السبت , يونيو 13 2026
الرئيسية / اراء / هندسة المفاوضات وإعادة تعريف المقاومة الفلسطينية!

هندسة المفاوضات وإعادة تعريف المقاومة الفلسطينية!

خالــد شــحام*
في الوقت الذي تحدث فيه مهزلة المفاوضات داخل مدن تكييف الهواء الحــار، حول كم و كيف ومتى يمكن الاحتيال على الصمـود والانتصار الفلسطيني ، تتمدد فقاعة المحادثات ثم تتقلص ، تتسع ثم تعود لتضيق ، محتارة بين الهوس بفرصة الإبادة والتهجير التي لن تتكرر أو القبول بالهزيمة غير القابلة للتفسير ، لاعبون كثر، طلبات كثيرة ، ديليفري وأون لاين وعلى الهواء ومن سطح طاولات البلياردو ومن فوق الطحين ومن تحت القتلى ، طائرات تقلع وأخرى تهبط ، قوى عظمى متنكرة وأخرى صغرى بحجم الفأر أو بعظمة البعوضة تحاول التشبث ، استشارات ظاهرة وخفية تركض أفقيا وعموديا تتوالد بمعيتها مستويات طازجة من الخيانة والرخص والوساخة السياسية ومقترحات ابتكارية في خيانة العروبة والتآمر على الإسلام ، هنـا حيث يتزاوج التطبيع ويتكاثر لاجنسيا بالتبرعم ويُنتج نسخا مشـوهة من زعامات و رجال قبائل ومثقفين وأنصاف صحافيين يتمسحون بالكنيست وبالابراهيمية وبالعبرية في زمان الانحطاط ، عرب وأمريكان وحاخامات وغيلان وأشباه قرود ومزيج عَزَّ نظيره ، قلة من المشفقين وكثير من المجرمين ، الجامع الوحيد الذي يجمعهم هو الإطاحة بهذه القوة الثابتة في غزة التي تساقط كل شيء من حولها وبقيت وحدها لأسباب غامضة لا يمكن فهمها ضمن لوائح العساكر وحروب الإبادة ولا حتى ضمن علوم الإنسانيات .
نحن في الواجهة أمام مفاوضات أو ما يبدو أنها فرصة لالتقاط أنفاس لاهثة للجميع وايقافٍ ما لنزيف الجرح الفلسطيني ، لكننا في الحقيقة امام نوع من الاستسلام الصهيوني الذي يجهد نفسه ليكون فخــا جديدا في اللحظات الأخيرة ، تحدٍ جديد يفرضه ايقاع المعركة الدائمة وتحت هذا الايقاع تتم هندسة التطرف العربي بحلته الابراخيمية ليكون أداة كسر للإنجازات التي حققها الفكر المقاوم ، نحن أمام لحظات فارقة يحدث فيها الاحتيال على المقاومة وشعب غزة لتدوير الفشل السابق في كل الخطط وصناعة محتوى تلاعبي جديد ، نحن امام مهمة مؤكدة لتأديب ايران لقـاء الصواريخ التي كسرت أنف تل ابيب ، وتوجيه ضربة قاضية للنظام الحاكم بوصفه خطرا فكريا يجب احتواؤه وهضم كل رصيده واذابته في نسيج محبوك عند الخياط الاسرائيلي وخيوطه عربية (سنية ابراخيمية ) خارجة عن الملة والسنة والجماعة التي يُدعى عليها زورا وبهتانا ، نحن أمام مهمة وخطة محبوكة طازجة لتهيئة سوريا الجديدة المنكوبة مرتين لتكون الحربة الصهيونية الجديدة في المنطقة ومساحة املاءات تغطي على عورات الفشل الذريع في قلعة الصمود غزة ، نحن أمام مؤامرة ترامبية – نتانياهوية أقرب معالم للأمان فيها تبعد بأكثر من ألف كيلومتر ، هذه هي إطلالة على جوف المفاوضات التي تجري في مدن ما يسمى بالوساطة .

ad
لقد ارتكبت الصهيونية العالمية كل أشكال الموبقات والجرائم التي يمكن تخيلها ضمن قاموس القرن الحادي والعشرين ، لم يقتل جيشُ المخربين الاسرائيلي أفرادَ المقاومة في غزة كما يدعي فحسب ، بل قتلوا الطفل المولود منذ شهر أو بضعة أيام ، قتلوا جائعا محروما يبحث عن طعام يسد به رمق صغاره ، قتلوا اُمـا ترعى صغيرها وقتلوا الجدة التي ترقد في فراش المرض ، لم يسلم منهم شيء ولا أحد ، أشكال الجريمة الأمريكية –الاسرائيلية لم تتوقف عند أعمال القتل ، بل نحن أمام إرهاب نظامي رسمي يبدأ من رأس هذا الكيان وينتهي بمجرد (مواطن ) يعيش في داخله ، دويلة كاملة إرهابية مفصلة تفصيلا لتكون دولة الجريمة ، لدينا جريمة نظامية كاملة يقدمها ما يسمى رئيس الوزراء وطاقمه المنتخب من خريجي السجون وعصابات الشوارع ومافيات الحارات الضيقة بكل معانيها ، يقدم لنا ايتمار والأشقر القذر نموذجين للجريمة الإعلامية ، وصراحة نرحب بتصريحات أمثال ( وزير الأمن ) و (وزير المالية ) التي يدعوان فيها علانية إلى ارتكاب الجرائم والقتل والتهجير والإبادة لأنهما يقدمان خدمةً مجانية مهمة جدا لكل شرفاء هذا العالم عندما يعريان اللب الفكري الداخلي النموذجي للكيان الصهيوني ويكشفان البواطن التي توارت تحت الحداثة طيلة عقود .
في داخل هذا الكيان المجرم سقطت كل معاني الإدعاء والحداثة والتحضر الذي يلقيه المجرم بنيامين على مسامع العالم الذي مَلَّ من سخافة وكثرة وسطحية أكاذيبه ، سقط الشرف العسكري ولم يعد لدينا جيش بل حفنة من الخارجين عن البشرية والمشحونين بالحقد والعنف والإرهاب العقائدي ، لم تعد هنالك مؤسسات أو منظمات وطنية ، بل سلسلة من المنشآت والطواقم العاملة فيها كلها تخدم الجريمة المنظمة ولديها ميزانيات مخصصة للقتل والتخريب بشكل أساسي ، لم يعد هنالك من قوانين او ضوابط أو إنسانية حيث يكون المجتمع جزءا من آلية التجييش والمطالبة بمزيد من الدماء البريئة لتحقيق شهوته ورغبته في الأحمر ، لدينا مايك هاكابي الذي يذكرنا بذلك المجرم الأشقر من طائفة المورمون التي تظهر في أفلام الويسترن القديمة حيث يقتل ويحرق ويسرق ويغتصب القرية التي أغار عليها ثم يتلو صلاته قرب الجثث في نهاية القصة حمدا للرب على نعمة القتل والإبادة ، هذا هو النظام الصهيوني – الأمريكي مع رتوش خفيفة تزين التاريخ والمظهر وتسوق رواية التفوق العرقي الذي يبرر كل مظاهر الإبادة .
بموازاة حدث المفاوضات الهزلية التي تجري ، لا يتوقف السيد رئيس الوزراء المجرم المدان عن ترديد عبارته المرضية الدائمة العالقة في ذهنه بشكل لا إرادي : إزالة حماس ونزع سلاحها والقضاء عليها ! يريدون من غزة الموت بصمت والركوع والتحول إلى رحلة جديدة من فصول التهجير ، يريدون حسبما تقول الميكروفونات وصحف الجريمة المنظمة أن يركعوا المقاومة وحماس ويفككوا بنيتها وتركيبها وأسلحتها ويضربوا برنامجها النووي والصاورخي ويقصفوا منشــأة جباليا النووية ، ومنشــأة خان يونس للتخصيب ، ومنشــأة النصيرات التي تقع على عمق 80 متر تحت سطح الأرض ويجري فيها تصنيع صواريخ بالستية فرط صوتية لا يقل مداها عن 2500 كيلومتر ، تماما كما فعلوا مع ايران ، السؤال المحوري الذي يخطر في ضمائرنا : هل من المعقول أن كل هذه العمليات الإجرامية لتحطيم حماس وبنية حماس ومقاتلي حماس طيلة شهور النار لم تكف ؟ هل من المعقول أن هذه الجماعة (الإرهابية ) أعجزت هيبة وعظمة الحلف الأمريكي العريض طيلة سنتين ؟ هل من المعقول أن دولة غزة العظمى استعصت الى هذا الحد ؟ هل من الممكن أن كل القدرات المتطورة من الذكاء الصناعي والطبيعي وقذائف بوزن الطن وطائرات إف35 الخارقة ، وألوف مؤلفة من جنود الإنس والجن والبدو والحضر عجزت عن الفتك بمقاتلي المقاومة ؟
ad
ما هي حماس ؟ هل نتكلم هنا عن فصيل مقاتل أم فكرة أم ايديولوجيا أم ماذا بالضبط ؟ ولماذا ترفض هذه أن تنتهي أو تستسلم وتريح الجميع ؟ الجواب سادتي هو نعم ، لم تنته هذه المقاومة ولم ولن تستسلم حتى لو طال القتال سنوات أخرى ، و لو أحضرتم جُند الغرب ومارينز الولايات المتحدة العظيمة ، لن تنتهي ولن تستسلم حتى لو ضربتم غزة فلسطين بقنبلة ذرية تكتيكية أو أحرقتم أرضها كما فعلتم يوما بمدينة هدســن الألمانية ، والسبب البسيط أنكم لا تفهمون على الإطلاق ما يجري ولم تفهموا قواعد اللعبة منذ البداية ولم تتعملوا الدرس حتى بعد كل هذا القتل والجرائم المروعة .
المقاومة الفلسطينية اليوم والان في هذا الظرف الراهن وبطليعتها حماس والجهاد الإسلامي تمثلان المضاد الحيوي الطبيعي الذي تفرزه الحياة لمكافحة الالتهاب الاسرائيلي وكل ما ومن ينوب عنه في جسد هذا العالم ، لقد أصبحت هذه المقاومة بمثابة الجامع الشامل لكل حركات التحرر عبر التاريخ ولكنها الأكثر ضياءا ونصاعة وشرفا وخلقا وأدبا وإعمارا في الأرض وإحسانا للحيــاة وتكريسا لمبدأ التكريم الذي وهبه الخالق للإنسان ، حماس الفلسطينية هي الروح الحرة التي ولدتها غزة وهي الان تجوب فوق حوض البحر المتوسط وتحلق بعيدا نحو الشمال والجنوب والشرق والغرب لتلهم الشعوب الحرة وتعيد تفكير كل إنسان مظلوم بقضيته وقابليته للنهوض وكسر القيود ، ولهذا السبب يطاردها الجميع بلا هوادة ويحاصرون حتى اسمها في عواصم الرماد ، هذه المقاومة لم تتمكن من هدم الجدار الأمريكي وتضع فيه عبوة ناسفة فحسب بل تقدم الان الإطار العام النظري والعملي لثورة شاملة ضد الطغيان بكل معانيه في هذه الأرض ليس لشيء إلا لأنها وقفت في وجه الشر الأعظم وتمكنت من اقتحام ظلال الخوف والرعب المزروع في بلادنا .
إن المقاومة لم تهزم الكيان عسكريا فقط وتلطخ جبروته وهيبته بالضربات الموجعة بل هزمته أولا أخلاقيا بتفوقها الإنساني والحضاري ، لقد أثبتت أمام كل المتفرجين أن الثقافة العربية الإسلامية ليست عاقرة ولا عقمت عن ميلاد المستقبل بالإنسان الذي يتفوق بإنسانيته ، وثانيا هزمته في ادارة المعركة وصلابة الرأي والنهوض بعد استيعاب أشد الضربات ، لقد هزمته أيضا حضاريا عندما صنعت معجزة العصر المقاوم ومكنت شعوب الأرض قاطبة من الوقوف مع الحق الفلسطيني في أرضه ودولته وأرغمت الجميع على رفع التحية لهذا الصمود الخارق لأهل غزة ، لقد نجحت هذه المقاومة في متانة روابطها وتماسك نسيجها وإدارتها ، هزمتهم بالتمكن من إخفاء الأسرى وإبقائهم أحياء طيلة هذه الشهور المريعة ، هزمتهم أيضا في الحفاظ على جثث القتلى مما يشير إلى منظومة مستقلة لم تتأثر بكل أعمال التخريب التي سببها المجرمون في بنية غزة وخدماتها ، لقد هزمت غزة جيش الشيطان بأروع نماذج التضحية والصمود الأسطوري لشعب مسكين أعزل مجوع مروع تسببت مأساته في هز البشرية عبر أصقاع الكوكب من جذورها وانطلقت لأجله ألوف المظاهرات المنددة بأعمال المجرمين .
لقد اخترقت حركة المقاومة الفلسطينية التاريخ من كل طبقاته المصفحة بفولاذ الرأسمالية الهمجية المتوحشة ومزقت كل نصوص التلمود وألقتها بعنفوان في وجه المجرمين ، لقد خرجت هذه المقاومة من فكرة انها فصيل مسلح أو تنظيم داخلي بين صفوف أهل غزة يتولى مواجهة أعتى حرب إبادة عرفها التاريخ منذ وجــد ، المقاومة الفلسطينية تحولت إلى روح عامة لعلاج كل مشاكل الوباء الإسرائيلي ، تقدم أداءها بما يقبله العقل وتستسيغه الروح مثل الماء البارد العذب ، إنهــا فكرة عقلية روحية متجذرة أوجدت حلولا ناجحة لمشكلات لا حل لها منذ سنوات طويلة ، إنهــا نمط حياة يعيد إحيــاء الحياة ويبعث فيها هرمون السعادة والكرامة والشعور بقيمة الإنسان ومعاني وجوده وتؤهله لاحتمال ما لا يحتمل ، ولهذا السبب لن ولا يمكنكم أن تحققوا أحلامكم بإزالتها ، لقد انتصرت المقاومة في غزة وليس أمامكم إلا الاعتراف بانتصارها العظيم .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حرب شاملة أم إعادة صياغة لقواعد الاشتباك؟

د. سماهر الخطيب* يقول كارل فون كلاوزفيتز “الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، بمعنى …