نجاح محمد علي*
أفرزت الحرب الصهيو أميركية على ايران تطورات صادمة جيوسياسية في الشرق الأوسط، يتحول فيها حلم اقتصادي براق إلى كابوس استراتيجي. الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي أُعلن عنه عام 2023 كجسر تجاري يربط قارات بأكملها، أصبح سلاحاً خفياً في لعبة نارية خطيرة.
اليوم، وسط أنفاس هذه الحرب المتقدة مع إيران، يشهد هذا الممر تحولاً تأريخياً مرعباً. ما كان يُقصد به توفير طرق تجارية أسرع وأرخص، تحول إلى أداة محتملة لإعادة إشعال الصراع، حيث يُعاد ترتيب الأوراق بين الرياض وواشنطن وطهران في سباق محموم نحو الهاوية.
السعودية، التي تورطت في خضم هذه الديناميكيات بعد ضربات إيرانية سابقة على أراضيها خلال مراحل الحرب، تجد نفسها اليوم في موقع إعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجية. لكن هذا الترتيب، كما يبدو، أقرب إلى مناورة تكتيكية منه إلى تغيير جذري، وقد لا يخدم مصالحها طويلة الأمد.
السياق التأريخي واضح. بعد إعلان IMEC، جاءت حرب غزة لتجمد الجزء الحساس من الممر الشمالي الذي كان يمر عبر الأردن نحو ميناء حيفا في الكيان الصهيوني. ثم اندلعت حرب العام الجاري مع إيران، التي بدأت بضربات أمريكية-صهيونية في 28 فبراير شباط، وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز جزئياً أو تعطيله من قبل طهران. أسفر ذلك عن خسائر هائلة للتجارة العالمية، بلغت عشرات المليارات، وأجبرت دول الخليج الفارسي على البحث عن بدائل عاجلة. السعودية، التي تعرضت لضربات إيرانية انتقامية في مراحل سابقة، استخدمت خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزة هرمز. لكن هذا البديل نفسه يظل عرضة للخطر بسبب التهديدات في باب المندب.
هنا يأتي الدور المحوري للممر البديل الذي تروج له الرياض: الطريق عبر سوريا. بدلاً من الاعتماد على المسار التقليدي الذي يمر بأراضي الكيان الصهيوني، تدرس السعودية توجيه خطوط السكك الحديدية والكابلات الرقمية عبر الأردن إلى سوريا، ثم إلى تركيا وموانئ البحر المتوسط. هذا التوجه، الذي أكدته تقارير حديثة، يهدف إلى إنشاء جسر بري يربط الخليج بأوروبا دون المرور بأراضي الكيان الصهيوني، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً بديلاً لا يخضع لسيطرة إيران على مضيق هرمز.
السؤال الجوهري: هل هذا مجرد إعادة ترتيب أوراق اقتصادية، أم أنه يخدم هدفاً أبعد يتمثل في مساعدة الولايات المتحدة على إعادة إشعال الحرب مع إيران(كما هو الحال مع أنبوب البصرة-العقبة، وطريق التنمية)؟ الوقايع تشير إلى الاحتمال الثاني بقوة.
إيران حددت شروطاً صارمة على مرور السفن في هرمز بعد وقف إطلاق النار في يونيو حزيران الماضي ، مهددة بإغلاق المضيق أو فرض رسوم أو مسارات محددة. أي بديل بري أو بحري يتجاوز هرمز يقلل من قدرة طهران على استخدام هذا “السلاح الاقتصادي” كورقة ضغط. بتوفير ممرات بديلة عبر سوريا أو مصر أو عُمان، تساهم السعودية – ربما عن غير قصد أو بحسابات معقدة – في تقليل التكلفة الاقتصادية لأي تصعيد أمريكي جديد ضد إيران. هذا يمنح واشنطن ذريعة إضافية: “نحن لا نعطل التجارة العالمية كلياً، لدينا بدائل”.
في عالم السياسة الدولية، مثل هذه البدائل غالباً ما تُستخدم كغطاء لتبرير العمل العسكري، خاصة إذا كانت الضربات موجهة ضد بنى تحتية، ومنشآت إيرانية نووية أو عسكرية.
لكن هذه اللعبة ليست خالية من المخاطر الجسيمة. صنعاء،، أعلنت بوضوح أنها ستدخل الحرب مباشرة إذا أُعيد إشعالها. وحددت شروطاً صارمة: إذا لم ترفع السعودية الحصار أو القيود المفروضة على مطار صنعاء و الموانئ والمناطق الخاضعة لسيطرتها، فإنها ستغلق باب المندب، وستستهدف الموانئ السعودية، والبنى التحتية، والمنشآت النفطية. هذا التهديد ليس نظرياً. سبق لصنعاء أن أغلقت باب المندب فعلياً في فترات سابقة (2023-2025)، مما أدى إلى اضطرابات كبيرة في الشحن العالمي. إغلاق متزامن لهرمز وباب المندب سيشل نحو 20-25% من إمدادات النفط العالمية، وسيضرب الاقتصاد السعودي في مقتل، خاصة أن ينبع – الذي يعتمد عليه كبديل لهرمز – سيكون أول المتضررين.
السعودية، التي تسعى منذ سنوات إلى تنفيذ رؤية 2030 وتحويل نفسها إلى مركز لوجستي عالمي، تجد نفسها اليوم في مأزق تأريخي. إعادة ترتيب أوراقها عبر الممر السوري أو تعزيز خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر تبدو خطوة ذكية على المدى القريب لتقليل الاعتماد على هرمز وتجنب الارتباط العلني بالكيان الصهيوني. لكنها في جوهرها ليست تغييراً جذرياً في المسار الاستراتيجي. السعودية لا تزال مرتبطة بشبكة تحالفات دولية معقدة، وأي تصعيد جديد مع إيران سيعرض منشآتها النفطية وموانئها واستثماراتها الضخمة في الشمال الغربي (مثل نيوم) لخطر مباشر. الضربات الإيرانية السابقة أثبتت أن طهران قادرة على الوصول إلى العمق السعودي، وصنعاء أثبتت قدرتها على تعطيل البدائل البحرية.
علاوة على ذلك، فإن دفع الممر عبر سوريا – رغم أنه يبدو محاولة لتعزيز النفوذ السعودي في دمشق الجديدة – يحمل مخاطر أمنية كبيرة. سوريا لا تزال تعاني من هشاشة سياسية وأمنية، والنفوذ التركي والإيراني متداخل فيها. أي مشروع بنية تحتية كبير هناك يتطلب استقراراً طويل الأمد لا يبدو مضموناً. والأهم، أن هذا التوجه قد يُفسر في طهران كمحاولة سعودية للمشاركة غير المباشرة في محاصرة إيران اقتصادياً، مما يزيد من احتمالية التصعيد بدلاً من تهدئته.
في النهاية، تبدو السعودية وكأنها تلعب لعبة دقيقة لكن محفوفة بالمخاطر. إعادة ترتيب الأوراق عبر ممرات بديلة قد يمنحها نفوذاً تفاوضياً مؤقتاً مع واشنطن أو يقلل من تأثير الضغوط الإيرانية على هرمز. لكنه لن يغير الواقع الجوهري: أي حرب جديدة مع إيران، خاصة إذا انضمت إليها صنعاء بقوة، ستكون كارثية على الاقتصاد السعودي والأمن الإقليمي. الطريق الأفضل للرياض ليس تسهيل ذرائع جديدة للتصعيد، بل الضغط نحو تسويات دبلوماسية شاملة تشمل رفع الحصار عن اليمن، وضمان استقرار سوريا، وتجنب الانجرار إلى مواجهة لن تكون السعودية رابحاً فيها.
ممر الظلال هذا قد يبدو طريقاً للنجاة الاقتصادية، لكنه في الحقيقة قد يقود إلى هاوية أوسع إذا لم تُحسب الخطوات بدقة. التأريخ يعلمنا أن المناورات الجيوسياسية غالباً ما تنقلب على أصحابها عندما تتشابك المصالح مع نار الحرب. السعودية، بثقلها الاقتصادي والسياسي، تملك القدرة على اختيار طريق مختلف – طريق يحمي مصالحها ويجنب المنطقة جولة جديدة من الدمار.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر