الأربعاء , يوليو 15 2026
الرئيسية / اراء / عصر الفوضى الاستخباراتية!

عصر الفوضى الاستخباراتية!

د. ميساء المصري*
في عالم السياسة لا تموت الشخصيات الكبرى فقط، بل تموت معها توازنات ورسائل وحقب كاملة. أحيانًا يكون الحدث أكبر من صاحبه، وتتحول الوفاة أو الضربة العسكرية أو التسريب الاستخباراتي إلى قطعة صغيرة في لوحة صراع أكبر بكثير من حدود الفرد.
وفاة السيناتور الأميركي العنصري ليندسي غراهام، إذا صحت الروايات التي أحاطت بها من شكوك وتأويلات، لا تكشف فقط عن حالة الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، بل تعكس حجم التوتر الذي بلغته البيئة الدولية، حيث أصبحت كل حادثة مفاجئة قابلة لأن تتحول إلى وقود في حرب الاستخبارات بين القوى الكبرى.
وفي ظل هذا المناخ المضطرب، خرج المفكر الروسي عراب بوتين ألكسندر دوغين بتفسير مثير للجدل، رابطًا بين وفاة غراهام وصراع أوسع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، معتبرًا أن الحدث قد يكون رسالة سياسية موجهة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بغض النظر عن صحة هذا الطرح أو عدمه، فإن أهميته لا تكمن في إثباته، بل في كشفه عن طبيعة المرحلة، مرحلة لم يعد فيها الصراع يُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالرموز والإشارات والرسائل الغامضة.
بل قد تم قراءة الحادثة باعتبارها رسالة تحذيرية موسادية موجهة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مفادها: “أنت التالي”.
وبحسب هذا الطرح، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في محاولة دفع ترامب نحو تبني خيار الحرب الشاملة مع إيران، عبر الترويج لرواية تربط طهران بمحاولة اغتيال السيناتور ، مستفيدة من الدعوات العلنية التي صدرت عن شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري لاستهداف السيناتور ليندسي غراهام. ويذهب هذا التحليل إلى أن مثل هذه الروايات قد تُستخدم لاستمالة الرأي العام الأميركي باتجاه المواجهة العسكرية، خصوصاً في ظل استطلاعات تشير إلى تزايد معارضة الأميركيين لأي حرب مباشرة مع إيران. وصلت الى 75 % من المجتمع الأمريكي .
كما عززت هذه الفرضيات تصريحات الناشطة المحافظة لورا لومر، التي طالبت بفتح تحقيق في الوفاة، متسائلة عما إذا كانت ناجمة عن عملية اغتيال، وهو ما أضاف زخماً للتكهنات المتداولة على مواقع التواصل.
ويمتد هذا الطرح أيضاً إلى احتمال السعي لربط روسيا بالأحداث، إذ إن السيناتور كان من أبرز الداعمين لأوكرانيا وإسرائيل، وقد زار كييف قبل وفاته بيوم واحد، حيث اطلع على منشأة لتصنيع الطائرات المسيّرة، قبل أن تشن روسيا لاحقاً ضربات على منشآت صناعية دفاعية أوكرانية، الأمر الذي فتح الباب أمام مزيد من التكهنات حول احتمال وجود صلة بين هذه التطورات حسب سعي الموساد.
وفي الجانب الآخر من المشهد، كشف عن عملية استخباراتية إسرائيلية معقدة، استهدفت استقطاب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ضمن خطة بعيدة المدى لإسقاط النظام الإيراني وإعادته إلى سدة الحكم بدعم إسرائيلي.
حيث بدأت خيوط العملية في العاصمة المجرية بودابست مطلع عام 2024، حين تلقى أحمدي نجاد دعوة للمشاركة في مؤتمر حول التغير المناخي، ليتبين لاحقاً أن المؤتمر كان واجهة لسلسلة لقاءات سرية مع مسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية. وتشير المعلومات إلى أن رئيس جهاز الموساد، دافيد برنياع، سافر شخصياً إلى بودابست لعقد اجتماع مع الرئيس الإيراني الأسبق، في خطوة تعكس الأهمية التي أولتها إسرائيل لهذا الملف.
و شملت العملية تقديم مدفوعات سرية لمتحدث باسم أحمدي نجاد، إلى جانب اجتماعات متكررة بينه وبين عملاء إسرائيليين سبقت إطلاق عملية (الأسد الهصور).
و أن مجمع أحمدي نجاد السكني تعرض في فبراير الماضي لغارة إسرائيلية استهدفت حراسه وسيارته المدرعة، قبل أن ينقله عناصر من الموساد إلى مخبأ سري، حيث اختفى عن الأنظار حتى ظهر بشكل مفاجئ في جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي قبل أيام.
لكن ظهوره لم ينهِ الأزمة، إذ تقول صحيفة نيويورك تايمز إن الجناح الاستخباراتي في الحرس الثوري فرض عليه الإقامة الجبرية عقب احتجازه، وسط تصاعد الشكوك حول اتصالاته الخارجية.
ووفقا لمصادر مقربة من أحمدي نجاد أن دوافعه لم تكن مالية، بل سياسية، إذ كان يسعى إلى العودة إلى السلطة بعدما مُنع ثلاث مرات من خوض الانتخابات الرئاسية، وفقد ثقته بالنظام الإيراني. كما تزعم المصادر أنه كان يبدي في جلسات خاصة انتقادات حادة لقيادة النظام، بمن فيهم علي خامنئي، معرباً عن استعداده لتطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا عاد إلى الحكم.
و إذا كانت هذه التقارير صحيحة فهي تعبر عن فوضى استخباراتية و الفجوة بين المعرفة والقرار. وتصبح مجرد أوراق محفوظة في الملفات السرية.وهنا تظهر مفارقة العصر، بين الدول الكبرى التي تنفق مليارات الدولارات على الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الرصد ودول العالم الثالث الذي يخضع لسياسة العضلات .
لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر اللحظات ليست عندما يهدد الخصوم بعضهم البعض، بل عندما يعتقد كل طرف أنه قادر على السيطرة على مسار التصعيد. فالكثير من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار معلن للحرب، بل بسلسلة من الحسابات الخاطئة التي خرجت عن السيطرة.
وفي قلب هذا المشهد تأتي إيران، التي لطالما كانت ساحة مواجهة بين المشاريع الإقليمية والدولية. والحديث عن محاولات اختراق النظام الإيراني أو استمالة شخصيات سياسية بارزة، يعكس طبيعة الصراع الخفي بين طهران وتل أبيب صراع لا يدور فقط حول المنشآت النووية أو النفوذ الإقليمي، بل حول سؤال أكبر. من يملك القدرة على إعادة تشكيل كل النظام الإقليمي؟
إن فكرة استخدام شخصيات سياسية سابقة كأدوات لإعادة هندسة الأنظمة ليست جديدة في تاريخ العلاقات الدولية أو الاستخبارتية . فقد شهد العالم عبر عقود محاولات عديدة للتأثير على النخب السياسية داخل الدول، لكن نجاح هذه المشاريع كان دائمًا مرتبطًا بعامل أساسي، وجود انقسامات داخلية عميقة تسمح بالتدخل الخارجي.
وهنا تكمن الرسالة الأهم للعالم العربي. القوى الخارجية لا تدخل فراغًا، بل تدخل حيث توجد شقوق داخلية. الدول التي تفقد تماسكها تصبح أكثر عرضة لأن تتحول إلى ساحات صراع بين الآخرين.
العالم اليوم لا يعيش فقط عصر الحروب التقليدية، بل عصر الحروب الرمادية، حيث تختلط الاستخبارات بالإعلام، والسياسة بالنفسية، والاقتصاد بالأمن. لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على الوعي نفسه، على قدرة الشعوب على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة والتوظيف السياسي.
ان النظام الدولي نفسه أصبح يعيش مرحلة فقدان الثقة. مرحلة لا يكفي فيها أن تمتلك القوة، بل يجب أن تمتلك القدرة على إدارة الخوف الذي تصنعه هذه القوة.وفي عالم كهذا، قد لا تكون أخطر الأسلحة هي الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل تلك اللحظة التي يفقد فيها البشر القدرة على معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ اللعبة السياسية.
*كاتبة سياسية أردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ثنائية الفقر والفساد!

د. عبدالوهاب الروحاني بلادنا، التي درجنا ودرج العالم على تسميتها ب”بلاد العربية السعيدة” تعاني اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *