الإثنين , يوليو 6 2026
الرئيسية / اراء / الجدل حول صحة رواية ترامب بشأن الحرب على إيران!

الجدل حول صحة رواية ترامب بشأن الحرب على إيران!

د. هناء سعادة*
منذ اللحظات الأولى لتصاعد الحرب على إيران، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه لا يكتفي بإدارة العمليات العسكرية، بل يسعى إلى إدارة الوعي أيضاً؛ إلى فرض رواية مكتملة عن “انتصار حاسم” قبل أن تستقر الوقائع على الأرض. فقد أعلن، في خطاب متلفز عقب الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، أن تلك المنشآت “دُمّرت بالكامل” و“سُوِّيت بالأرض تقريباً”، في لغة قاطعة لا تحتمل الشك أو التدرج. لكن هذه اللغة سرعان ما اصطدمت بتقارير استخباراتية وتسريبات مهنية وصحفية أشارت إلى أن الضرر، وإن كان كبيراً، لم يرقَ إلى مستوى التدمير الذي صوّره البيت الأبيض.
وهنا تبدأ أولى سقطات الخطاب الترامبي في هذه الحرب: المبالغة التي تُقدَّم بوصفها حقيقة ناجزة. فبحسب تقرير Reuters في يونيو 2025، قال ترامب إن المنشآت النووية الإيرانية “دُمِّرت بالكامل”، بينما أفادت تقييمات أولية داخل المؤسسة الأمريكية، نُقلت آنذاك، بأن الضربة لم تُنهِ البرنامج النووي الإيراني، بل أرجعته فقط بضعة أشهر. ثم جاء تقرير Reuters في يوليو 2025 ليذهب أبعد من ذلك، ناقلاً عن تقييم أمريكي جديد أن الضربات “دمّرت” موقعاً واحداً من ثلاثة مواقع مستهدفة أساساً، فيما لم تتعرض المواقع الأخرى للضرر الذي صُوِّر في الرواية الرسمية. وهكذا تحولت لغة النصر المطلق إلى مادة قابلة للمراجعة، ثم إلى موضع تشكيك واسع.
لكن المشكلة لم تكن في توصيف الضربة وحدها، بل في نمط متكرر من الخطاب السياسي القائم على رفع السقف ثم التراجع الصامت عنه. ففي بداية الحرب، روّج ترامب أيضاً لأرقام ضخمة تتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، قائلاً في أواخر مارس إن صواريخ إيران “تعرّضت للتدمير شبه الكامل” وإن 90% من الصواريخ وقاذفاتها قد جرى تحييدها. ثم عاد في منتصف مايو ليخفض النسبة إلى 82%، في تحول يشي بأن التقديرات التي قُدمت للرأي العام لم تكن مستقرة، أو أن اللغة السياسية كانت تُستخدم بطريقة انتقائية لتضخيم أثر الحرب وإيهام الداخل الأمريكي والإسرائيلي بأن الحسم بات وشيكاً ومضموناً.
وتزداد الصورة ارتباكاً حين ننتقل من الحديث عن الأهداف العسكرية إلى الحديث عن الأهداف السياسية. فبعد الضربات، لم يتردد ترامب في رفع شعار “تغيير النظام” على نحو موارب، قائلاً إن استخدام هذا التعبير “ليس سياسياً” ثم مضيفاً، على منصة التواصل الخاصة به، عبارة تشير بوضوح إلى احتمال سقوط النظام إذا لم “تُجعل إيران عظيمة من جديد”. يكشف هذا الانتقال السريع من تبرير الضربة على أنها عملية محدودة إلى فتح الباب أمام تغيير النظام أن الرواية لم تكن محكومة بمنطق عسكري ثابت، بل بمنطق دعائي مرن يبدل معناه كلما تبدلت الحاجة السياسية.
ثم جاءت عقدة أكثر حساسية: ملف التفتيش النووي. ففي 23 يونيو 2026، قال ترامب إن إيران وافقت “بشكل كامل” على السماح للمفتشين الدوليين بالدخول غير المحدود إلى مواقعها النووية المتضررة، واصفاً الأمر بأنه امتثال مفتوح “إلى المستقبل البعيد”. غير أن Reuters نقلت في اليوم نفسه أن إيران نفت ذلك، وقالت إنها لم توافق على إعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإنها لم تناقش برنامجها النووي بالطريقة التي عرضها ترامب. هنا لا يعود الخلل مجرد تضخيم بل يتحول إلى تناقض مباشر بين ما يعلنه الرئيس الأمريكي وما تعلنه الدولة التي يخاطبها، وهو تناقض يضع مصداقية الخطاب الرسمي الأمريكي على المحك.
والأهم من كل ذلك أن هذه السلسلة من التصريحات لم تبق في مستوى السجال الإعلامي، بل انعكست على المشهد السياسي الأمريكي نفسه. فقد أفادت AP بأن مجلس الشيوخ صوّت لاحقاً على قرار يقيّد الحرب ضد إيران، في أول إشارة مؤسسية واضحة إلى أن جزءاً من المؤسسة التشريعية بات يرى أن الإدارة تتحرك في حربها على نحو منفرد ومثير للقلق، وأن الرواية المنتصرة التي سُوِّقت للرأي العام لا تكفي لتبديد التساؤلات حول الأثمان والنتائج. وحتى عندما واصلت الإدارة التأكيد على أن الضربات “نسفت” القدرات النووية الإيرانية، ظلت التقارير الاستخباراتية والتقديرات الفنية تتحدث بلغة أكثر تحفظاً وأقل دعائية.
ولم يتوقف الجدل عند التقييمات الأمريكية التي نقلتها وسائل إعلام دولية، بل عاد إلى الواجهة مع التحقيق الاستقصائي الذي نشره الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان، والذي أعاد طرح السؤال نفسه من داخل إسرائيل. فبينما واصل ترامب التأكيد، في أحدث تصريحاته، أن الضربات الأمريكية “قضت بالكامل” على البرنامج النووي الإيراني، وأن المشروع النووي أصبح من الماضي، جاء التحقيق ليقدم رواية مغايرة، مستنداً – بحسب ما أورده – إلى شهادات ومصادر من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وخلص التحقيق إلى أن بعض التقييمات المهنية لم تكن تتطابق مع اللغة القطعية التي استخدمها ترامب ونتنياهو، وأن الحديث عن “التدمير الكامل” لم يكن محل إجماع داخل الدوائر الاستخباراتية والفنية، التي ميّزت بين إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية وبين الجزم بانتهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية.
من هنا، تبدو “سقطات” ترامب في هذه الحرب أعمق من مجرد هفوات في التقدير؛ إنها تكشف منطقاً سياسياً يقوم على تحويل الحرب إلى مسرح للرواية قبل أن تكون اختباراً للنتائج. فالرئيس الذي أعلن “التدمير الكامل” لم يثبت، وفق ما أوردته Reuters وAP، أن برنامجه الخطابي كان أكثر صلابة من البرنامج الذي استهدفه. بل على العكس، أظهرت الوقائع المنشورة أن الفجوة بين الإعلان والنتيجة كانت تتسع كلما تقدمت الحرب، وأن اللغة التي أراد بها البيت الأبيض فرض صورة الحسم صارت نفسها موضع مساءلة.
وعليه، فإن أخطر ما في خطاب ترامب خلال الحرب لا يتمثل فقط في المبالغة، بل في تحويل المبالغة إلى بديل عن الحقيقة. فحين تصبح الأرقام قابلة للتعديل، والنتائج قابلة للتضخيم، والوعود السياسية قابلة للانقلاب من “لا نريد تغيير النظام” إلى “لماذا لا يحدث التغيير؟”، فإن ما يتضرر ليس فقط صدقية الرئيس، بل أيضاً ثقة الجمهور في الرواية الرسمية الأمريكية كلها. وفي الحروب الكبرى، قد يربح السياسي جولة إعلامية، لكنه إن بنى انتصاره على رواية متغيرة ومضخمة، فإنه يراكم في المقابل هزيمة أبطأ لكنها أكثر كلفة: هزيمة المصداقية.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

السعودية تحت ضغط المتغيرات اليمنية!

نجاح محمد علي* شكّل هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء الدولي، يوم الجمعة الماضي، حدثاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *