سامي عطا*
على مدى عقود، ظلت الحروب تُروى من فوق منابر الإعلام الرسمي للدول المُعتدية، لا من تحت أنقاض المدن المستباحة. وفي خضم العدوان على اليمن، تكررت ذات البنية السردية في مناسبتين متقاربتين: مقال صحيفة ” عكاظ ” الذي حمّل اليمنيين ” مسؤولية تحرير أنفسهم “، ومنشور السفير السعودي محمد آل جابر الذي ألقى باللوم على ” الحوثي ” في تعطيل المطار وفرض الحصار. كلاهما ينطلق من منطق واحد: الطرف الذي يملك آلة الحرب لا يعتذر، بل يوزّع الاتهامات؛ والضحية، بعد أن فُقدت حياتها، يُطالب منها أن تشرح لماذا لم تنقذ نفسها.
هذا المقال ليس دفاعاً عن طرف ضد آخر، بل تفكيكٌ نقديّ لبنية الخطاب ذاته؛ خطاب يحوّل المعتدي إلى ” مُحرّر ” ويحوّل الضحية إلى ” مُقصّر “، ويكشف النقاب عن التناقضات الصارخة بين ما يُقال في الإعلام وما تثبته الوقائع والأرقام والنظريات الاستراتيجية. والحجة المركزية التي يسعى إلى إثباتها هي: حين يبدأ مُشعل الحرب في محاسبة ضحاياه على ” عدم بذلهم جهداً كافياً “، فإن هذا في ذاته أصدق دليل على إفلاس سرده وانهيار شرعيته.
” من عطّل المطار؟ ” — لعبة الأسئلة المُجابة مسبقاً
يتساءل السفير آل جابر: ” فمن عطّل المطار حقاً ؟ “، ويجيب بأن الحوثيين احتجزوا أربع طائرات في يونيو 2024، قبل أن ” ينتهي الأمر بتدمير المطار والطائرات الأربع في مايو 2025 “. لكن هذه الرواية تُغفل سؤالاً أكثر جوهرية: من يملك حق تدمير مطار مدني في المقام الأول؟ إن تدمير المطار جاء بقرار من التحالف الذي يقوده السفير ذاته، وليس بقرار من الحوثيين. فإذا كان الحوثي هو من ” احتجز ” الطائرات، فإن التحالف هو من دمّر المطار عن بكرة أبيه. والأدهى أن السفير يتحدث عن ” مبادرات ” لتسيير الرحلات ” قوبلت بالرفض “، وكأن قبول المبادرات كان سيُغيّر من حقيقة أن القرار العسكري بتدمير المطار كان بيد التحالف، لا بيد خصومه.
هذا النمط من ” الأسئلة المُجابة مسبقاً ” هو ما وصفه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو بأنه آلية من آليات السلطة: ” السلطة تُنتج المعرفة… ولا توجد علاقة سلطة دون تأسيس حقل معرفة، ولا معرفة لا تفترض علاقات سلطة وتشكّلها “. فالسؤال ” من عطّل المطار؟ ” ليس سؤالاً محايداً يبحث عن حقيقة؛ إنه سؤال مصمم لكي يُنتج ” حقيقة ” محددة سلفاً: الحوثي هو المسؤول. لكن الوقائع تفرض سؤالاً معاكساً: من يملك شرعية إغلاق المجال الجوي لدولة أخرى وتدمير مطاراتها؟ والإجابة، بالضرورة، ليست الحوثي.
” موانئ الحديدة مفتوحة ” — الحصار الذي لا يُرى
يقول السفير إن موانئ الحديدة ” تستقبل شحنات الغذاء والأدوية والوقود والبضائع التجارية بشكل يومي “، متسائلاً ضمنياً: أين الحصار الذي يتحدث عنه الحوثيون؟ لكن هذا الادعاء يتجاهل حقيقة جوهرية: الميناء الذي يستقبل شحنات لا يعني أن تلك الشحنات تصل إلى المدنيين. فحسب تقرير الأمم المتحدة الصادر في أكتوبر 2026، فإن ” إغلاق الحوثيين للطريق الوحيد الذي يربط تعز بعدن يضع المدنيين في خطر شديد، ويمنع المساعدات الإنسانية ويقطع الإمدادات الأساسية “. المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أكد أن ” 32مدنياً على الأقل قُتلوا في جميع أنحاء المحافظة، بينهم 14 طفلاً وتسع نساء “. وأشارت منظمة اليونيسف إلى أن ” مخزونات دقيق القمح في المناطق المتضررة من تعز على وشك النفاد “، وأن ” 10 من أصل 16 مديرية مصنفة بالفعل على أنها في مستويات الطوارئ “.
بعبارة أخرى ؛ حتى لو كان هنالك حصار على تعز من قبل الحوثيين وهذه فرية يمكن دحضها ، فإنه لا يُلغي حقيقة أن التحالف يفرض حصاراً بحرياً وجوياً شاملاً على اليمن منذ 2015. السفير يتحدث عن ” موانئ مفتوحة ” بينما 250 ألف شخص نزحوا من ديارهم منذ أغسطس 2026 وحده، و12 مستشفى في تعز لديها وقود يكفي لأربعة أيام فقط. إن الانتقائي في سرد الوقائع لا يُبرئ؛ إنه فقط يُطيل أمد الكارثة.
ميرشايمر ووالت — عندما تهزم النظرية أوهام ” التحرير ”
إذا كان السفير آل جابر يرى أن ” الحوثي ” هو العقبة الوحيدة أمام ” السلام “، فإن أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو جون ميرشايمر يرى صورة مختلفة تماماً. في مقابلة مع قناة RT في سبتمبر 2026، قال ميرشايمر إن السعودية “ وجدت نفسها في مشكلة عميقة جداً “ بسبب قرارها “ الأحمق “ بمهاجمة الحوثيين والقتال معهم، مضيفاً أن “ الحوثيين قوة قتالية هائلة، والسعوديين ليسوا كذلك “. والأكثر دلالة أن ميرشايمر كشف أن محمد بن سلمان اتصل بالرئيس ترامب “ في مناسبات متعددة “ طالباً دعماً عسكرياً ضد الحوثيين، لكن ترامب رفض التدخل. فإذا كان “ تحرير اليمن “ — كما يزعم السفير — مشروعاً عادلاً وقابلاً للتحقيق، فلماذا يرفض أقرب حلفاء الرياض تحمّل عبئه؟
أما أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد ستيفن والت، فتوفر نظريته “ توازن التهديد “ إطاراً لفهم الكارثة. وفق هذه النظرية، تتحالف الدول ضد الطرف الذي تُدركه كالأكثر تهديداً، وهذا الإدراك يتأثر بأربعة عوامل: القدرة الإجمالية، والقرب الجغرافي، والقدرة الهجومية، والنوايا العدوانية. وقد أخطأت الرياض في تقديرها: فبدلاً من أن تواجه “ تهديداً “ وجودياً من الحوثيين، واجهت حركة محلية ذات مطالب سياسية داخلية. وحين حوّلت الرياض هذا الصراع المحلي إلى مواجهة إقليمية، فإنها ضاعفت التهديد بدلاً من أن توازنه، وهو ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ” الإفراط في الموازنة “ (Overbalancing). النتيجة: حرب استنزاف أنهكت الاقتصاد السعودي، وأغرقت اليمن في كارثة إنسانية، دون أن تحقق أي هدف استراتيجي.
مغالطة “ إسقاط الانقلاب “ — ازدواجية المعايير بين القاهرة وصنعاء
إن أعمق ما يكشفه خطاب “ عكاظ “ والسفير آل جابر ليس مجرد تبرير للحرب، بل هو ازدواجية صارخة في تطبيق المعايير عند التعامل مع ظاهرة التغيير السياسي. ففي حين تم التعاطي مع انقلاب الثالث من يوليو 2013 في مصر، الذي أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطياً، باعتباره “ ثورة تصحيح “ و” تفويضاً شعبياً “، ودُعم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فإن التغيير الذي حدث في اليمن في سبتمبر 2014 صُنّف فوراً كـ” انقلاب “ يستدعي تدخلاً عسكرياً خارجياً وتشكيل تحالف عدواني.
أولاً / الدعم السعودي الفوري لانقلاب السيسي. لم تكتفِ الرياض بالصمت على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، بل كانت أول حكومة في العالم تبارك الانقلاب علناً؛ فبعد ساعتين فقط من إعلان السيسي تعليق الدستور وعزل الرئيس المنتخب، بعث الملك عبد الله برقية تهنئة إلى الرئيس المؤقت المدعوم من الجيش. ولم يتوقف الأمر عند التطبيع السياسي، بل تجاوزه إلى التمويل السخي والغطاء الدولي: فقد أعلنت السعودية والإمارات والكويت عن حزمة مساعدات بقيمة 12 مليار دولار لدعم نظام ما بعد الانقلاب، وتشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي الدعم الخليجي للفريق السيسي بلغ نحو 48 مليار دولار. والأكثر من ذلك، تشير تقارير إلى أن الرياض لم تكتفِ بدعم الانقلاب بعد حدوثه، بل ضغطت بقوة على السيسي للمضي قدماً في استخدام العنف ضد المتظاهرين، ووعدته باستخدام قدراتها المالية والإعلامية والدبلوماسية لإقناع أوروبا وأمريكا بتفهم الوضع.
ثانياً / تصنيف تغيير السلطة في اليمن كـ” انقلاب “ يستدعي حرباً. في المقابل، حين سيطر الحوثيون على صنعاء في سبتمبر 2014، لم يكن هذا الحدث استثناءً في تاريخ التغييرات السياسية، لكنه قوبل بموقف مختلف جذرياً: تشكيل تحالف عسكري عربي بقيادة السعودية في مارس 2015، أُعلن عنه من واشنطن، بهدف “ إنهاء الانقلاب واستعادة الشرعية “. وهنا يبرز السؤال المنطقي: لماذا يُدعم انقلاب عسكري في مصر، ويُشنّ حرب شاملة على تغيير مماثل في اليمن؟ الإجابة لا تكمن في طبيعة الحدثين، بل في المصالح الجيوسياسية للرياض: ففي مصر، كان الانقلاب يستهدف حركة إسلامية (الإخوان المسلمين) تُعتبر تهديداً وجودياً للأنظمة الخليجية، بينما في اليمن، كان التغيير يستهدف نظاماً موالياً للرياض، لكنه في الوقت ذاته أضعف نفوذ المملكة، فكان الرد عليه بالحرب.
ثالثاً / نظرية التغيير السياسي – الثورة والانتفاضة والانقلاب. ينطلق الخطاب السعودي من افتراض ضمني بأن “ الانقلاب “ هو دائماً غير شرعي، بينما “ الثورة “ أو “ الانتفاضة “ هي الوسائل الشرعية الوحيدة للتغيير. لكن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أساسية في علم الاجتماع السياسي: التغيير السياسي يحدث بأشكال متعددة، وكلها تعبيرات عن إرادة القوة الاجتماعية. فالثورة (Revolution) تُعرّف بأنها “ تغيير جوهري في الأوضاع السياسية والاجتماعية، لا يتبع الوسائل المقررة في النظام الدستوري “. أما الانتفاضة (Uprising) فهي “ وسيلة للتغيير والوصول إلى الحكم، لكنها لا تتميز بالسرعة التي توصف بها الثورة “. والانقلاب (Coup d›état)، وفق التعريفات الأكاديمية، هو “ انتقال السلطة من يد فئة إلى أخرى تنتمي إلى نفس الفئة الأولى، دون إحداث أي تغيير في الوضع السياسي “. لكن التصنيفات لا تنطبق بسلاسة على الحالات الواقعية: فما حدث في مصر 2013 كان انقلاباً عسكرياً دُعم خارجياً، وما حدث في اليمن 2014-2015 كان تحركاً مسلحاً لجماعة محلية مدعومة من الخارج، لكنه في جوهره تعبير عن أزمة شرعية داخلية ناتجة عن إقصاء سياسي وفساد مزمن.
رابعاً / ازدواجية المعايير في القانون الدولي. تكشف هذه الازدواجية عن انتقائية صارخة في تطبيق مبادئ القانون الدولي. ففي مصر، تجاهلت الرياض (وحلفاؤها الغربيون) قانون المساعدات الخارجية الأمريكي الذي يحظر تقديم المساعدات لأي حكومة تُطاح برئيسها المنتخب عبر انقلاب عسكري، وضغطت دبلوماسياً على واشنطن لعدم تصنيف ما حدث “ انقلاباً “.
أما في اليمن، فقد تم تضخيم مفهوم “ الانقلاب “ ليصبح مبرراً لحرب مدمرة، مع تجاهل تام للسياق الداخلي والظروف التي أدت إليه. هذه الازدواجية ليست مجرد موقف سياسي، بل هي انتهاك صارخ لمبدأ المساواة في السيادة الذي يقوم عليه النظام الدولي.
إن مغالطة إسقاط الانقلاب تتكشف إذن على مستويين ، الأول هو التناقض العملي بين دعم انقلاب القاهرة ومحاربة تغيير صنعاء؛ والثاني هو الادعاء المعرفي بأن هناك تعريفاً واحداً “ صحيحاً “ للتغيير السياسي، بينما التغيير في جوهره ظاهرة متعددة الأشكال، تتحدد شرعيتها بمدى تعبيرها عن إرادة الشعوب، لا بتصنيفات القوى الخارجية. واليمن، الذي عاش تغييرات متعاقبة منذ 2011 — ثورة، ثم انتفاضة، ثم تغيير عبر ثورة تصحيح وإن اتخذت طابعاً مسلحاً — ليس استثناءً في تاريخ المنطقة، بل هو حالة نموذجية للتغيير الذي تحدثه القوى الاجتماعية عندما تُغلق أمامها قنوات التعبير السلمي.
تشومسكي — من يملك الحق في تعريف “ التحرير “؟
في مواجهة خطاب “ التحرير “ الذي يرفعه السفير، يصبح صوت نعوم تشومسكي ضرورة أخلاقية. فقد وصف تشومسكي السعودية بأنها “ مركز التطرف في العالم “، مؤكداً أنها “ لا تكتفي بتمويل الإرهابيين، بل تنشر هذا الفكر المتطرف عبر مساجدها ومدارسها “. والأهم من ذلك، قال تشومسكي إن “ الحرب التي شنتها السعودية على اليمن كارثة إنسانية في بلد فقير جداً “، وإن “ ما تفعله السعودية والإمارات في اليمن بدعم أمريكي هو الأكثر وحشية في المنطقة “.
هذه الشهادات لا تُترك مجالاً للالتباس ؛ فالدولة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الحرية السياسية في الداخل، وتمارس في الإقليم سياسات قمعية، لا تملك الأهلية الأخلاقية لتعريف “ التحرير “. وحين يكتب السفير أن “ اليمن سيخرج منتصراً… بسلاح يحفظ كرامة مواطنيه “، فإنه يتجاهل أن السلاح الذي يتحدث عنه هو ذاته الذي دمّر البنية التحتية اليمنية، ومزّق النسيج الاجتماعي، وأودى بحياة عشرات الآلاف.
عكاظ وآل جابر — وجهان لعملة واحدة
ما يجمع بين مقال “ عكاظ “ ومنشور السفير هو البنية السردية ذاتها، تحميل الضحية مسؤولية مأساتها. فـ” عكاظ “ تقول إن اليمنيين لم يتحركوا لتحرير أنفسهم، والسفير يقول إن الحوثي هو من يعطّل السلام ويتاجر بمعاناة اليمنيين. كلاهما يتجاهل سؤال المسؤولية الأولى: من أطلق شرارة الحرب في 26 مارس 2015؟ ومن فرض الحصار؟ ومن قصف المستشفيات والمدارس والأسواق؟ الإجابة ليست الحوثي، بل التحالف الذي يقوده السفير ذاته. إن تحميل الضحية مسؤولية “عدم تحريرها لنفسها” هو بالضبط ما وصفه تشومسكي بـ” القطيع التائه “: حين يُقنع الإعلام الرسمي الجمهور بأن الحرب “ ضرورة “، وأن المعاناة “ خطأ الضحية “.
المسؤولية تبدأ حيث ينتهي الخطاب
إن “ تحرير اليمن “ — كما يُروَّج له في “ عكاظ “ وعلى لسان السفير — ليس مشروعاً إنسانياً، بل هو خطاب سلطة يهدف إلى إعادة توزيع المسؤولية الأخلاقية: المعتدي يصبح “ مُحرّراً “، والضحية تصبح “ مُقصّرة “. لكن الوقائع، والنظريات الاستراتيجية، والشهادات الفلسفية، والأرقام الأممية، وازدواجية المعايير في التعامل مع الانقلابات، كلها تشير إلى اتجاه واحد: المسؤولية تقع على عاتق من أشعل الحرب، وفرض الحصار، ودمّر المطار، واستمر في القصف. اليمن لا يحتاج إلى من يشرح له كيف “ يحرر نفسه “؛ اليمن يحتاج إلى من يتوقف عن تدميره. وهذا التوقف لا يحتاج إلى “ وحدة اليمنيين “ كشرط مسبق؛ إنه يحتاج فقط إلى قرار سياسي واحد من الرياض: أن تضع حداً لحرب صنعتها بيدها.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر