الثلاثاء , مارس 24 2026
الرئيسية / اراء / هل نخشى جحيم أمريكا؟

هل نخشى جحيم أمريكا؟

د. لينا الطبال*
ولكن، من يبالي؟ في غزة، حيث يستشهد الأطفال والمدنيون، يتكدس السكان في خيام ممزقة بلا أغطية أو ملابس دافئة، محرومين من أبسط مقومات الحياة. الغذاء شحيح، الدواء نادر، والبرد نفسه بات سلاحا آخر للإبادة.
طبعا لا يزعج مشهد الموت هذا والدمار العديد من الإسرائيليين… والعرب أيضا … وكل العالم.
انظروا اليهم على شبكات التواصل الاجتماعي كيف يفرحون علنا بموت أطفالنا في غزة، ينشرون تعليقات شماتة وسخرية من الضحايا… تدوينات على جدران افتراضية لمجازر حقيقية. اي اضطراب نفسي قد يدفع الى هذا الخواء الأخلاقي؟ ممارسة العنف على الاخر حتى لو كان افتراضيا هو بحد ذاته عنف…
هناك في غزة، يرتكب جنود صهاينة جريمة التطهير العرقي، انهم يجهزون شمال غزة للاستيطان، يريدون اقتلاع السكان الأصليين، وطمس هويتهم… ألم يقل رابين يوما: أتمنى أن أستيقظ وأرى غزة وقد ابتلعها البحر؟
منذ قيام إسرائيل، سعى مؤسسو الكيان إلى تفريغ غزة من سكانها وطرحوا خططا ومسميات عديدة منها تقليل “عدد السكان”، “إخلاء المنازل”، “النقل”، “الترحيل”، “التهجير”، وحتى “الترانسفير”. هذه المصطلحات كانت محورا لنقاشات رسمية خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
كان موشيه دايان، وزير الدفاع الأسبق، هو أول من طرح علانية عام 67 فكرة ضم قطاع غزة إلى إسرائيل… وخلال حكومتي اشكول وغولدامائيير تم اعتماد استراتيجية استيطانية تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة، مع تجاهل وجود السكان الأصليين وحقوقهم التاريخية.
لكن المشكلة التي واجهت اسرائيل انحصرت في سؤال واحد: كيف نتخلص منهم؟ ماذا سنفعل بـ400 ألف فلسطيني يقيمون في غزة؟ سؤال تتالت حوله الاقتراحات، هل نقوم بترحيلهم إلى صحراء سيناء والعريش، لما لا يتم نقلهم إلى الضفة الغربية والأردن، أو حتى تهجيرهم إلى دول ما وراء البحار مثل كندا وأستراليا…. ليفي أشكول نفسه قال بوضوح: “فلندبر أمرهم خارج إسرائيلنا، لكن كيف؟ هل نقطع عنهم المياه؟ ستذبل بساتينهم وتصفر؟ أو نشجعهم على الهجرة عبر حرمانهم من العمل أو عبر حرب جديدة؟ يمكننا أيضا شراء ممتلكاتهم بأسعار باهظة.
في النهاية،لم تحقق هذه السياسات أهدافها ومعظم سكان غزة ظلوا في أماكنهم، ولم يغادر القطاع سوى بضعة آلاف منهم. واقيمت أول مستوطنة إسرائيلية على أراضي دير البلح عام 1970، وهي كفار داروم، لتسبق بذلك إنشاء مستوطنة نتساريم بعام واحد فقط. وانتقاما من غزة اعتمدت إسرائيل استراتيجية اغراقها في العوز والفقر، وسعت بشكل ممنهج إلى إضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع… لقد تعمدت إسرائيل خلق فجوة هائلة في مستوى المعيشة بين غزة والضفة الغربية وتحويلها الى مساحة معزولة.
عام 2005 تم إخلاء جميع المستوطنات الإسرائيلية من قطاع غزة بموجب خطة فك الارتباط الأحادية الجانب. ولا تزال العقلية الاستعمارية تدعو لإعادة الاحتلال الكامل للقطاع، ففي زمن بن غفير وسموترش كل شي جائز..
لكن هل توقف الأمر عند هذا الحد؟ بالتأكيد لا؟ اذ تسعى إسرائيل الى تقليص المساعدات الإنسانية في غزة، التي هي شحيحة ولا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية… تقتحم المستشفيات و تعتقل الاطباء، الممرضون، والمرضى. فيما مصير د. حسام أبو صفية لا يزال مجهولا… ترى، أي مستوى من الوحشية يمكن أن يبرر اعتقال طواقم طبية وسط حرب إبادة؟
وتعالت أصوات من داخل حكومة الاحتلال تدعو لتدخل عسكري مباشر في الضفة الغربية، بحجة فشل السلطة الفلسطينية في قمع المقاومة داخل المخيمات. وهناك دعوات أكثر تطرفا تنادي باجتياح شامل واحتلال كامل للضفة.
وسط هذه الاحداث نشاهد نتانياهو يقوم من فراش مرضه، فلا شيء قادر على ردعه… في تعليق ساخر على عمليته الجراحية الأخيرة، تمنى بعض الإسرائيليين لو يُزرع قلب جديد لنتنياهو، لعل جرعة من الإنسانية تتسرب داخله، فيضع حدا لهذه الحرب العبثية في غزة.
مضحك؟ نعم…لأن المشكلة ليست في قلب نتنياهو، بل في عقيدته السياسية المتجذرة في الهيمنة والقمع… رجل مهووس بالسيطرة، متمسك بعرشه السياسي الذي شيده على دماء الأبرياء ومعاناتهم.
“قراراتي غيرت الشرق الأوسط”، هكذا تباهى بنيامين نتنياهو أمام أعضاء الكنيست مستعرضا الدمار الذي الحقه بحماس و حزب الله وسوريا والهجمات المتكررة على إيران. لكن، وبينما كان يُعلن النصر، كان جنوده يتساقطون قتلى في شوارع غزة…….
“قل لي، يا نتنياهو، هل راجعت حساباتك جيدا؟ المقاومة في غزة قادرة على استنزاف جيشك عاما آخر على الأقل، بمرونتها التكتيكية وقدرتها على إدارة معارك طويلة الأمد، رغم كل ما ترسله من نيران. فاستمرار القصف الوحشي لم ينجح في كسر إرادة المقاومة حتى اليوم “.
إنها تفاهة الشر The Banality of Evil … هذا ما يمثله نتنياهو اليوم. شر يمارس بدم بارد، بقرارات توقع على طاولات الاجتماعات، وبجرائم ترتكب تحت غطاء القانون. مفهوم تفاهة الشر هذا اوجدته الباحثة”حنة آرنت” التي اعتبرت ان الجرائم الكبرى تُنفذ عندما يتحول الشر إلى إجراء بيروقراطي بارد، قرارات إدارية جامدة تُنفذ بلا ضمير، تماما كما يحدث في غزة.
وتسألني إلى متى سيظل المجتمع الدولي متخاذلا؟
القوى السياسية اليوم، بمصالحها المتشابكة، تحمي نتنياهو من المساءلة، لكنها لن تتمكن من الوقوف طويلا في وجه عدالة الشعوب، تلك العدالة التي قد تبدو بطيئة، لكنها في النهاية تطبق… لا تنسوا أبدا، هذا الرجل صدرت بحقه مذكرة اعتقال جنائية دولية، وهو رسميا مجرم حرب. وهذه حقيقة لا لبس فيها، كما ان الإفلات من العقاب لن يستمر للأبد…
حقيقة أخرى موازية لهذا الطرح، هي تزايد الملاحقات الدولية ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي بتهم ارتكاب جرائم حرب. العالم يتحرك… الشعوب تغلي، والمجتمع المدني ينتفض، والضغوط القانونية الدولية تتزايد على إسرائيل مع اثنتي عشرة شكوى دولية ضد جنود في جيشها، تم تقديمها في كل من البرازيل، تايلاند، سريلانكا، وفرنسا، بلجيكا، هولندا، صربيا، أيرلندا، وقبرص، بالإضافة إلى جنوب إفريقيا.
إسرائيل، التي لطالما تصرفت وكأنها فوق القانون، تعيش اليوم حالة من الذعر القانوني! مع تزايد هذه الدعاوى الدولية ضد جنودها باتت تحذر مواطنيها بعدم مغادرة البلاد خشية الملاحقة القضائية… كما حدث مؤخرا في البرازيل.
نتنياهو ايضا في مأزق حقيقي، ويرزح تحت ضغط ترامب، محاولا استرضاءه بتحريربعض الرهائن على الأقل من بينهم خمسة أمريكيين، وبعض الروس، وعدد من الإسرائيليين، والجثامين. لقد وعد الإسرائيليون بأن الوقت قد نضج لصفقة في غزة. لكن حماس لن تقبل بصفقة جزئية لتستمر اسرائيل في الحرب بعد ذلك. النتيجة؟ لا شيء جديد… نفس المأزق السياسي القديم، نفس الحسابات، ونفس التعنت.
بينما ينشغل العالم بإزالة التصنيفات الإرهابية عن بعض الفصائل في سوريا، يغض الطرف عن ضحايا الإرهاب الحقيقيين الذين يسقطون يوميا تحت قصف الطائرات والميركافا الإسرائيلية في غزة… غياب سلطة واضحة في دمشق يعيد رسم مشهد القوى الإقليمية وقد يرفع منسوب الفوضى في المنطقة بينما يبقى الوضع في لبنان على حافة الانفجار في أي لحظة.
في لبنان يتم انتخاب رئيس للجمهورية تحت أزيز المسيّرات الإسرائيلية فوق بيروت، وتعمد خرق الدستور، وسط تركيبة سياسية تشير إلى اخضاع البلاد للوصاية الأميركية…. فهل سيُكمل الرئيس المنتخب المشهد بلقاء أحمد الشرع، القيادي السابق في جبهة النصرة، والمتهم بتورطه في قتل جنود من الجيش اللبناني؟ مصافحة قاتل جنودنا، أي موقف عبثي اكثر من ذلك يمكن أن نشهده؟
في مقابل أوطان منقوصة السيادة، تثبت المقاومة قدرتها على الصمود رغم التفوق العسكري لخصومها. في اليمن، يواصل الحوثيون ترسيخ موقعهم كقوة اقليمية في وجه إسرائيل وأميركا، بينما إسرائيل، لا تزال رهينة عقلية استيطانية واهمة، معتقدة أن هذه المرة يمكنها من السيطرة على المنطقة، لكن التصعيد القادم قد يقلب حساباتها رأسا على عقب.
هذا الضغط المتزايد والمصحوب بتهديدات ترامب بفتحه أبواب الجحيم ينذر بانفجار شامل قد يمتد ليشمل المنطقة بأسرها، مهددا استقرارها الهش ومؤججا للمزيد من الصراعات.
لكن مهلا، هل يعتقد ترامب أن تهديداته سترهب أهل غزة؟ أولئك الذين واجهوا جحيم الاحتلال الإسرائيلي، حيث لا جحيم أشد وأقسى من نار القصف والحصار… وجحيم إسرائيل بالنسبة لهم أشد وأقسى من جحيم أمريكا.
القوة بالعبرية تعني “عَزّاَ”، و “عَزَّا” هو أيضا الاسم العبري لغزة. هل يمكن أن يكون هذا مجرد مصادفة؟ لقد كانت غزة دائما تحمل في اسمها هذه الرسالة القوية عن الشجاعة والصمود، على الرغم من كل ما تعرضت له من عدوان وحصار وابادة، لا تزال تقاوم بشجاعة وتثبت أنها قوية لا تهزم. وان المسار المليء بالتضحيات يؤدي حتما الى النصر.
*أستاذة جامعية، باحثة في العلاقات الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان – باريس

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تستطيع إيران حرمان الصهيونيَّ من أهم أدوات هيمنته الإقليمية؟!

د. حسان المالكي* إن إتفاقيات الغاز الموقعة بين الكيان الصهيوني وكل من الأردن ومصر تشكل …