بقلم/ محمد الصالحي
لم تعد الأزمة اليمنية اليوم كما كانت في بداياتها، ولم يعد الصراع محكومًا بالمعادلات التي حاولت بعض القوى فرضها في السنوات الأولى للعدوان. فقد تغيرت الوقائع، وتبدلت موازين التأثير، وأصبح واضحًا أن الاستمرار في النهج ذاته لم يعد ينتج إلا مزيدًا من الاستنزاف والخسائر، وأن محاولة فرض الإرادة بالقوة أثبتت فشلها أمام صمود اليمن وقدرته على فرض معادلات جديدة.
لقد دخل الصراع مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة لم يعد فيها الحصار وسيلة أحادية الجانب، ولم تعد الضغوط العسكرية والاقتصادية قادرة على تحقيق الأهداف التي رُسمت لها. فالسياسات التي قامت على محاولة إخضاع اليمن لم تؤدِّ إلى النتيجة التي أرادها أصحابها، بل أنتجت واقعًا مغايرًا جعل اليمن طرفًا فاعلًا قادرًا على التأثير، وفرض معادلات تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
إن النظام السعودي خاض حربًا طويلة تحت عناوين وأهداف متعددة، لكنه لم يحقق ما سعى إليه، بل وجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيدًا؛ فبدل أن يتم إخضاع اليمن، أصبح اليمن قادرًا على الردع وفرض قواعد اشتباك جديدة، وأصبح الطرف الذي أراد استخدام الحصار كأداة ضغط يواجه تداعيات هذه السياسة نفسها.
فمعادلة «الحصار بالحصار» لم تكن إلا نتيجة طبيعية لمسار بدأ بالعدوان والحصار، وهي تعبير عن تحول جوهري في طبيعة الصراع. فالحروب لا تبقى محكومة بإرادة طرف واحد، ومن يختار استخدام أدوات الضغط ضد الآخرين عليه أن يدرك أن هذه الأدوات قد تتحول إلى أعباء عليه عندما تتغير موازين القوة وتتبدل الظروف.
لقد أثبتت التجربة أن استمرار العدوان والحصار لم يعد يحقق مكاسب استراتيجية للنظام السعودي، بل أصبح يفتح عليه أبوابًا من التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية. فالأثر لم يعد محصورًا في ساحة المواجهة العسكرية، وإنما امتد إلى ملفات أكثر حساسية ترتبط بالاقتصاد والطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
إن الدول لا تخسر فقط عندما تُهزم في المعارك، وإنما تخسر أيضًا عندما تصر على الاستمرار في سياسات أثبت الواقع محدوديتها، وعندما تتحول القرارات السياسية إلى حالة من المكابرة تمنعها من رؤية التحولات الجارية. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على مواصلة الصراع إلى ما لا نهاية، وإنما في القدرة على اتخاذ القرار الذي يحفظ المصالح ويمنع تفاقم الخسائر.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن استمرار الحرب يحمل كلفة متزايدة لا تتوقف عند الإنفاق المباشر، بل تمتد إلى تأثيرات أوسع تمس الاقتصاد والاستثمار والمكانة السياسية. فالحروب الطويلة تستنزف الموارد، وتضعف القدرة على المناورة، وتحوّل الأزمات المؤقتة إلى أزمات استراتيجية ممتدة.
ولهذا فإن تحمل مسؤولية آثار الحرب، ودفع التعويضات لليمن، والمساهمة في إعادة الإعمار، وجبر الأضرار التي خلفها العدوان والحصار، سيكون أقل كلفة بكثير من الاستمرار في سياسة التصعيد. فمعالجة نتائج الحرب مهما بلغت كلفتها تبقى أقل من تكلفة استمرارها، لأن كلفة الصراعات لا تُقاس فقط بما يُنفق فيها، وإنما بما تتركه من آثار سياسية واقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد
لكن المشكلة الأساسية ليست في غياب الحل، وإنما في طبيعة المشروع السياسي الذي يتحرك ضمنه النظام السعودي. فقد أصبح النظام السعودي جزءًا من مشروع صهيوأمريكي أوسع في المنطقة، وتحولت كثير من سياساته وتحركاته إلى أدوات تخدم هذا المشروع، بدل أن تكون تعبيرًا عن رؤية مستقلة تراعي مصالح المنطقة وشعوبها.
لقد اختار النظام السعودي الانخراط في مسار يقوم على التدخل والهيمنة ومحاولة فرض التوازنات بالقوة، بدل بناء علاقات قائمة على احترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا الارتباط بالمشروع الخارجي جعله يستمر في سياسات تجاوزت حدود الحسابات الوطنية المباشرة، وأدخلته في مسار يصعب التراجع عنه دون مواجهة استحقاقات سياسية كبيرة.
كما أن حجم الجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب اليمني، وما خلفته من آثار إنسانية وسياسية عميقة، جعل مراجعة المسار أكثر صعوبة؛ لأن التراجع لا يعني فقط تغيير سياسة، بل يعني مواجهة نتائج سنوات من القرارات الخاطئة والاعتراف بحجم المسؤولية عن آثارها.
فالتاريخ لا يمنح حصانة لأحد، والقوة لا تلغي المسؤولية، والدول التي تتجاهل حقوق الشعوب وتراهن على إخضاعها بالقوة تجد نفسها في النهاية أمام نتائج سياساتها. فالظلم لا يصنع استقرارًا دائمًا، والاستكبار لا ينتج انتصارًا مستمرًا.
وفي المقابل، فإن الشعب اليمني أثبت خلال سنوات الصراع قدرة استثنائية على الصمود والثبات، وأثبت أن الإرادة السياسية عندما تقترن بالصبر والقدرة على المواجهة تستطيع تغيير المعادلات. فاليمن لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في التوازنات الإقليمية، وأصبح صموده جزءًا من التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم.
إن ما يجري في اليمن ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما هو صراع بين مشروع يريد فرض الوصاية والهيمنة، وشعب يتمسك بحقه في السيادة والاستقلال ورفض التدخل الخارجي. وهذه المعادلة هي التي ستحدد مآلات المرحلة القادمة.
ومع استمرار النظام السعودي في طريق التصعيد، فإنه لا يراكم إلا المزيد من الأزمات، ولا يقترب إلا من مواجهة نتائج خياراته. فسنن الله في الأمم لا تحابي أحدًا، والتاريخ يثبت دائمًا أن المشاريع القائمة على الظلم والقوة المجردة تصل في النهاية إلى لحظة دفع الثمن.
وبعد كل هذه الحقائق، لا يبقى أمام النظام السعودي سوى الخيار الأوحد: إنهاء العدوان، رفع الحصار، الانسحاب الكامل من اليمن، ورفع اليد عن شؤونه الداخلية، واحترام سيادته واستقلاله.
فهذا هو الطريق الأقصر والأقل كلفة، وهو الطريق الذي يفتح الباب أمام معالجة آثار الصراع وإنهاء حالة الاستنزاف. أما الاستمرار في النهج الحالي فلن يكون إلا استمرارًا في مسار أثبت الواقع أنه يقود إلى مزيد من الخسائر، ويعمّق الأزمة، ويؤجل مواجهة الحقيقة بدل حلها.
إن الشعوب هي التي تصنع التاريخ، والمشاريع التي تقوم على القوة وحدها تسقط عندما تواجه إرادة لا تنكسر. واليمن اليوم يكتب فصلًا جديدًا من فصول المنطقة، عنوانه أن السيادة لا تُنتزع بالقوة، وأن إرادة الشعوب أقوى من كل مشاريع الهيمنة والاستكبار.
نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد 2467، الاثنين ٢٠ صفر ١٤٤٨ / 03 آب/اغسطس ٢٠٢٦م.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر