك حددت القيادة أن أفضل توقيت للعملية هو فصل الشتاء.
ثانياً، هناك نقص حاد في الإمدادات والقوات. مثل هذه العملية تحتاج إلى نصف مليون جندي في المنطقة، بينما لا يتجاوز عدد القوات الأمريكية الحالية ثلاثين ألف جندي فقط. وهذا يعني ضرورة نقل مئات الآلاف من الجنود والمعدات قبل بدء أي عملية.
ثالثاً، طلبت القيادة مهلة لا تقل عن ستة أشهر للاستعداد لهذه العملية الكبيرة.
رابعاً، يجب إعادة بناء الرادارات الأمريكية التي ضربتها إيران في الجولة السابقة، وهي عملية تكلف مليارات الدولارات. خامساً، بناء قواعد جديدة أو إصلاح القواعد المهدمة في الشرق الأوسط. سادساً، دخول القوات البحرية الأمريكية إلى منطقة الخليج الفارسي بشكل دائم لتأمين العملية. هذه المعطيات مجتمعة تجعل الأشهر القادمة مرعبة ومخيفة جداً، وتؤكد أن الهدنة الحالية ليست سوى وقف مؤقت لإطلاق النار يُستغل لإعادة التموضع والاستعداد.
إن احتمال عودة المواجهة العسكرية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة يبقى مرتفعاً، استناداً إلى مؤشرات سياسية وعسكرية واقتصادية واضحة، وليس لأن أسباب الصراع قد زالت أو جرى التوصل إلى تسوية حقيقية. الهدنة الحالية أقرب إلى وقف مؤقت لإطلاق النار منها إلى اتفاق سياسي شامل (تشبه موافقة العراق وايران على القرار الدولي 598 الذي أوقف الحرب ولم يتحول إلى اتفاقية سلام ويمكن تكرار تلك الحرب بسهولة).
القضايا الجوهرية التي فجّرت الأزمة ما زالت قائمة، ولم تظهر حتى الآن مؤشرات على وجود تفاهم استراتيجي دائم بين الأطراف. استمرار الحرب على لبنان ، الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي، ودعم حركات المقاومة، كلها ما زالت تشكل جذوراً عميقة للصراع لم يُمسّ بها بعد.
قد يكون لترامب مصلحة في تأجيل أي تصعيد واسع خلال الفترة الحالية، خاصة في ظل استضافة الولايات المتحدة فعاليات عالمية كبرى. أي حرب إقليمية واسعة قد تؤثر سلباً في الاقتصاد والاستثمارات وحركة السفر، فضلاً عن الصورة العامة للإدارة الأمريكية أمام الرأي العام الداخلي والدولي. في الوقت نفسه، تمنح الهدنة الأسواق العالمية فرصة لالتقاط الأنفاس بعد موجات الاضطراب التي شهدتها أسواق الطاقة والنقل والتأمين. استمرار الحرب كان سيؤدي إلى خسائر اقتصادية أوسع على المستوى الدولي، وهو أمر لا ترغب فيه واشنطن في هذه المرحلة الحساسة.
يواجه ترامب تحديات سياسية داخلية، خصوصاً مع تراجع شعبيته في بعض الاستحقاقات الانتخابية. هذا الواقع قد يدفعه إلى محاولة إعادة رسم المشهد السياسي بما يخدم موقعه، سواء عبر تحقيق اختراق دبلوماسي محدود أو من خلال العودة إلى سياسة التصعيد إذا رأى أنها تحقق مكاسب داخلية سريعة. في المقابل، لا يمكن تجاهل تأثير جماعات الضغط المؤيدة للكيان الصهيوني في واشنطن، والتي تمارس نفوذاً كبيراً على القرار الأمريكي. هذه الجماعات قد تدفع باتجاه استمرار سياسة الضغط على إيران وعدم الاكتفاء بالهدنة الحالية، خاصة أن الكيان الصهيوني يسعى الآن إلى نسخ التكتيكات الإيرانية في خلق شرخ بين إيران و سلطنة عُمان، كما فعلت إيران سابقاً في العلاقة بين الكيان الصهيوني وأمريكا.
ما زالت قضية جيفري إبستين تلقي بظلالها على المشهد السياسي الأمريكي. يعتقد بعض المراقبين أن تصاعد الأزمات الخارجية قد يسهم في تحويل اهتمام الرأي العام بعيداً عن الملفات الداخلية المثيرة للجدل. وإن كان ذلك يبقى ضمن دائرة التحليل السياسي، إلا أنه يشكل عاملاً إضافياً يدفع باتجاه التصعيد في توقيت محسوب. من المتوقع أن تستغل الولايات المتحدة فترة الهدوء لإعادة تقييم وضعها العسكري في المنطقة، وإصلاح أو تعزيز منظومات الإنذار والدفاع والرادارات والقواعد العسكرية التي تعرضت لأضرار أو كشفت الحرب الأخيرة عن نقاط ضعف فيها. هذا بالضبط ما تؤكده الشروط التي وضعتها القيادة العسكرية: إعادة بناء الرادارات المدمرة، وبناء أو إصلاح القواعد، وإدخال الأسطول إلى الخليج الفارسي بشكل دائم.
تتداول بعض الأوساط السياسية والعسكرية تقديرات تتحدث عن احتمال التحضير لخيارات عسكرية أوسع في المستقبل إذا فشلت الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.
الحديث عن اغتيالات تطال القيادة العليا و غزو بري لإيران لم يعد مجرد تكهنات، بل أصبح خطة عملية تحمل شروطاً محددة وجدولاً زمنياً واضحاً يبدأ بالشتاء القادم. ومع ذلك، يصعب تجاهل البعد المعنوي والسياسي للحرب الأخيرة في التأريخ الحديث للمنطقة. كثيرون يرون أن واشنطن لم تحقق جميع أهدافها، وأن صورة الردع الأمريكية تعرضت لاختبار حقيقي. هذا الواقع قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن صيغة تعيد ترميم هيبتها، سواء عبر اتفاق يفرض شروطاً جديدة أو عبر جولة تصعيد أخرى إذا تعثرت المفاوضات.
إن محاولة الكيان الصهيوني نسخ السلوك الإيراني من لبنان إلى عمان، واستخدام الأراضي العمانية كمنصة لعمليات مريبة ضد إيران، لن تؤدي إلا إلى تعميق الشرخ داخل المعسكر المعادي لإيران، وستدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع. الالتفاف على الهزيمة الاستراتيجية عبر الغزو البري المؤجل إلى الشتاء، وإعادة بناء القدرات خلال الأشهر الستة القادمة، يحمل في طياته بذور كارثة أكبر. التأريخ يثبت أن الحروب التي تبدأ بخطط طموحة وتنتهي بحسابات خاطئة للكلفة البشرية والسياسية والاقتصادية، غالباً ما تنقلب على أصحابها.
بناءً على هذه المعطيات مجتمعة، فإن الهدنة الحالية قد تكون مرحلة لإعادة التموضع وإعادة بناء القدرات أكثر من كونها نهاية للصراع. احتمال عودة المواجهة العسكرية يبقى قائماً بقوة، ما لم ينجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق يعالج جذور الأزمة. وحتى الآن، لا تبدو مؤشرات هذا الاتفاق متوافرة. الأشهر القادمة ستكون حاسمة، والأسطول الأمريكي المنتشر إشارة واضحة إلى أن التحضير للغزو البري قد بدأ فعلياً، وأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوتر قد تكون الأخطر في التأريخ المعاصر بعد تسريبات تؤكد أن الهدنة الحالية ليست إلا “خدعة ثالثة ” ، وليس أمام إيران إلا أن تعلن الخيار الكوري الشمالي ولو بلغ مابلغ !.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والإيرانية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر