الأحد , يوليو 5 2026
الرئيسية / اراء / ازدواجية الولاءات في لبنان!

ازدواجية الولاءات في لبنان!

كريستينا شطح*
يكشف المشهد اللبناني اليوم واحدة من أكثر المفارقات السياسية دلالة في تاريخ الدولة اللبنانية. فالعلاقة بالخارج لا تُقاس بمعيار وطني ثابت، بل تخضع لميزان الطائفة والاصطفاف السياسي. وهكذا، يصبح الفعل نفسه مشروعًا إذا صدر عن فريق، وخيانة إذا صدر عن آخر، لتغدو الوطنية مفهومًا متحركًا يتبدل بتبدل الهوية الطائفية لا بثبات المبادئ.
في طرابلس، حظي وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني باستقبال شعبي لافت، تخللته حشود وهتافات ولافتات ترحيب، في مشهد حمل رسائل سياسية واضحة تعكس وجود شريحة من اللبنانيين ترى في العلاقة مع دمشق خيارًا سياسيًا مشروعًا، ولا تجد حرجًا في التعبير عنه علنًا.
وفي المقابل، نشرت القناة 14 الإسرائيلية تقريرًا زعمت فيه أن قادة من المجتمع المسيحي في جنوب لبنان طلبوا من الجيش الإسرائيلي ضم قراهم إلى إسرائيل ومنح سكانها الجنسية الإسرائيلية، وأن الجيش الإسرائيلي رفض الطلب لأسباب سياسية وقانونية، مع تعهده بمواصلة توفير الحماية لهم. وحتى الآن، لم يصدر أي تأكيد لبناني مستقل لهذه الرواية، ولم تُعرف أسماء الأشخاص أو القرى المعنية، ما يفرض التعامل معها بوصفها ادعاءً صادرًا عن وسيلة إعلام إسرائيلية، لا حقيقة مثبتة.
لكن، حتى مع هذا التحفظ، فإن القضية الأهم لا تكمن في صحة الرواية من عدمها، بل في الطريقة التي يتعامل بها الخطاب السياسي اللبناني مع أشكال الارتباط المختلفة بالخارج.
فإذا كان استقبال مسؤول سوري بحفاوة يُعد، في نظر مؤيديه، تعبيرًا طبيعيًا عن خيار سياسي، وإذا كان الحديث عن طلب الحماية أو حتى الضم إلى إسرائيل ــ إن صحت الرواية الإسرائيلية ــ يُناقش بوصفه انعكاسًا لهواجس أمنية يعيشها بعض سكان الشريط الحدودي، فلماذا يُختزل أي تواصل بين فريق من الشيعة وإيران تلقائيًا في توصيفات من قبيل «الولاء للخارج» أو «انتفاء الانتماء الوطني»؟
إن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود علاقات سياسية أو ثقافية أو أمنية مع قوى خارجية، فهذه الظاهرة ليست حكرًا على طائفة دون أخرى، بل رافقت مختلف المكونات اللبنانية عبر تاريخها الحديث. المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية المعايير؛ فما يُقدَّم باعتباره حقًا سياسيًا أو خيارًا سياديًا لفريق، يتحول إلى تهمة جاهزة عندما يصدر عن فريق آخر، وما يُفسَّر على أنه استجابة لهواجس وجودية لدى جماعة، يُصنَّف لدى جماعة أخرى خيانة للوطن.
ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: إذا صحّت الرواية الإسرائيلية عن وجود مطالبات بالحماية أو الضم، فهل أخذت الدولة اللبنانية هذه الهواجس في الاعتبار عند التفاوض على الترتيبات الأمنية في الجنوب؟ وهل انعكست بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ما يُعرف باتفاقية الإطار أو في التفاهمات الأمنية اللاحقة؟ إن مجرد طرح هذه الأسئلة لا يعني تبني الرواية الإسرائيلية، بل التأكيد أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُواجه بالإنكار، بل بالشفافية والإجابة الواضحة.
إن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على معايير متناقضة. فلا يجوز مطالبة فئة بقطع كل امتداداتها الإقليمية، بينما تُمنح فئات أخرى حق الاحتفاظ بامتداداتها وتحالفاتها تحت عناوين الأمن أو التاريخ أو الخصوصية. كما لا يمكن بناء هوية وطنية جامعة إذا بقي تعريف الوطنية نفسه يتغير تبعًا للطائفة التي يُراد الحكم عليها.
لقد أثبت تاريخ لبنان أن معظم طوائفه، في مراحل مختلفة، أقامت رهانات وعلاقات مع قوى عربية وإقليمية ودولية، وأن الاستقواء بالخارج لم يكن يومًا حكرًا على فريق واحد. لذلك، فإن الطريق إلى دولة مستقرة لا يبدأ بتخوين فئة وتبرئة أخرى، بل بإقامة معيار وطني واحد يَسري على الجميع بلا استثناء.
فالوطنية لا تُقاس باسم الدولة التي يرتبط بها هذا الفريق أو ذاك، بل بوجود معيار واحد يُحاسَب الجميع على أساسه. أما حين يصبح الخارج المقبول يختلف باختلاف الطائفة، فإن المشكلة لا تكون في الولاءات الخارجية، بل في غياب الدولة نفسها.
*كاتبة لبنانية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

قبل فوات الأوان..على السعودية أن تكترث لليمن كدولة وازنة في المنطقة!

محمد علي اللوزي* تبدو المنطقة اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، تتطلب من صناع القرار في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *