خالد شحام*
في الوقت الذي تتواصل فيه حملة الإبادة المنظمة داخل غزة وتستمر عمليات القتل والذبح بلا رحمةٍ ولا هوادة ، تتواصل مهازل ومسرحيات الكوميديا السياسية السوداء في عالم أسود اللون فاقد للضمير، أحدث بدع الرذيلة السياسية يقدمها لكم نجم كوميديا الإبادة والإجرام بذاته أمام حفنة من جماعة (الكوكلوكس كلان) في بذلات أنيقة داخل مجلس الكونجرس الأمريكي ، نستغرب يا بيبي بأنك لم تأت بطفل فلسطيني كي تُتحف جماعة الكونجرس بذبحه حيا أمامهم أو بإطلاق رصاصةٍ في رأس رضيع أو صبية مجلوبة من رفح أو خان يونس في قفص حديد حتى تريهم كيف تكافح الإرهابيين ، وحتى ترفع مستوى الإدرينالين إلى حد الرقص فوق الطاولات ، ربما كان بمقدورك جلب أسيرٍ مكبل بالفولاذ من غزة وتريهم كيف فقد عقله ووزنه في الأسر من فرط التعذيب ، ثم أين بن زفير عنك يا رجل ؟ لماذا لم تأتِ به لتقديم وصلة ردح ٍ وبصق على الذين يتظاهرون ضدكم خارج الكونجرس؟ ، كم تمنيت من هذا المجلس الموقر لو أنه ألقى برزم الدولارات أو عقود المقذوفات في ذروة حماسه وتصفيقه على رقصة الستربتيز التي قدمها الموظف الماهر أثناء جلسة كذبه على عمود المركز!
على ماذا تصفقون يا باعة النفط والحليب والقهوة والحبوب والمطاط ؟ هل تصفقون لقتل عشرين ألف طفلٍ أم لذبح خمسة عشر ألف إمرأة بريئة ؟ على ماذا تصفقون يا باعة المثلية والمخدرات وأسلحة الدمار الشامل ؟ هل تصفقون لمنتوجاتكم والفوسفور المحرم الذي أكل اللحم الفلسطيني ؟ على ماذا تصفقون تسعا وسبعين مرة يا مجرمي العالم ولأجل من؟ هل تصفقون لتحويل غزة إلى مقبرةٍ كبيرة أنتم من صنعها بفخر؟ هل تصفقون له لأنه لبى غريزتكم المكبوتة عندما ذبحتم ملايين البشر وسرقتم بلادهم ؟
هل تعرفون أيها القراء متى يكون الاستماع أخطر من الحديث ؟ يحدث ذلك عندما يقف المجرم ليشرح جريمته على طبق من الكافيار ثم يقدم جثة الضحية بمعية السالمون الأمريكي ثم يهمهم المتذوقون للذة الجريمة ، يتأكد الأمر عندما يصفق المُستقبِل للمرسل تسعا وسبعين مرة لنفهم تماما بأن الإثنين يعملان عن نفس تردد الرنين والشراكة الكاملة في الجريمة.
لا يغيب عنكم بأن مجلس الكونجرس بما فيه من أعضاء وكائنات ذات أنياب بطول عشرة سنتمترات ليس إلا واجهة وطنية ينوب فيها كل سيناتور عن سوبر ماركت لبيع الأسلحة او بقالة صهيونية رأسمالية لبيع الإعلام أو احتكار طاقة أو دواء أو غذاء أو نفط وغاز أو مشروب الكولا ، وأما وقفة المجرم أمامهم فليست إلا نوعا من الإطمئنان على مسار الاستثمارات وجردة الحساب للكلف والأرباح ومدى صلاحية الموظف للمهمة التي أوكل بها.
يعتقد رجال العصابات الذين يديرون الكيان بأن تكامل الإقفال على غزة من خلال الجرائم العسكرية والحصار والتجويع وممارسة الكذب وتقليب الحقائق وتجنيد الرأي العام ضد المقاومة الفلسطينية سوف يقود إلى محو الوعي العالمي وتقليص حجم الجريمة الفادحة في غزة إلى حد التلاشي ، لكن مشكلتهم أن الجريمة في غزة أفلتت منهم ومن العالم أجمعين وأصبحت ظلالة سوداء ولعنةً كبيرة سيدفع الكل ثمنها، هذه الجريمة ليست شيئا يمكن التعبير عنه ببضعة أرقام او عبارات، إنها نباتات حياة وحب وزواج وطفولة ودراسة جامعية وأسرة ومشروع تحرير، إنها خطيئة العصر التي جمعت في وعائها آثام العرب وشر الصهيونية ووحشية النظام العالمي الجديد ولهذا السبب فالأثمان المترتبة ستكون متضخمة وسريعة وبالمقاس الصحيح أيضا.
في القسط الأول من الثمن المستلزم ، وبعيدا عن الخطابات والتصريحات الكوميدية وخطط ما بعد غزة والتآمر الأعربي وزلم السلطة ونحاس وبن فرناس ، تتوالد نوعيات مركبة من التعقيدات والإحراجات الحضارية والأزمات غير المسبوقة في نوعيتها وفي كميتها داخل الكيان الصهيوني الذي يمثل أداة تنفيذ الجريمة ، بعض هذه الأزمات غاصت وترسخت في جذور الفكرة الوجودية وأخرى تغلغلت في مستقبلها وغرست أشواكها فيه بشكل استثنائي لأن الجريمة بحد ذاتها استثنائية في تفاصيلها والعوامل المضادة التي برزت بداخلها ، إنها جريمة حية فضحت وحشية الكيان وعرَّت سرديته وأعادت صقل القضية الفلسطينية في نظر ووجدان الشعوب وأسقطت كل المسلمات السياسية حول هؤلاء الوحوش في رصد قانوني محكم للحقائق بالصوت والصورة والمكان والزمان .
في قسط ثان من ثمن الجريمة ضد غزة ، يأتي ملعب الولايات المتحدة حيث الأمر والتخطيط للجريمة والتي يتابع العالم كله مسرحية انتخاباتها الرئاسية بنوع من الأرق المستقبلي حول من سيحكم وما نوعية التغيرات التي ستطرأ على سياسات وقرارات هذه الدولة ، لكن السؤال الأهم : ما الذي يؤرق دولة مثل الولايات المتحدة ؟ هل هي انتخابات الرئاسة فعلا أم تداعيات جريمة العدوان على غزة ؟
ننسى جميعا بين الفينة والأخرى بأن بلدا مثل الولايات المتحدة والأوزان الغربية المقيمة منذ قرون تتضمن في داخلها ما يسمى بالدولة العميقة أو المربط الداخلي الثابت ، وهذا الموصوف هو المعبد السري الذي يدخله كل وارد أو ضامرجديد ليتعمد منه لوحة التعليمات الأزلية ، يمتلك هذا المعبد أدواته وأجهزته وطواقم تنظيف وتصحيح وقوات جنجويد أمريكية للتدخل في الوقت المناسب ، لهذه الأسباب ليست المعركة داخل الولايات المتحدة عنوانها ترامب أم كاميلا ؟ جمهوري أم ديموقراطي ؟ نتانياهو أو غانتس ؟ بل هي معركة ماذا نفعل بهذا العالم الذي نفقد فيه السيطرة المطلقة ؟ ما هي المرحلة القادمة من الخطط المتعلقة بالشرق الأوسط والصين وروسيا ؟ كيف تبقى الولايات المتحدة هي الحاكم المطلق لهذه العالم ؟ ما هي المتغيرات الجديدة التي أسستها عملية طوفان الأقصى وكيف فشلنا بهذا القدر ؟ …نحن هنا أمام قسط ضخم من أحجية التعقيد والابتلاء والاضطراب والذي تسبب به صمود غزة وتفتح جبهات المقاومة .
في قسط ثالث ورابع من مستحقات الثمن هنالك أزمات أخرى عربية وغربية تنتظر كل العالم مع تكتكة ساعة التوقيت قرب رزم الديناميت الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، حيث أن دم غزة تشرب في الدولار والإعلام والحياة وكل مشتقات النظام العالمي دون أن أفصل لكم ذلك ، في المنطقة العربية ستكون هنالك أثمان فادحة قادمة تتمتع بالخاصية الدومينوية ستكون أشد فتكا ودمارا من موجة الربيع الأول ، ربيع عربي معكوس الإتجاه السابق بحيث سيطيح بأولئك الذين تضامنوا على المكشوف مع التحالف الصهيوني ضد حلف المقاومة الفطري والطبيعي .
نخلص في نهاية هذه الخارطة المتفجرة المنتظرة بأن الصهيونية بكل طوابيرها تقع في ورطة كبيرة ممتدة من حزام النار الأمريكي حتى سواحل بلاد التطبيع ، كل هذا الحلف في ورطة ضخمة القياس سواءا أدرك ذلك أم لم يفعل بعد ، وفي ظل كل هذه المآزق الناجمة عن جريمة غزة والمحاسبة التابعة الطويلة القادمة حولها ، ما الذي ننتظره وما الذي سيكون عليه الحال ؟ وما الذي يفعله المجرم نتانياهو أمام مجلس الكونغرس الأمريكي بالضبط ؟
لفهم ذلك دعونا نلهو في زمن الجد ولنذهب بكم بعيدا عن السياسة إلى العام 1982 والمكان هو قارة أنتارتيكا الجليدية المتجمدة العذراء حيث تتمدد سهول الجليد مثل سعة البصر ، يكتشف فريق علمي نرويجي شيئا ما مدفونا داخل الجليد ويرجحون من خلال ملاحظاتهم أن عمره ربما يقع في منزلة بضعة آلاف من السنين ، يتم نقل هذا الشيء العضوي إلى المعمل لأغراض الفحص والتحليل لتأتي الصدمة الأولى ، فعندما ينصهر الجليد قليلا يقفز هذا الكائن العضوي من قبره الجليدي ليكشف للجميع بأنه لا زال حيا وليتحول إلى تهديد حقيقي لكل أشكال الحياة الآدمية ، يكتشف الفريق تاليا أنهم أمام كائن متطفل إجباريا ، يغزو الجسم الحي ويقضي عليه وفي الأثناء يستنسخ خلاياه كي تماثل الكائن الأصلي بكل تفاصيله الخارجية ، وبالتالي لم يعد من الممكن تمييز الإنسان الحقيقي من الإنسان المبتلع في نطاق الإصابة ، تتجلى ذروة الحدث والحبكة العقدية عندما يبدأ الناجون من الفريق بالشك في بعضهم البعض بأن أحدهم أو كلهم هو هذا الكائن العجيب لتنتهي هذه الحدثية باستيلاء هذا المخلوق على الجميع وقتلهم دون رحمة بأبشع الطرق على يد بعضهم البعض.
هذا هو ملخص الفيلم الأمريكي المعنون بإسم الشيء (The Thing ) والذي يضع المشاهد امام دراما غريبة فائقة التطرف للنهاية البشرية بنكهة الخيال العلمي الجامح ،هذا هو المثال الوحيد الذي يليق بوصف السيد نتانياهو أمام الكونغرس ، إنه نسخة قبيحة من (الشيء ) الذي يحاول التحور والتماهي على المكشوف وبأساليب رخيصة في المشهد لاستكمال سياساته وأجنداته ، هذا هو ما يحدث وسيحدث في عالم اليوم حيال الصهيونية العالمية التي أصبحت بحق هي (الشيء ) الذي يغزو أي كيان أو جغرافيا ويتحور فورا ليصبح نسخة عنها في الصورة والمظهر لكن الجوهر مفهوم ، لم نعد نعرف كم عدد (الأشياء ) التي تقيم في المنطقة العربية والغربية ولم يعد حتى من الممكن تحديد الأصول التي كانت عليها هذه الأشياء الممسوخة عن هويتها وهوية شعوبها وتاريخها قبل الإصابة ، إن الصهيونية العالمية اليوم في أزمة وجودية كبيرة بسبب جريمتها في غزة .
طيلة العقود الماضية كانت النظرية الصهيونية تعيش في علاقة تطفلية نفعية مع الحاخامية اليهودية كي تستقي منها شرعية الجريمة القائمة على نصوص بائدة حول حقوق الأرض والتاريخ واختيار الشعب ، هذه النصوص استغِلت أيضا لصناعة اللجام الداخلي المقدس لوضع ما يسمى بالمجتمع اليهودي داخل أتون العسكرة المنشأة أصلا لخدمة الاستعمار الغربي الصرف دون لبسٍ ولا حيرة ، لقد بات من الواضح أن ارتداء هذا الزي يميل إلى الذوبان من المشهد والتلاشي ، دعاية الدولة النظيفة دينيا وعرقيا سوف تتحول في القريب غير البعيد إلى مدعاة للتحور الجديد للصهيونية المنسلخة من قشرتها القديمة نحو قشرة جديدة اكثر تقبلا في هذا العالم الذي شاهد فداحة الجريمة في غزة وعاين بعينه طبيعة هذا الفكر ، لذلك لن أستغرب ولن تستغربوا لو سمعتم في القريب فكرة التخلي عن الدولة الدينية والتي ربما بدأت بالفعل بإقحام ما يسمى (الحريديم ) في مفرمة الموت العسكرية تمهيدا لإبتلاع هذا المعلم من داخل المجتمع الصهيوني وتحويله إلى شيء جديد سريع التقبل.
لماذا تحتاج الحركة الصهيونية إلى تقمص (الشيء) ومحاكاة سلوكه ؟ هنالك ثلاث نقاط ، الأولى : هي محاولة الهروب نحو الأمام بسرعة قياسية بتجديد الخطاب ومسح الذاكرة العالمية مما اقترفت أيدي هؤلاء المجرمين في غزة كنموذج لأفعالهم والتخوف منهم وتشكيل وعي سياسي مضاد لهم ، الثانية : هي حجز مقعد في المستقبل بعد كل هذه التهديدات والفشل الكبير في غزة وضمان وجود عائل جديد في الصين او روسيا أو المنطقة العربية في حال تساقطت مملكة الولايات المتحدة وهذا العائل بالضرورة ربما يتحسس من الجانب الديني الخاص بهم ، الثالث : ان مسوغات الارتكاز على النصوص الدينية فقدت الحاجة لها واهميتها التجسيرية بين الشرعية والحق التاريخي وشعب الله المختار ، حل محل ذلك عقيدة عدمية مشتركة مع الإنسانية الرقمية الجديدة التي يتوقعون أن الذكاء الصناعي سيضع معالمها ويعجنها ضمن خلاطه الرأسمالي البحت المجرد من أية قيم أو اخلاقيات أو اعتبارات دينية تاريخية ، كل هذه الكوابيس لا يمكن تحقيقها دون فكرة ملساء إنقاذية عنوانها التخلي الديني والتماهي في عقيدة النظام العالمي الجديد التي تنتظر في أجندات التنفيذ العاجلة .
إن الصهيونية الثعبانية بحاجة ماسة إلى قفزة تاريخية من القبر الجليدي الذي سكنته طيلة الشوط الماضي كي تنقذ بقاءها ، خطوة التبرؤ والانسلاخ الديني المرحلي أو الكلي أو الجزئي أصبحت ضرورة كي تتمكن من الهروب من تبعيات الجريمة الفادحة التي ارتكبتها في غزة وربما العالم ، لقد كان التحور والتطفر في بنية الطبيعة وسيلةَ تكيفٍ للبقاء داخل النُظم البيئية المتقلبة ، لكن تحور الصهيونية وتكيفها ليس إلا دليلا ثابتا على ضعفها وبطلانها وهزال روحها وقابلية انقراضها الوجودي والسياسي كما ستشهدون في القريب العاجل .
أمام ظاهرة (الشيء) الاسرائيلي التي يمارسها الكيان الصهيوني المتطفل على الحضارة والتاريخ والبشرية ، كشفت عملية طوفان الأقصى وتوابع العدوان على غزة وعلى أمة العرب عن الفئة الجديدة التي سيكون لها المستقبل ، الفئة الصالحة التي لم تتحور ولم تتبدل ولم تغير ثوبها ولا جلدها بل اعادت إحياء الثوابت العربية والإسلامية والقومية وجمعت ما يخاف الغرب من جمعه من وحدةٍ وتضامنٍ وصفٍ واحد ، رجال صدقوا ما عاهدوا الله وشعوبهم عليه وصمدوا وتحدوا بما عجزت عنه مرحلة كاملة من أمة العرب ، لقد حدثت القفزة الأولى لنا من القبر الحجري مع عملية طوفان الأقصى وحدثت الثانية بدخول لبنان وأبطال اليمن ساحة المعركة والقادم أعظم نصرا ، كل الفئات التي تغلغل فيها الشيء الاسرائيلي وانقلبت على مصيرها وهويتها وشعوبها ستجد نفسها في مزبلة أو محرقة التاريخ وبالبنزين العربي ، واما من قاوموا هذا الشيء وتمسكوا بالثوابت فلهم البقاء والنصر والمجــد والمستقبل .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر