سمير البرغوثي*
قبل قرنين من الزمن تنبأ عالم الاقتصاد والاجتماع الشهير الفيلسوف الالماني كارل ماركس ان الراسمالية في مراحل تطورها المتقدمة ستعاظم الطبقة المهيمنة من ارباحها الفاحشة وستتركز الثروة في أيدي فئة قليلة من البشر وحينها تبدأ باكتساب سمات الوحشية شيئا فشيء ولا تكترث لاي معيار انساني في طريق الحفاظ على هيمنتها عندما تشتد الازمة العامة للرأسمالية
مع نهاية عام 2024 قدر صافي الثروة في الولايات المتحدة ب 160 تريليون دولار (الاملاك المنقولة وغيرة المنقولة للمواطنين مخصوما منها الالتزامات والقروض) يملك فقط 1% من السكان ثلث هذه الثروة من بينهم 721 ملياردير (163 منهم ينتمون للطائفة اليهودية) يملكون 5.5 تريليون دولار هذه الفئة تحكم قبضتها على مفاتيح الاقتصاد الامريكي ومنه على وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ومعاهد الابحاث والراي والجامعات وصناعة السينما والفن وكل شيىء يدخل في برمجة عقل المواطن الامريكي.وبنفوذها المباشر وغير المباشر تضع سيد البيت الابيض في مكتبه وتعين ادارته وتضمن انتخاب كونجرس يراعي مصالحها ويدين لها بالولاء وهي من يقود الحزبين الديموقراطي والجمهوري وتوحدهما في القضايا الاستراتيجية (ضمان هيمنتها وقبضتها على اميركا والحفاظ على مصالح الشركات العملاقة وخاصة في المجمع العسكري الصناعي وحديثا احتكارات التكنوجيا المتقدمة,التمسك بالتوجهات الاستراتيجية الكونية للسياسة الخارجية وبضمنها الدعم الثابت والمطلق لاسرائيل) واذا كان لا بد من تمايز بين الحزبين فلا ضرر من الاختلاف في قضايا لا تمس هياكل النظام الذي تقوده كالموقف من الاجهاض والتحول الجنسي والانتماء الكنسي واسلوب التعامل مع الاقليات والسكان غير البيض والرشوات البسيطة في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي للاغلبية الفقيرة ومحدودة الدخل تجنبا للانفجار
لقد اعتبر ماركس ان تسارع تمركز الثروة (ارتفعة حصة 1% من السكان في ربع القرن الاخير من 22% الى 31% ومنذ عام 2020 ووتيرة التسارع تشتد) وتعاظم الربح الفاحش ملازمتان لتفاقم الازمة العامة للرأسمالية هذه الازمة التي ستجبر الفئة المهيمنة ان تنحو الى الشراسة والعدوانية وعدم مراعاة للمعايير والقوانين الانسانية واكثر انزعاجا وضيقا من اطر النظام الديموقراطي التى ارسته ذات الطبقة لدى صعودها واثناء صراعها مع النظام الاقطاعي السابق
الولايات المتحدة الامريكية رغم عظمتها تعيش اشد مراحل ازمتها العامة فالدين العام بات يناهز 35 تريليون دولار ويرتفع بشكل متزايد وتدفع 1.1 تريليون دولار فوائد على هذا الدين في حين تخصص 1.5 تريليون دولار لبرامج الدعم الاجتماعي الذي يسد رمق عشرات الملايين من كبار السن والفئات محدودة الدخل واذا استمر الوضع على هذا لن تبقى فوائد الديون لهم ما يسد رمقهم والعجز في الميزان التجاري تجاوز تريليون دولار حيث ثلث استهلاك العالم في الولايات المتحدة في حين لديها ربع الانتاج العالمي وهذ الفرق ان تعاظم يفاقم ازمة الديون وعجز الموازنة والعجز التجاري
بشعار ماغا (جعل اميركا قوية مجددا) الذي خاض بة ترامب الانتخابات الامريكية وخلفه الفئة المهيمنة, منها ما يعلن دعمه علنا ومنها بشكل مستتر كأقطاب الجناح اليميني في الحزب الديموقراطي تسعى الراسمالية الامريكية لاجراء عملية جراحية كبيرة في كافة مناحي الحياة في البلاد لاستشعارها ان السفينة ذاهبة الى الغرق اذا ما استمرت الامور على حالها, والعملية تهدف الى الارتداد عن سياسة العولمة التى فرضتها اميركا على العالم بعد كساد 1928 وتسارعت بعد الحرب العالمية الثانية وكذلك خفض الانفاق الحكومي وخاصة في بنود الخدمة المدنية والصحة والتعليم والدعم الاجتماعي مما يعني توجيه ضربة قوية لفئات الدخل المحدود وما تبقى من الطبقة الوسطى.ولانجاح العملية كما ترى الفئة المهيمنة لا بد من تشديد قبضة القيادة وتحجيم كل رأي معارض في مختلف مؤسسات المجتمع من اعلام وجامعات ومعاهد ابحاث ونقابات ومنظمات اهلية وحركات اجتماعية كما انها ترى ان القبضة القوية تتطلب قيادة البلد مباشرة وليس عبر وكيل كجهاز الدولة البروقراطي المترهل ابعد من ذلك ترى هذه الفئة المهيمنة ان “نبش الدستور الامريكي” قد يكون مبررا اذا لزم الامر والجهاز القضائي المستقل يجب ان يكون في خدمتها وتعتبر التقيد في مباديء الحرية والمساواة والقوانين الانسانية والدولية امرا سخيفا بمعنى اخر السير باتجاه الشمولية والدكتاتورية في ادارة المجتمع.
ليس بالضرورة ان تتمكن العملية الجراحية من ازالة المرض فهو مستعصي ووليد تناقضات النظام بحد ذاته ولكن قد تتمكن تخفيف الالم مؤقتا ليعود لاحقا بعنفوان اكبر. اما الحقيقة الثابتة فهي ان الهوة بين طبقات المجتمع ستزداد الى ان تصل حد الانفجار
منذ عام 1990 زادت ثروة اغنى الاغنياء في قمة الهرم بنسبة 48% ولذات الفترة بقيت القوة الشرائية لمداخيل الطبقة الوسطى على حالها اما الفقراء فدخلوا في دائرة الفقر المطلق كما توقع ماركس وهذا اتجاه حتمي لا يمكن معالجته بعملية جراحية او مسكنات. انفجار الرأسمالية الامريكية ات لا محالة ومجتمع ما بعد الرأسمالية حتما سيولد كما تنبأ ماركس ولكن هذه المرة لن يكون مشوها كالذي أنشأه لينين وخلفاءه في موسكو مطلع القرن الماضي.
في معرض تحليله لتطور المجتمع البشري استخلص ماركس ان التطور النوعي في ادوات الانتاج ومعها قوى الانتاج هو دينامكية الانتقال من مجتمع الى مجتمع ارقى هكذا راى دور اختراع القوس والنشاب بنقل المجتمع من المشاعية البدائية الى العبودية ومنها الى الاقطاع باختراع المحراث ومن الاقطاع الى الرأسمالية باختراع الالة البخارية, من يدري فربما ثورة الذكاء الصناعي هي من ستتكفل بنقل البشرية الى مجتمع ما بعد الرأسمالية.
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر