سارة المقطري*
يعيش الكيان الصهيوني واحدة من أكثر لحظاته تقلبًا في العصر الحديث الا ان روجيه جارودي في كتابه “الأساطير المؤسِّسة للسياسة الإسرائيلية ذهب إلى القول بأن «دولة إسرائيل هذه ليست سوى حاملة طائرات نووية حصينة تابعة لسيدة العالم مؤقتًا: الولايات المتحدة الأمريكية، التي تريد أن تفرض هيمنتها على نفط الشرق الأوسط الذي يمثل عصب النمو الغربي” , ومما لا شك فيه أن هناك تأثيرًا قويًّا لإسرائيل في السياسات الدولية للغرب الداعم له، وبوجه خاص في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي هي الحليف الأقوى في العالم والداعم لها على الدوام والتي تمتلك فيها اسرائيل جماعات ضغط قوية على سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها؛ ولكننا لا ينبغي أن ننسى أنها في النهاية مجرد أداة بحكم فكرة نشأتها بمقتضى وعد بلفور الذي هو وعد من لا يملك لمن لا يستحق انما تشير مجموعة متزايدة من المعطيات والأدلة إلى أن هذه الصورة بدأت تتصدع، وأن الكيان يواجه تحديات داخلية وخارجية عميقة تهدد استقراره ومستقبله يمكن تحديدها فيما يلي :
الفشل العسكري: نهاية أسطورة الجيش الذي لا يقهر
لطالما كان الجيش الإسرائيلي رمزًا للقوة والهيمنة في المنطقة، ولكن الحروب الأخيرة، وخاصة في غزة واليمن ولبنان، كشفت عن تآكل كبير في قدراته وأسطورة “الجيش الذي لا يقهر”. الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدها الجيش في هذه الصراعات أصبحت مؤشرًا واضحًا على هذا التراجع. ففي عام 2024 وحده، انضمت 5942 عائلة إسرائيلية جديدة إلى قائمة الأسر الثكلى بحسب تقرير بثتة القناة 12 العبرية ، وتم استيعاب أكثر من 15 ألف مصاب في نظام إعادة التأهيل هذه الأرقام الصادمة تعكس حجم الخسائرالبشرية التي لم يعد المجتمع الإسرائيلي قادرًا على تحملها حتى ان الخسائر لم تقتصر على الافراد بل امتدت لتشمل العتاد العسكري. فقد أقر الجيش الإسرائيلي بتضرر عدد كبير من دباباته ونقص في الذخيرة. وفي المقابل، أعلنت المقاومة الفلسطينية عن تدمير وإعطاب آليات ودبابات عسكرية إسرائيلية، هذه الخسائر المادية الضخمة أجبرت الجيش على إدخال مدرعات قديمة إلى الخدمة، مما يظهر حجم الأزمة التي يواجهها سلاح المدرعات الإسرائيلي , هذا الاستنزاف في القدرات العسكرية يتطلب زيادة هائلة في الميزانية الأمنية.
هذا العبء المالي يأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإسرائيلي من انكماش حاد، مما يضع الحكومة في مأزق حقيقي بين تلبية الاحتياجات العسكرية الملحة والتعامل مع الأزمة الاقتصادية الخانقة.
التراجع الاقتصادي: بداية الانهيار من الداخل
يُعد الاقتصاد الإسرائيلي أحد الركائز الأساسية التي اعتمد عليها الكيان في بناء قوته وتأمين استقراره , إلا أن الأحداث الأخيرة، كشفت عن هشاشة هذا الاقتصاد وتأثره البالغ بالصراعات الإقليمية بحسب البيانات الاقتصادية . ففي الربع الثاني من عام 2025، شهد الاقتصاد الإسرائيلي انكماشًا حادًا بنسبة 3.5% من إجمالي الناتج المحلي بحسب دائرة الاحصاء المركزية الاسرائيلية ,هذا التراجع لم يكن مجرد رقم عابر، بل كان انعكاسًا لتدهور شامل في عدة قطاعات حيوية , حيث تأثر الاستهلاك الخاص بشكل كبير وتراجع بنسبة 4.1%، مما يشير إلى انخفاض القوة الشرائية للمواطنين وتأثرهم بالظروف الاقتصادية الصعبة, والأدهى من ذلك هو تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 12.3%، وهو مؤشر خطير يعكس ضعف ثقة الأعمال والمستثمرين في مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي. هذا النقص في الاستثمار يهدد النمو المستقبلي ويقلل من قدرة الاقتصاد على التعافي ولم تقتصر التحديات على الجبهة الداخلية، بل امتدت لتشمل التجارة الخارجية. وبهذا يتوقع العديد من الاقتصاديين أن يلجأ بنك إسرائيل إلى خفض أسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول المقبل، في محاولة لتحفيز النمو الاقتصادي هذه الخطوة تعكس نظرة مستقبلية ضعيفة للاقتصاد وتؤكد عمق الأزمة.
التحديات الديموغرافية والاجتماعية
لا تقتصر التحديات التي تواجه إسرائيل على الجانبين الاقتصادي والعسكري، بل تمتد لتشمل نسيجها الاجتماعي والديموغرافي. فالهجرة العكسية، أو ما يعرف بـ نزيف العقول، أصبحت ظاهرة مقلقة تهدد مستقبل الكيان من الداخل .
وعلى الرغم من تتعدد أسباب الهجرة العكسية، الا ان أبرزها هو تزايد المخاوف الأمنية. فالصراعات المستمرة والحروب المتكررة جعلت أمان الإسرائيليين داخل حدود فلسطين المحتلة محل شك كبير. فيما بات يشعر البعض بنفور متزايد من الهوية الإسرائيلية نتيجة للحرب على غزة والممارسات العنيفة ضد الفلسطينيين هذا الشعور بالنفور، يدفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل وحياة أفضل في أماكن أخرى.
مخاوف الجيوسياسية عميقة
البيئة الجيوسياسية اصبحت معقدة ومتغيرة حيث نجد ان اسرائيل اصبحت الكيان في عزلة متزايدة وتآكل في نفوذه الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الداخلي، هناك عدم وجود اتفاق جماعي على جدوى العمليات العسكرية ومسارها المستقبلي، مما يعكس انقسامًا عميقًا داخل النخبة السياسية والعسكرية والمجتمع الإسرائيلي هذا الانقسام يضعف من قدرة الكيان على اتخاذ قرارات حاسمة وفعالة، ويؤثر على تماسكه الداخلي
اما على الصعيد الإقليمي فتزايدت القدرة على استهداف إسرائيل، سواء من خلال دول أو حركات مقاومة ، مما يزيد من الضعف الامني ويفرض تحديات جديدة غير مسبوقة هذا التغير في موازين القوى الإقليمية يضعف من قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية ويجعلها أكثر عرضة للتهديدات.
وابرز مثال لذلك اليمن التي تجاوز تأثير عملياتها الجانب العسكري المباشر ليشمل الجانب الاقتصادي والسياسي. فبالإضافة إلى استهداف الأراضي المحتلة ، أثرت عمليات اليمن بشكل كبير على الملاحة البحرية المتجهة إلى إسرائيل عبر مضيق باب المندب، هذا التأثير أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مما أضاف عبئًا اقتصاديًا جديدًا على إسرائيل، التي تعاني بالفعل من انكماش اقتصادي حاد كما ذكرنا سابقا .
اما من الناحية السياسية، فإن التأثير السياسي للهجمات اليمنية على إسرائيل يفوق تأثيرها العسكري المباشر. فهي تساهم في إرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتزيد من حالة عدم اليقين، وتفرض ضغوطًا إضافية على قادة الاحتلال الذين يجدون انفسهم في مواجهة جبهات متعددة.
وعلى الرغم من ان الرد الإسرائيلي على هذه الهجمات، والذي تمثل في شن غارات على منشآت وقيادات مدنية التي لم تحقق شئ ، يعكس تصاعد التوترات الإقليمية وتوسع دائرة الصراع، مما يزيد من استنزاف الموارد الإسرائيلية ويشتت انتباهها عن الجبهات الأخرى والدور اليمني، من خلال عملياته المستمرة، يساهم بشكل فاعل في تعميق الشعور بعدم الأمان داخل إسرائيل، ويزيد من العزلة الاقليمية ، ويضعف من قدرتها التركيز على التحديات الداخلية.
هذا التفاعل بين الضغوط الداخلية والخارجية، التي يفرضها الدور اليمني، يدفع إسرائيل بشكل متزايد نحو مسار التراجع والسقوط.
إن المعطيات برمتها ترسم صورة واضحة لمسار تدهور تواجهه إسرائيل. لم تعد قادرة على الحفاظ على صورتها ككيان منيع، بل أصبحت مؤشرات الضعف تتجلى في كل جانب من جوانب وجودها.
كما ان استمرار هذه التحديات وتفاقمها، سيدفع إسرائيل نحو مسار حتمي من التراجع وصولا الى السقوط . فالتآكل الداخلي في النسيج الاقتصادي والاجتماعي، المقترن بالضغوط الخارجية المتزايدة، والتي يساهم فيها الدور اليمني بشكل فاعل، يضع اسرائيل في موقف حرج لم تشهده من قبل و الأيام القادمة قد تحمل تحولات جوهرية في المشهد الإقليمي.
*نقلا عن رأي اليوم
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر