الجمعة , أغسطس 7 2026
الرئيسية / اراء / رفرفة في غزة… وإعصار في واشنطن!

رفرفة في غزة… وإعصار في واشنطن!

 

نوال عايد الفاعوري*
في السياسة لا تصنع التحولات الكبرى الضربات المباشرة دائما بل تبدأ أحيانا من حدث يبدو صغير أو من فكرة تتسلل بهدوء إلى الوعي الجمعي ثم لا تلبث أن تغير المشهد بأكمله
يشبه الأمر رفرفة جناح فراشة لا يلتفت إليها أحد
لكنها قد تكون بداية الإعصار
حين خاض الطبيب وعالم الأوبئة الأمريكي من أصول مصرية عبدالرحمن السيد انتخابات حاكمية ميشيغان عام 2018
كان يحمل برنامج تقدمي واضح
ويحظى بدعم أبرز رموز اليسار الديمقراطي وفي مقدمتهم بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز
ومع ذلك لم يكن ذلك كافي ليعبر أسوار المؤسسة الحزبية التقليدية أو ليهزم نفوذ المال السياسي
كان ينقصه ربما ما هو أكبر من البرامج الانتخابية والخطابات المحكمة
كان ينقصه أن يلتقي مشروعه السياسي بقضية أخلاقية قادرة على أن تمنح السياسة روح وأن تحول الأرقام إلى ضمير
اليوم وهو يقترب من مجلس الشيوخ الأمريكي ليصبح -ربما- اول سيناتور مسلم داخل الكونغرس تبدو الصورة مختلفة
لم يعد مجرد مرشح تقدمي يسعى إلى مقعد بل أصبح وجها لخطاب سياسي
يرى في العدالة قيمة لا شعار
وفي فلسطين امتحان أخلاقي قبل أن تكون ملف في السياسة الخارجية
لهذا لم يكن انتصاره في الانتخابات التمهيدية مجرد هزيمة لمنافسة أنفقت عليها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل عشرات ملايين الدولارات بل كان في جانب منه هزيمة لفكرة طالما بدت عصية على الكسر
أن المال قادر دائما على شراء النصر
هزمها برؤيته الاجتماعية و بانحيازه للقضية الفلسطينية وبرفضه لسطوة اللوبيات الصهيونية في صنع القرار الانتخابي والسياسي الامريكي
قبل سنوات قالت ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز وهي تخوض معركتها الأولى ضد أحد أعتى رجال المؤسسة الديمقراطية جو كرولي : “لا يمكنك هزيمة رأس المال الكبير برأس مال أكبر بل عليك أن تهزمه في لعبة مختلفة”
ولعل عبد الرحمن السيد فهم تلك العبارة فقد اختار أن يخوض معركته من بوابة القيم لا من بوابة الشيكات الانتخابية
ومن رهان الناس لا من رهان جماعات النفوذ
لكن التحولات لا يولدها شخص واحد
قبل أشهركان صعود وجوه تقدمية جديدة مثل زهران ممداني مجرد خبر سياسي عابر في نظر كثيرين
غير أن الأحداث حين تقرأ متصلة لا منفصلة تكشف أن تلك الانتصارات الصغيرة لم تكن سوى إشارات
إلى أن شيئا عميقا يتحرك تحت السطح
ممداني الذي فاز بمنصب العمده في تلك الولايه التوراتيه حيث يسيطر عليها في المال والاعمال والسياسه اكبر لوبي صهيوني في الولايات المتحده
وحطم غرور مليارديريه المدينه
ثم جاء السابع من أكتوبر
بعيدا عن المواقف المتباينة من الحدث نفسه لا يمكن إنكار أنه غير طريقة نظر العالم إلى القضية الفلسطينية وأعادها إلى قلب النقاش السياسي والأخلاقي خصوصا داخل الجامعات الأمريكية وبين الأجيال الشابة التي أخذت تنظر إلى ما يجري في غزة بوصفه سؤالًا عن العدالة لا مجرد صراع جيوسياسي
جعل من غزه قضيه كل احرار العالم القضيه الاخلاقيه التي تصنع الفارق
هناك بدأ أثر الفراشة يكبر
فالتيار التقدمي الذي ظل سنوات طويلة يعيش على هامش الحزب الديمقراطي
أخذ بعد الطوفان يجد لنفسه مساحة أوسع
لم يعد يتحدث فقط عن الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال بل أصبح يربط بين هذه القيم وبين السياسة الخارجية ويرى أن المبادئ لا تتجزأ
إنها أمريكا التي لا تظهر كثيرا في نشرات الأخبار
أمريكا المهاجرين والعمال وسكان الضواحي والذين لا ينعكس حضورهم في بريق وول ستريت ولا على السجاد الأحمر في هوليوود
أمريكا التي تبحث عن من يمثل قلقها اليومي أكثر ممن يجيد إدارة التحالفات الكبرى
لذلك لم يكن غريبا أن تعود الاتهامات القديمة إلى الواجهة
فكل من يقترب من نقد السياسات الإسرائيلية يجد نفسه سريعا في مواجهة التهمة ذاتها
“انه يكره اسرائيل انه يكره اليهود”
اول شتيمة وجهها ترامب لعبد الرحمن السيد بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية في انتظار الحسم في نوفمبر!
نفس الشتيمة التي وجهها لزهران ممداني عند فوزه..
غير أن اللافت أن هذه اللغة لم تعد تمتلك القوة التي امتلكتها في عقود سابقة وكأن المجتمع الأمريكي نفسه بدأ يعيد تعريف كثير من المسلمات التي حكمت خطابه السياسي طويلًا
لهذا تبدو معركة ميشيغان المقبلة أكثر من مجرد انتخابات على مقعد في مجلس الشيوخ
إنها مواجهة بين رؤيتين لأمريكا
واحدة ترى السياسة امتدادا لموازين القوة التقليدية
وأخرى تعتقد أن الضمير مهما بدا ضعيفا يستطيع أن يترك أثرا أبقى من سطوة المال
ولعل أجمل ما في الحكاية أن بطلها ليس رجلًا هبط فجأة من خارج التاريخ بل ابن مهاجر مصري نشأ في تلك الولاية ودرس في أعرق جامعات العالم وحصل على منحة رودس التي لا تمنح للتفوق الأكاديمي وحده بل لمن يمتلك القدرة على القيادة والتأثير وصناعة المستقبل
لهذا لم يكن تحذير جي دي فانس من أن عبد الرحمن السيد قد يصبح يوما رئيسا للولايات المتحدة مجرد مبالغة انتخابية بل كان في جوهره اعترافا بأن السياسة الأمريكية تدخل طورا جديدا وأن الوجوه التي كانت حتى الأمس تقف عند الهامش باتت تقترب من مركز الصورة
قال دي فانس ذلك لانه يعلم ان منحه رودس ساعدت بيل كلينتون على الوصول للبيت الابيض في وقت سابق
قد لا يرى كثيرون أثر الفراشة وهي ترفرف للمرة الأولى لكن التاريخ يخبرنا دائما أن التحولات الكبرى تبدأ هكذا بصمت لا يلفت الانتباه ثم تمضي رويدا رويدا حتى يصبح تجاهلها مستحيلًا
أما السابع من أكتوبر فقد كان شاء العالم أم أبى واحدا من تلك اللحظات التي تجاوزت حدود الجغرافيا وراحت تترك أثرها في السياسة والوعي
أثرا لا يزال يتشكل وربما سيظل حاضرا لسنوات طويلة.
*كاتبة اردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

في مِحراب النور الأعظم!

لقمـان عبدالغني الأحمـدي* ليـس التاريخ لدى الشعب اليمـاني مجـرد تقويـمٍ تُطوى صفحاته، ولا المناسبـات الدينيـة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *