خالــد شــحام*
جلست بالأمس قرب النافذة وانا أرسل نظري بعيدا وعاليا مع سحب السماء الشاردة ولا شيء يشغل تفكيري سوى غزة ، وأحلام مستحيلة في ذورة اليقظة ، من قال بأن الأحلام مجرد سراب ؟ إنها مدن وغابات وشوارع ، يمكنك فيها أن تلمس الأشياء وتحب وتكره وتسافر وتحلق فوق السحاب وتصنع فيها ملكوتك الخاص ، من الصعب أن تحظى بحفنة من سعادة وغزة تشغل البال ، حتى رشفات الشاي هذه وقطعة الحلوى لن تتمكن من تحلية لحظاتي ، نتعلم كل يوم بأن جرعات السعادة التي تجود بها الحياة تتألف من حفنات صغيرة هنا وهناك مغموسة وسط قطع كبيرة من التعب والشـقاء ، بعضها تجده في لقمة هانئة مع لحظات الاستراحة المسروقة من معارك العمل طيلة النهار ، بعضها تراه في تحف الجمال المنثور في كل مكان ، في بسمات بعض المحرومين ومشاهد من تسامح الناس بحق بعضها ، هكذا هي سعادة الإنسان إنها حصاد لثوان سليمة النفس وفيها الاتفاق مع التسامح والفضيلة وسمو الانسانية ، لا زلت أشتاق لجرعات من السعادة افتقدها بشدة ، ملقاة بعيدا هناك بين بلاد الله الواسعة في قرية أو مدينة أو واد وضباب الجبال وحالت بيني وبينها الأيام الطاحنة.
لا أستطيع الإنكار بأن غزة تغلغلت في عقلي ووجداني طيلة الشهور الماضية ، حتى جسدي لم يسلم من هذا التأثير وربما كثيرون مثلي ، الحرب على غزة لم تكن فقط عليها ، بل على كل إنسان حر في هذا العالم ، لقد شاركنا غزة بكل جوارحنا عسى أن يشفع لنا ذلك عندها ، هنالك نزع من القصف نال منا مثلما نال من المدينة والناس ، ربما تقدمت أعمارنا خلال هذه الشهور بضع سنين دون أن نشعر ، آلام المفاصل بدأت تصبح حقيقة بعد ان كنت تسمع عنها من الآخرين وتستغرب من شكواهم ، الشعوربالتعب وسط ساعات النهار يصبح حدثا دخيلا ، عليك أن تحتال عليه وتتفاوض معه ، انهماك الناس في حياتهم أصبح جزءا من مبتعداتك ، قدرتك على الاحتمال النفسي وتقبل التافهين واللصوص تنقلب إلى نزق وتفريط في الدبلوماسية ، عبثا تحاول استعادة اللياقات السابقة ، كل أساطير تحسين الأداء والمكملات الغذائية والفيتامينات والعناصر الغذائية تصبح جزءا من مكتبة الهراء والعبث واللحاق بأمل واهم يثبت ضعف هذه النفس وصدق نبؤات الزوال ، ليس هذا كل شيء فحسب ، بل يضاف إلى المذكور أن هنالك كسوة من السواد تظلل أفكارك وتشعر بأن كل هذا العالم ليس على ما يرام ، هنالك ظلام مقيم في عز الظهيرة ، العجيب أكثر ان كل ذلك يدب دفعة واحدة في أوردة الأيام .
مع طاحونة الزمان تكتشف أن بداخلك رجلٌ ما ، يحاول أن يمسك الرجلَ الظاهرللناس ، هذا الذي في الداخل يرفض أن يصدق أن هذا الذي في الخارج قد نما وكبر وتجعدت ثنايا وجهه وعروق يديه ، يحاول دوما أن يقنعه بأنك لا زلت أنا ولم أتخل عنك ، تكتشف تباعا أن متعلقات كثيرة تبدأ بالتساقط مثل ورق الخريف المسافرنحو الأصفر مع نسمات أيلول المودعة .
ومع مضي الأيام وتوالي الفشل في مسك هذه المتعلقات تبدأ بالتيقن بأن هنالك أشياء يجب ان تسمح لها بالتحرر والذهاب منك وعنك ، لم تعد هنالك قابلية للإمساك والتشبث ولا حتى للتفاوض ، اتركها ترحل حتى لو نزلت دمعةٌ منك ، لقد حان وقت الفراق ، والتفت الساق بالساق ، لقد أصبحت الأشياء مثل ورقة الشجر التي يجب أن تبتعد في التوقيت الصحيح وتسقط وتذهب مع الريح بعيدا لكي تخضع لقوانين الكون ، أشياء ربما هي أحبتك أكثر مما أنت أحببتها ، وربما هي تتمسك بك أكثر مما أنت تتمسك بها ، لكن قوانين الطبيعة تسري فيك وفيها مثل تجربة علمية محتومة النتائج ، تشعر عند ذلك كله بأن ذلك الذي في الداخل بدء بترك يدي ذلك الذي في الخارج .
ذات مرة حين كانت سفرتي الأولى إلى المجهول ، لمحت والدتي خلسة وهي تتوارى تبكي بحرقة ولكن بصمت ، لم أتمكن من استيعاب سر هذا الحزن بابتعادي لمدة وجيزة ، تبين لي بعد ادراكي العلمي بأن نظرية الانفجار الأعظم هي السبب وبأن انجراف المجرات نحو الأحمر يلعب دورا هنا ، فنحن في نهاية المطاف كائنات مصنوعة من روح هذا الكون ومن نفس مشتقاته وتنطبق علينا كل قوانينه التي تبدو أنها مخصصة للجمادات ، وهنا يكمن درس صغير في داخل الدرس الأكبر بأنه لا يوجد في هذا الكون شيء اسمه الجمادات فكل حي بطريقته الخاصة وكل في فلك يسبحون ، في القسط الأخير من رحلة الكون تبدأ مكوناته بالتباعد والتفكك وكل يجري إلى مستقر له ، وبما أن كلا منا يمثل كونا صغيرا في بحر هذا الكون الكبير فذلك ما يجري لنا أيضا حيث تبدأ الأشياء بالتباعد عنك بعد رحلة هذا العمر ، يتباعد أصدقاؤك القدامى الذين تشتهي رؤيتهم ، يسرقهم الموت والعمر والتعب ، يتباعد أبناؤك سـفرا وكبرا وحبا وقربا أو قسرا وغصبا ، يتباعد من نحبهم ويرحلون عادة بعيدا بعدما ينتزعون قطعة من قلبك ، حتى الأماكن التي قتلتك حبــا تنتزع قطعة من قلبك وتلقي بك بعيدا غصبا عنها ، تتباعد عنك كل الأشياء التي تعلقت بها ، أوتكتشف أنها اختفت وغاصت في بئر الزمان ، تتحقق نظرية السعي إلى التباعد تماما كما تروي نظرية الميل إلى الأحمر ، وبنفس المنطق تبدأ بصيرتك برؤية خطوط حمراء في ظلمة الليالي التي تحدق بك ، تبتعد و تنسحب في كل الاتجاهات كلما أغمضت عينيك ، بعيدا عنك ويخفت نورها بالتدريج دون أن تفهم كيف أو لماذا .
أخيرا بعد كل هذه السنوات عرفت بدقة أكبر لماذا تبكي الأمهات مع كل سفر أو غياب في امل ضائع أو سفر بلا رجاء ، لقد كانت تدرك ضمن قانون الوصول وتعلم بفطرة ملهمة من نظرية الانفجار الأعظم بأن نجمهــــا الذي صنع كل هذا الحب ، آنَ لمكوناته أن تتفتت وتتباعد نحو الطيف الأحمر بلا عودة ، ربما كانت تلك الدموع تقول في سرها : ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين !
كلتة العمر الزمنية ليست إلا قطعة صلبة من الجليد تذوب ببطء ، ومع ذوبان الكثيرمنها تتكشف حواف المفاتيح الصحيحة من الدرجات الكافية والوعي المعرفي ، وقد تكون محظوظا إذا صادفت الإنسان أو الظرف الزماني المكاني الذي يضع كل درجاتك ومعارفك تلك في المربط الصحيح ، والذي بدونه لا يمكن للأجزاء أن تتكامل وتتحول إلى لوحة واضحة المعاني ، هنالك تحدث لحظة فارقة في العمر بحيث تدرك أن هذا الجسم الذي تغذى ويعيش مثل الطفيليات على طيف واسع من المتطلبات يؤوي بداخله كيانا خفيا لا يدركه العلم اسمه النفس ، وهذه النفس تطيب بتقدم السنوات ويصبح محتواها أغلى وأرفع ثمنا ومستوى ، هذه لا تهرم ولا تتآكل مثل جسدك ، بل تمضي في النضج والتوهج كلما صقلتها ومنحتها ما يمكنها من الاستضاءة ، تحدث الإستضاءة تلقائيا عندما تفهم أكثر أن قربك من الله هو سر سعادتك الجوهرية الداخلية التي لم تفهم أسرارها إلا بعد هذه الرحلة الشاقة ، وعندما تضع يدك على هذا السر الصغير تنقلب كل الأشياء في الحيز المادي الدنيوي إلى وسائط قربى وتفهم أن هنالك رنينا خاصا يقترب من النقطة الصحيحة بأعلى توافق كلما إطمئن قلبك بعبادتك وخضوعك المطلق لله ومتنزلاته ، يصبح القرآن الكريم هنـا جهاز الإرسال والاستقبال الراديوي للتواصل مع مستوى يفوق كل القوانين العلمية ونظريات الفيزياء والكيمياء والرياضيات المجردة ، لكن عليك أن تضبط مؤشر الإبرة في الموضع الصحيح عند التردد الصحيح حيث يتحول قلبك العضوي وبما فيه إلى حساس الاهتزاز ، قلة قليلة جدا من الناس تبلغ هذه الدرجة الرفيعة من النفس والتي يحدث فيها تردد الرنين الدقيق والصحيح للتمكن من اقتحام أبعاد أعمق مما يراه العامة ، ثم يتلاشى كل الضجيج من حولك لتسمع همســـا غريبا لأول مرة في حياتك .
وهكذا مع هدير الأيام الجارية في عروق السنوات يتسع طوفان الوحدة ، الوحدة الكافية لتمنحك جرأة السؤال الأزلي واللحظة الهادئة الوحيدة لتشرب بقهوة الصباح رشفات الزمان الذي أفلت من بين يديك وتعيد تصالحه معك كي يحسن استقبالك عندما تذهب أنت إلى ضيافته بعدما استضافك هو كل هذه السنين .
تقول فيزياء المستحيلات بأن تباعد المجرات يفضي إلى أن تخلف وراءها طيفا أحمر لكل من يراقب من بعيد وفقا للتفسير الذي تقدمه فيزياء دوبلر ، لكن فيزياء الحكمة لها رأي مناقض تماما لكل أفكار دوبلر والاتساع الترددي ، وتقول بأن هذه الكتلة النجمية إنما تترك أثرها في كل مكان وترميه لأكبر قدر من سعة الكون تبعا لقانون الإحسان الذي وضعته سنن الخالق الحكيم في خلقه ، وبذلك فهي لا تتباعد ، بل هي تذهب إلى كل مكان حتى تلقاك أينمــا تحط بعد الرحيل ،و تترك نفسها وبصمتها وتنثر محبتها استعدادا لمن يستحقون في أرجاء هذا الكون .
هذا هو بالضبط ما تفعله غزة في هذا العالم وهذا الكون ، غزة التي تجاوزت حدود قطاع صغير محاصر يعصر دما وألما ، إنها نجمةٌ يفيض الحب منها نحو مرتفعات الشمال والجنوب والشرق والغرب ، غزة التي ملأت حياتي حبــا وكرامة وعلمتني صعود الجبال والركض في السهول والغنـــاء في ألحان الثورة ، غزة التي ملآت هذا الفراغ الكوني الكبير الذي نعيشه وأعادت لنا بصمودها وتضحياتها وكرمها اللامحدود معنى الحياة ومعنى النضال ، غزة التي هي الان نجم يرمح في هذا الكون الشاسع وتملأ كل فراغه بالخطوط الحمراء كي تصنع نجومــا جديدة تشع من جديد .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر