الخميس , يوليو 30 2026
الرئيسية / اراء / لصوص الحلم!

لصوص الحلم!

 

بقلم / كفاح عادل*

تظل العدالة التعليمية هي المعيار الأول الذي تقاس به أخلاق الدول وصدق توجهاتها وحين تنكسر هذه العدالة على أعتاب الفساد والمحسوبية فإن الثمن لا يدفعه مجرد طالب سلب حقه بل تدفعه الأمة بأكملها من مستقبلها وأملها.
إن قضية نهب المنح الدراسية في أروقة المؤسسات الحكومية ليست مجرد ملف إداري شائك أو تجاوز عابر يطويه الزمن بل هي جرح غائر في جسد الوطن واغتيال معنوي متكتم لحلم كل طالب فقير ومجتهد صابر.
حين تنتزع الفرصة من يد مستحقها لتوهب لمن لا يملك سوى نفوذ اسمه أو صلة قرابته يتكشف حجم الجرم المتكامل في حق الكفاءات الوطنية. إن المنح الدراسية المنتهبة ليست أرقاما صماء في قوائم المبتعثين بل هي حكاية وجع يومي يعيشه الطالب الذي سهر الليالي بين ظلمات الفقر وضغوطات الحياة ليجد في نهاية المطاف أن حلمه السامي قد أهدي على طبق من ذهب لأبناء أو أقارب مسؤولين لم يعرفوا يوما معنى المعاناة أو التحصيل الجهيد.
إن المتأمل في تفاصيل هذه الظاهرة يدرك حجم الكارثة الإنسانية والوطنية التي تسبب بها الفساد المتغلغل في ملف البعثات الخارجية فالمنحة الدراسية في الأصل لم تخصص لتكون مكافأة إضافية لمن يملكون النفوذ والمال بل صممت لتكون جسرا يعبر عليه الطالب الفقير المتميز نحو أفق أرحب ويعود منها بسلاح العلم ليبني وطنا أنهكته الصراعات.
وعندما تسلب هذه المنح بدون وجه حق يحرم الوطن من عقول جبارة وطاقات استثنائية كانت كفيلة بإحداث الفارق لتستبدل بأسماء لم تتأهل إلا بمعيار الوساطة مما ينتج عنه هدر هائل للمال العام وتدن في مستوى الكفاءات المستقبلية.
ولعل الأشد إيلاما في هذه المعادلة هو ما تتركه هذه الممارسات من آثار نفسية واجتماعية مدمرة إذ إن تجريد الطلاب العصاميين من حقوقهم يدفع الشباب إلى اليأس وفقدان الانتماء ويشعرهم بأن معيار الاستحقاق لم يعد هو الجهد والتميز بل مدى الاقتراب من دوائر القرار.
هذا الشعور الخانق لا يقتصر على الطالب وحده بل يمتد لأسرة كاملة ضحت بكل ما تملك وقاسمت ابنها مرارة الظروف على أمل أن يرى النور لتصطدم بجمود صانعي القرار واستهتارهم بآمال الفقراء.
إن الشرعية الحقيقية لأي سلطة لا تقاس بالشعارات بل بمدى عدالة مؤسساتها وحمايتها للحقوق العامة وفي مقدمتها حق التعليم.
لا يمكن الحديث عن بناء دولة المؤسسات في ظل استمرار هذا النهج الذي يحول المقاعد الدراسية إلى غنائم توزع خلف الأبواب المغلقة.
إن إصلاح هذا الملف يتطلب مراجعة شاملة ودقيقة لكافة قوائم الابتعاث وإلغاء كل منحة ثبت منحها بالمخالفة للشروط وإخضاع المنح للرقابة والشفافية المطلقة مع فتح باب الطعون ومحاسبة كل مسؤول استغل سلطته لجلب منافع شخصية على حساب عرق المجتهدين.
إن دموع الطالب الفقير وهو يرى حلمه يسرق في وضح النهار هي لعنة أخلاقية ستظل تلاحق كل من فرط في أمانته واستغل منصبه لحرمان المستحقين.
لن يتصلح حال الوطن حتى ندرك جميعا أن التعليم ليس رفاهية تمنح للمقربين بل هو الشريان الذي يتغذى عليه أمل الأمة في النهوض والكرامة ولتعلم الأجيال القادمة أن العدالة في منح العلم ليست مجرد مطلب بل هي الحجر الأساس الذي يبنى عليه مستقبل يستحقه الجميع وبدونها تبقى الشعارات خاوية والشرعية مجرد كلمة بلا روح.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بين واشنطن وتل أبيب… من يعيد تشكيل الشرق الأوسط؟

العميد. محمد الحسيني* لم تعد لقاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *