د.علي سبتي الحديثي*
لا أعتقد أن معركة أو حربا خاضها العرب بأستثناء معركة العبور في حرب تشرين / أكتوبر 1973 سوف تنعكس بنتائجها على الأرض وعلى مسيرة السلام أو ( التسوية ) سمها ما شئت بمثل ما ستؤول أليه نتائج المعركة الملحمية التي يخوضها شباب فلسطين في قلب المستعمرات الأسرائيلية المحيطة بغزة ، وبعيدا عن التشكيكات فهي معركة فلسطينية بأمتياز ليست مجيرة لطرف عربي أو أقليمي أو دولي . وقد عبر عن صدمة أسرائيل منها بشكل دقيق توماس فريدمان في نيويورك تايمز بمقالته تحت عنوان (أسوء يوم حرب في تاريخ إسرائيل ) وأن أدعاء نتنياهو أن أيران وراء الأحداث وأنها من تحاربه ليس ألا أكذوبة هدفها واضح لتبرير موقفه الضعيف أمام الرأي العام المحلي والدولي في محاولة لتصوير الوضع وكأن أسرائيل تواجه عدوا على مستوى دولة بأمكانات أيران ، وهذه المغالطة تحاول النيل بذات القدر من أمكانات المقاتل الفلسطيني الذي يسطر اليوم لوحات خالدة في مواجهة المحتل الغاصب وأن من يحاول تجيير هذا النصر الكبير الذي صنعه الشعب الفلسطيني للغير، أما لديه غشاوة ، أو مآرب آخرى تخدم أجندات متعددة واضحة لا تحتاج شروحات . ولابد من الأشارة أن حصول الفصائل الفلسطينية على دعم تسليحي وتقني من هنا وهناك ، حق طبيعي لا ينال أبدا من وطنية المعركة لأنتزاع الحقوق في عالم ظالم ينتفض على المظلوم عندما يطالب بحقوقه كما تفعل اليوم الولايات المتحدة ومعها الغرب عموما .
هذه المعارك الأسطورية تذكرني وأنا من قراء التاريخ ببطولات وشجاعة الصحابة في فجر الأسلام .
العالم اليوم تغير ولم يعد بوسع أسرائيل أن تستخدم ما تشاء من السلاح لحسم المعركة لصالحها ألا في مساحة وقياسات محدودة لعوامل عديدة دولية وأقليمية ، يضاف لذلك سبب مهم وجوهري يتمثل في أعداد الأسرى العسكريين والمدنيين الكبيرة الذين أسرهم شباب فلسطين المقاتل وساقوهم الى داخل مدينة غزة ، الأمر الذي سيشكل محددات لردود فعل حكومة أسرائيل التي تهتم بأمن مواطنها وسلامته .
ومما لا شك فيه أن الفارق في القوة بين الطرفين كبير لكنه لن يكون هذه المرة عامل وحيد وحاسم دون حسابات الركون الى العقلانية في ردود الفعل المحسوبة . لقد بات من المؤكد أن هذه المعركة غيرت قوانين الأشتباك تماما فالتطور العلمي لشباب فلسطين وأتقانهم لفنون القتال المتقدم في داخل المدن ، وبالتزامن مع الأرادة الوطنية الصلبة لأنتزاع الحقوق ومواجهة الأرهاب والتطرف الأسرائيلي ، عجل بأندلاع هذه المعركة الأستثنائية في تاريخ الصراع العربي الأسرائيلي الصهيوني ، ولا شك أن حقوق الأوطان لا تنتزع بدون دماء تراق .
وبغض النظر عما ستؤول أليه نتائج المعركة عسكريا ألا أنني أعتقد أنها ستنعكس بتأثيراتها على الرأي العام الداخلي في أسرائيل ، وعلى صناع القرار وستضع اليمين الأسرائيلي في حرج كبير ، لاسيما وأن سياسات المتطرفين التي رعاها نتنياهو وايتمار بن غفير في تدنيس الحرم القدسي ورفض أي تفاوض يفضي الى حل الدولتين وفقا لقرارات الأمم المتحدة والقرار 242 لسنة 1967 ، هذه السياسات أوصلت أسرائيل للمأزق الذي تعيشه .
لقد أدت السياسات المتطرفة لأسرائيل الى ما نشهده اليوم من قتل وتدمير . فبعد أن تجاهلت القيادات الأسرائيلية المتعاقبة مبادرات السلام العربية المرنة للغاية وآخرها مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية ( وكان وليا للعهد ) في قمة بيروت في آذار 2002 والتي أشترطت أنسحاب أسرائيل الى حدود 4 حزيران 1967 مقابل التطبيع العربي معها وأقامة الدولة الفلسطينية ، وحضيت بأجماع عربي بلا أستثناء ، ما زال النظام الرسمي العربي يمد يد السلام لأسرائيل على أمل بناء سلام شامل يستند الى أقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران لعام 1967م وينهي حالة الصراع والظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني بعد أن تحولت الضفة وغزة الى سجون كبيرة تنوء تحت ظلم أسرائيل واستهتارها وتجاوزها على المقدسات وفرض مزيد من الضغط والترهيب والحصار والتجويع والأذلال للشعب العربي الفلسطيني ، مما أدى الى هذا الأنفجار الكبير الذي فاجئ أسرائيل والعالم .
تقديري أن هذه المعركة المتميزة بتوقيتاتها وتكتياتها ونتائجها سوف تجعل المطبخ السياسي في أسرائيل يعيد حساباته من جديد ، وينزل عن بغلته فيجلس الى طاولة المفاوضات كخيار لا مناص منه وعليها أن تقر بالحقوق الكاملة للشعب العربي الفلسطيني ولا خيار لها غير ذلك أبدا مهما كابرت فالعالم تغير وقوانين الصراع تغيرت .
*كاتب وسفير عراقي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر