الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / طوفان غزة الذي سيجرفكم جميعا!

طوفان غزة الذي سيجرفكم جميعا!

 

خالـد شــحام*
كيف يمكن للمطر أن يكون مثل القذيفة ؟ وكيف يمكن للشتاء أن يكون مقبرة؟ كيف يمكن أن يموت طفلٌ من البرد؟ هل هذا معقولٌ أيتها الأمة المرتجفة من الخوف من أخوتك الذين يرتجفون في الخيام وعلى ضفاف السيول ؟ اين هو المكان الذي يمكن فيه استخدام الحليب والطعام والدواء والماء كسلاح؟ أين هو المكان الذي يمكن فيه استخدام المطر والبرد والحر مثل المشنقة ؟ كم بلغ تعداد الجبناء في الأمة في موسم القصف ؟ وكم عددكم الان في موسم المنخفضات؟ كم نسمةً تحتاجون أن يموت من أهل غزة كي يرضى بنو قريظة أو يقنع الأشقر الأوكراني؟ كم طفلا تحبون أن ترونهم في الأكفان الصغيرة وكم إمرأةً تريدونها في البكاء بين الليل والنهار ؟ كم صفا من الخيام وكم منزلا منهارا وكم ضحية ترغبون يا أيها المسافرون إلى العار؟ كم مرة تريدون أن تقتلوا غزة؟ أين تذهبون من الله يا أصحاب الجاه والسلطان؟ أين تذهبون من أطفال غزة المحلقين في السماء وأين تهربون من مائة ألف شهيد ؟ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب.
ما تعاينونه الان أيها المتفرجون هو نموذج من السلام الاسرائيلي ، نموذج من الاتفاقيات معهم ، نسخةٌ من التعايش المنتظر والسلام الذي ينادون به ، نموذج من إنسانيتهم التي ينوب عنها أمثال المجرمين نتانياهو وسموتريتش وابن زفير، نموذج من احترامهم لقوانين العالم والاتفاقيات الدولية و حقوق الإنسان ، هؤلاء في حالة حرب دائمة ، إذا لم تكن بالطائرات والدبابات فهي بالدواء والغذاء وبمواد البناء ، وإذا لم تكن بمواد البناء فهي بخنق المعابر ومرور العالقين بين الموت والحياة ، وإذا لم تكن بالمعابر فهي باستخدام الحر والبرد والريح والفيضان ، وإذا لم يكن بكل ذلك فلديهم خبرة طويلة في التاريخ بخلق كل أسباب الفتن والمؤامرات وأعمال القتل والكذب والافتراء ، هذا هو السلام وهذا هو المصير الذي ينتظر الفرحين بالاتفاقيات والذين يدينون المقاومة لأنها قاتلت ودافعت عن أرضها وحقها وشعبها .
تمثل بنود اتفاقية وقف اطلاق النار التي عقدت في شرم الشيخ نموذجا جيدا لفهم الحالة السياسية التي وصل إليها هذا العالم والتي لها معالم أساسية من الجهل واللارحمة واللاأخلاق واحتقار الضعفاء والقتل ، وهي نفس المعايير التي تقاس بها كل القضايا المعلقة في السودان واوكرانيا وفنزويلا والبؤر المحضرة للسعير ، بنود الخطة الترامبية فيها ما يقارب العشرين بندا يتضمن كل واحد منها ألف خازوق وألف علامة استفهام وألف علامة تعجب ، السياسة الأمريكية بقيادة الرئيس الملهم تريد حل معضلة غزة والقضية الفلسطينية وصراعات الشرق الأوسط بعقد اجتماعات ديكورية ومؤتمرات صحافية تجمع اطراف الصراع على الهواء ، حيث يحرك ترامب يديه بحركات بهلوانية ويؤكد على عظمة الجالسين ثم يرش بضع كلمات بأن السلام جيد ومتين فوق أكوام من الأزمات المحتقنة التي توشك على الانفجار ، الكيان الصهيوني يريد وضع يده على الشرق الأوسط بأكمله ويريد جعل (اسرائيل) أكبر حجما من الشرق الاوسط ذاته ، لكن المشكلة أن الفريسة أضخم بالمقياس من فم الثعبان ، كيف يريد نتانياهو ان يفعل ذلك ؟ هو نفسه لا يعرف ، وما يعرفه فقط هو الجرافات التي تقلع اراضي الضفة والطائرات التي تقصف بلا هوادة في غزة ولبنان وسوريا وكأنها مصابة بنفس سعار أصحابها ، لبنان برئاسته وكوادره وسياسييه المحدثين لا يمتلك اي نوع من الرؤية أو محددات الأمن القومي حيث اختفى هذا المصطلح تماما من مفردات نواف وعون وجاءت مكانها كلمات وزير الخارجية بالأمس الذي لخص لكم كل الحكاية ، ما لدى لبنان الان هي مجموعة املاءات تمثل خطة انتحار ذاتي ، سوريا وفي غمرة الاحتفالات بسقوط النظام المخلوع لديها خطة أيضا ، ولكنها خطة لا أحد يعرف ماهيتها ولا أين تذهب بسوريا وهي أقرب إلى رحلة في زورق يعبر نهرا مجهول المصير ، بلاد العرب التي تتباهى بالأمان والنجاة من اليد الطولى لمغامرات نتانياهو وتمارس العيش بأبهى صوره لا تمتلك أية رؤية ولا أي نوع من التفاصيل حول تفاصيل السيادة أو الأمن القومي أو المصير، حيث ذابت هذه المصطلحات وتحولوا كلهم إلى جرافات وحفارات تنقب عن جثة آخر أسير اسرائيلي ، في الحقيقة إن شكل النظام في هذا العالم لا يختلف كثيرا عن المنظر المأساوي لغزة والخيام مع المطر والطين والعذاب ، ويبدو أن لعنة غزة ستطالهم جميعا.

الأمن القومي الوحيد الذي يهيمن على المنطقة بأكملها هو الأمن الاسرائيلي ولأجله يجب أن يتم حرق كل شيء وقتل كل شيء ، ليس المطلوب في لبنان تجريد حزب الله من سلاحه ، ولا في غزة تشليح حماس من سلاحها في المرحلة الثانية ، المطلوب هو تجريد الشعوب العربية من كرامتها وآخر حقوقها في الوجود والحيــاة والبقاء ، الامن القومي الاسرائيلي اليوم اصبح حزمة مشاريع للجريمة المنظمة والارهاب الذي تسوقه دولة بأكملها ، حزمة تتضمن في داخلها طرج سكان غزة الى الصحراء أو أي مكان مجهول ، حزمة تتضمن سحق لبنان وسوريا وتحويل العرب الى قطعان من الاغنام والقبائل المتناحرة التي تعتاش بحبل سري مشبوك مع اوامر الموساد وخطط الخارجية الصهيونية ، إن الكيان الصهيوني لا يريد مناطق خالية من السلاح لحفظ حقه في الأمن وعدم الاعتداء ، وهو لا يريد تطبيعا ولا هو بحاجة لهذا المفهوم بعد الان ، وهو ليس بحاجة لاتفاقيات أمنية ولا عقود صيانة للحدود ، هذا العدو يريد ابتلاع المنطقة كاملة بكل معطياتها وما فيها وما فوقها وتحتها ، هؤلاء لا يريدون مناطق منزوعة السلاح ، بل يريدون مناطق منزوعة من البشر .
العدو الصهيوني على موعد مع مهمتين خطيرتين حاك حولهما كل جهوده وجنده وامكاناته لاحكام الاغلاق عليهما في انتظار المهمة الثالثة والاخطر ، المهمتان هما نزع المقاومة تماما من غزة وتفريغها وإذلال أهلها ، والثانية هي نزع حزب الله وعزله وتفكيك هيكله التنظيمي ، تفترض جميع التحليلات ان هذين المعقلين جاهزان للتسليم ، والعدو وصل الى نقطة القوة الكافية لعمل ذلك دون ان يقف احد بوجهه ، لكن الحقيقة التي لا يمكن ذكرها في وسائط الإعلام العربي-الاسرائيلي بأن هذا العدو منهك ومذعور وهو أضعف بما يمكن تخيله ، ولولا سلاح الطيران وتحالف الأحزاب لما صمد يوما واحدا ، والحقيقة الأخرى التي لا يمكن رؤيتها هي أن هذه الشعوب لا يمكن أن تستسلم أو تنحني مهما قتل العدو وتجبر ولن تنتهي المقاومة لا في غزة ولا لبنان ولا سوريا ولا أي موقع فيه روح عربية.
قبل عبور المنخفض الجوي إلى فلسطين تناقلت مواقع التواصل كلمات محلل الأرصاد الجوية الصهيوني القذر في إحدى القنوات وهو يتنبأ شامتا بأنه لن تبقى خيمة واحدة صبيحة يوم الجمعة في غزة ، وذكر بأن ما لم يحققه جيشه طيلة سنتين سيتكفل به المطر والسيل في عاصفة واحدة ، تمنى هذا المجرم ألا يبقى بشرٌ وليس الخيام فحسب ، وطالب جمهوره بترصد نهاية غزة يوم الأحد حيث لن تبقى خيمة واحدة وستكون غزة قد غرقت كليا ، ثم أقسم أن لن يقدر عليه أحد !
كلا إنها غزة ، حيث أرض الطوفان الذي سيجرفكم ويطهر الأرض منكم ، كلا إنها أرض العزة والكرامة حيث تلقي العواصف كلماتها وتنحني أمام المؤمنين الصابرين المجاهدين وتقيم صلواتها مع صفوف الذين حاربوا الأحزاب ، كلا إنها أرض الأنبياء والشهداء ولن تقتلع جذورنا منها لا عاصفة الأرض ولا عاصفة الأحزاب .
لم يدمر المنخفض الجوي الخيام وغزة كما لم يدمرها جيشكم الجرار ولم تدمرها طائرات الإف35 المجرمة ، لكن طوفان غزة قتل الفكرة الصهيونية وألحق بها هزيمة ستمتد إلى الأزل ، لم يخسر الطوفان ولكن خسرت الأمة التي لم تحتضنه ولم تعانقه ، لم ينهزم الطوفان ولكن هزمت الأمة التي لم تلحق به وتتعلق بثوبه ، ، لقد جرفت السيول غزة والخيام والمساكين المقيمين في العذاب العربي والاسرائيلي ، لكن طوفان غزة سيجرفكم جميعا من الأنظمة العربية والغربية ومجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومجالس حقوق الإنسان والاتحادات الشرقية والغربية ، سيجرفكم جميعا ويضعكم أمام الحساب وأمام محكمة الله التي ستحاسبون أمامها وتفهمون لماذا يموت أطفال غزة من البرد والجوع والمرض .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …