الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / أخبار / تحليل..وقف تمويل الأونروا..انتقام من انتصار القضية الفلسطينية في لاهاي

تحليل..وقف تمويل الأونروا..انتقام من انتصار القضية الفلسطينية في لاهاي

فاطمة عواد الجبوري*
في عالم حيث غالباً ما تستحوذ الأزمات الإنسانية على الاهتمام العالمي، يحدث تحول دقيق ولكنه زلزالي، وهو تحول يمكن أن يعيد تشكيل مشهد الصراع المستمر منذ عقود من الزمن في الشرق الأوسط. وفي قلب هذا التحول تقع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وهي المنظمة التي وقفت كمنارة أمل لعدد لا يحصى من اللاجئين الفلسطينيين. ولكن في الآونة الأخيرة، وبعد يوم واحد على انتصار القضية الفلسطينية في محكمة العدل الدولية أوقفت الدول الغربية الرئيسية، بقيادة الولايات المتحدة، فجأة تمويل الأونروا، وذلك في سياق انتقامي من القضية الفلسيطينية وتحقيقاً لرغبة إسرائيل في تصفية القضية وحق العودة وحقوق اللاجئين. إن هذه الخطوة هي أكثر بكثير من مجرد تعديل للميزانية. إنها عاصفة تلوح في الأفق سينتج عنها عواقب ستغير إلى الأبد محنة الشعب الفلسطيني.
ويأتي هذا القرار بسحب الدعم المالي في وقت لم يكن متوقعا على الإطلاق، متحديا الإيقاعات المعتادة للدبلوماسية والمساعدات الدولية. إن التداعيات عميقة ومتعددة الأوجه، وتضرب جوهر النضال الفلسطيني من أجل الاعتراف بالقضية والاعتراف بالحقوق المنهوبة للشعب الفلسطيني. إنه تطور يطرح أسئلة حاسمة حول مستقبل المساعدات الإنسانية ومصير أولئك الذين اعتمدوا عليها لفترة طويلة من أجل البقاء. وفي مشهد غالبًا ما يتم تحديده بالتصريحات الصاخبة والإيماءات الدرامية، تقف هذه الخطوة الغادرة بمثابة شهادة على الانتقام الغربي من شعب أعزل هو الشعب الفلسطيني.
في التطورات الأخيرة، برز اتجاه مثير للقلق حيث قامت العديد من الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، بوقف دعمها المالي بشكل استراتيجي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). وتواجه هذه الوكالة، التي تمثل شريان حياة بالغ الأهمية للاجئين الفلسطينيين، الآن أزمة تمويل غير مسبوقة. ويبدو أن هذا القرار أكثر من مجرد تحول في السياسة؛ ويبدو أنها خطوة محسوبة ذات أهداف متعددة الأوجه، وتتشابك بعمق مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وذلك من حيث رغبة أمريكية-غربية بتحقيق كل رغبات إسرائيل التي تتركز على تصفية حق العودة وحقوق اللاجئين.
إن توقيت وقف التمويل هذا جدير بالملاحظة بشكل خاص. ويأتي ذلك في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذته محكمة العدل الدولية، والذي أقر التدابير المؤقتة ضد إسرائيل. وكان من المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة القضائية إلى حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية. وبدلا من ذلك، حدث العكس. وبدلاً من تسهيل المساعدات وزيادة الدعم لسكان قطاع غزة المحاصرين، قامت الدول الغربية بالانتقام منهم. ويمكن تفسير هذا العمل على أنه شكل من أشكال الانتقام من القضية الفلسطينية، وتقويض روح قرار المحكمة الدولية.
إن قرار الولايات المتحدة بسحب التمويل من الأونروا ليس حادثا معزولا. تاريخياً، كانت هناك جهود متضافرة من قبل الولايات المتحدة لتقليص دور الوكالة. ويمكن النظر إلى هذه الاستراتيجية على أنها جزء من هدف أكبر يتمثل في تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل. ومن خلال خنق شريان الحياة المالي للأونروا، تهدف هذه الدول إلى تآكل البنية التحتية التي تدعم اللاجئين الفلسطينيين. وترتبط هذه الخطوة بشكل جوهري بإنكار حق هؤلاء اللاجئين في العودة إلى أراضي أجدادهم – وهو الحق الذي كان حجر الزاوية في النضال الفلسطيني.
علاوة على ذلك، يبدو أن هذا الإجراء هو خطوة محسوبة نحو تقليل عدد الأفراد المعترف بهم كلاجئين فلسطينيين. وقد يكون الدافع الأساسي هو إضعاف ورقة المساومة الفلسطينية في أي مفاوضات سلام مستقبلية. وتتوافق هذه الاستراتيجية مع الأجندة الأوسع لتسهيل التطبيع الإسرائيلي العربي. يمكن القول إن وقف تمويل الأونروا هو مقدمة لإعادة تقديم “صفقة القرن”، التي اقترحها في البداية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وعلى الرغم من أن الإدارة الحالية في عهد الرئيس بايدن تبدو مختلفة في نهجها، إلا أن الأهداف الأساسية فيما يتعلق بتصفية القضية الفلسطينية تظل متشابهة بشكل لافت للنظر.
ومن أجل فهم خطورة هذا الوضع، فإن تقديم نبذة مختصرة عن تاريخ الأونروا يعد أمرا ضروريا. منذ إنشائها في عام 1949، كانت الأونروا شوكة في خاصر الحكومة الإسرائيلية، التي سعت منذ فترة طويلة إلى تعطيل المنظمة وتفكيكها في نهاية المطاف. لقد كان هدف إسرائيل واضحا: إزالة أي اعتراف ودعم دولي للاجئين الفلسطينيين، وبالتالي إلغاء مطالباتهم وحقوقهم.
كما أن سحب الدعم الغربي للأونروا يثير سؤالاً بالغ الأهمية: لماذا لم تتدخل الدول العربية لملء الفراغ المالي؟ وعلى الرغم من التصريحات الإعلامية المناصرة لحقوق اللاجئين الفلسطينيين إلا أنه كان هناك انعدام ملحوظ في الالتزام المالي من جانب هذه الدول. وهذا التفاوت بين الخطاب والفعل صارخ، خاصة في ضوء ثروات المنطقة ومواردها. فبدلاً التمويل الهائل والضخم لحفلات الغناء وتمويل إنشاء مراكز لبيع الكحول كان من الممكن توجيه هذه الأموال لتمويل وكالة أونروا بإشراف عربي. فعلى سبيل المثال تبذر الدول العربية أموال طائلة على ترخيص وإنشاء مصانع لصناعة الكحول. وهذا ما حدث في إمارة أبو ظبي حيث تم إنشاء أول مصنع نبيذ مرخص في المنطقة، والذي من المفترض أن يقوم بتوريد منتجاته على نطاق واسع. كما أن تمويل مطعم الضخم “Craft by Side Hustle” كان من الممكن توجيهه إلى دعم المنظمات الإنسانية العاملة في غزة. ويبدو بأنّ الاستمرار في هذا النهج يأتي نتيجة الطلب المتزايد للمواطنين الإسرائيليين من حكومة الإمارات بتوريد وتقديم المشروبات الكحولية. جدير بالذكر أن زيادة طلبات المواطنين الإسرائيليين في الإمارات ترجع إلى الهجرة الجماعية للمواطنين الإسرائيليين هرباً من الحرب إلى الإمارات خلال الشهرين الأخيرين، والتي تصل بحسب بعض الإحصائيات إلى 200 ألف شخص.
ما نود قوله هنا هو أنّ هذه الأموال (ليس فقط بالإمارات بل في العديد من الدول العربية) تصرف بعكس رغبة الشعوب المحافظة التي تحاول التمسك بالدين والعادات والتقاليد وكان من الممكن استثمارها بشكل مناسب ومتوائم مع رغبة الشعوب العربية في دعم اللاجئين الفلسطينيين. كان يجب على هذه الدول العربية التي تدّعي نفوذاً إقليمياً متزايداً، أن تموّل الأونروا كي تخرج من العباءة الغربية المبتزة أو أن تقوم هي نفسها بإنشاء منظمات إنسانية تابعة للدول العربية تشرف على مساعدة اللاجئين والحفاظ على حق العودة بوصفها الشروط الأساسية للحفاظ على القضية الفلسطينية.
آخیراً، فإن وقف تمويل الأونروا من قبل الدول الغربية لا يشكل مجرد تخلي عن اللاجئين الفلسطينيين؛ إنها خطوة استراتيجية ذات آثار بعيدة المدى. إنه يدل على تحول في المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية، وضربة لمفهوم حق العودة، ومقدمة محتملة لتصفية القضية الفلسطينية بينما الدول العربية وقادتها السياسيون يتفرجون دون أن يحركوا بساكن. إن عواقب هذا القرار سوف يتردد صداها إلى ما هو أبعد من الأزمة الإنسانية المباشرة، فتؤثر على ديناميكيات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والعلاقات العربية الإسرائيلية الأوسع. إنها لحظة حساب، ليس فقط للشعب الفلسطيني، بل لجميع أولئك الذين يدافعون عن العدالة وحقوق الإنسان وحل أحد أطول الصراعات في التاريخ الحديث.
*كاتبة وباحثة عراقية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

جزيرة غرينلاند تدرس العودة إلى الاتحاد الأوروبي لأسباب أمنية

اليمن الحر الاخباري/متابعات قال نائب رئيس برلمان غرينلاند، بنتياراك أوتوسن،اليوم الجمعة، إن الجزيرة تدرس العودة …