الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / هل فعلا تغيّرت واشنطن؟!

هل فعلا تغيّرت واشنطن؟!

د. شهاب المكاحله*

قبل أيام وفي ورشة عصف فكري في إحدى مراكز الفكر العالمي في واشنطن، قدمت ورقة عمل بعنوان: “هل اختفت الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية؟” أثارت تلك الورقة التي ركزت على تحوّلات النظام السياسي الأمريكي وتراجع دور مؤسساته التقليدية لمصلحة دائرة ضيقة من المستشارين المقربين من الرئيس، نقاشاً مهماً يستحق التوقف عنده بهدوء وتحليل أعمق، بعيداً عن الانطباعات المتسرعة أو القلق المفهوم لدى العواصم العربية.
لا شك أن الولايات المتحدة تمرّ بمرحلة غير تقليدية، وأن إدارة الرئيس دونالد ترامب كسرت كثيراً من الأعراف السياسية والإدارية التي حكمت واشنطن لعقود. كما أن الإرباك الذي أصاب وزارة الخارجية، وتراجع حضور الدبلوماسية المهنية، وتوتّر العلاقة بين البيت الأبيض وبعض المؤسسات الأمنية، كلها ظواهر حقيقية لا يمكن إنكارها.
لكن السؤال الأهم ليس: هل تغيّرت الولايات المتحدة؟ بل: كيف تغيّرت؟ وهل يعني ذلك تلاشي الدولة المؤسسية؟
ما يظهر اليوم في واشنطن هو انتقال مركز القرار السياسي إلى مستوى أكثر شخصنة وأقل مؤسسية من حيث الخطاب والإدارة اليومية. غير أن هذا التحوّل يطال شكل اتخاذ القرار أكثر مما يطال مضمون القوة الأمريكية.
لا خلاف على أن إدارة ترامب أعادت مركز الثقل التنفيذي إلى البيت الأبيض، وقلّصت الدور العلني لوزارة الخارجية، وأربكت العلاقة التقليدية بين الرئيس والمؤسسة الأمنية. كما لا يمكن إنكار صعود دور شخصيات مثل جاريد كوشنر، ستيف ويتكوف، أو توم باراك في ملفات إقليمية حساسة.
فالمؤسسات التي يُقال إنها باتت خارج التأثير— البنتاغون، الاستخبارات، وزارة الخارجية — لم تُلغَ، ولم تُستبدل، بل أعادت التموضع. تعمل بصمت أكبر، ومرونة أعلى، وأحياناً بنزعة دفاعية تجاه البيت الأبيض، لكنها لا تزال تتحكم في أدوات التنفيذ، وتملك القدرة على إبطاء أو تعديل أو حتى احتواء القرارات السياسية.
بمعنى آخر، ما تراجع هو الظهور العلني للمؤسسة، لا دورها البنيوي.
هنا لا بد من التأكيد على صعود دور المستشارين المقربين من الرئيس لكن المهم في هذا السياق التمييز بين النفوذ السياسي لهؤلاء والقدرة المؤسسية.
فالمستشار يستطيع التأثير في القرار، توجيه بوصلة النقاش، أو تسريع مسار معيّن، لكنه يظل في نهاية المطاف: بلا جهاز تنفيذي وبلا غطاء قانوني مستقل وبلا قدرة على الاستدامة خارج الظرف السياسي. فالتجربة الأمريكية مليئة بمستشارين نافذين مرّوا سريعاً وتركوا أثراً محدوداً، بينما بقيت المؤسسات — ببطئها الشهير— هي الضامن الوحيد للاستمرارية.
نعم، الحزبان الديمقراطي والجمهوري “لم يعودا موجودين كما نعرفهما” من قبل وهو ما يعكس واقع التفكك الداخلي والتناقضات الأيديولوجية داخل كل حزب. غير أن هذا لا يعني انهيار النظام السياسي، بل انتقاله إلى مرحلة تعدد مراكز النفوذ داخل الحزب الواحد.
فالاستقطاب الحاد، رغم خطورته، لم يمنع استمرار: التشريع، التمويل، الرقابة وصياغة السياسات الكبرى. وهي وظائف لا تُدار من غرفة مستشار، بل من شبكة مؤسسات متشابكة.
هنا ينبع القلق العربي والأردني على وجه الخصوص. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذا القلق إلى قناعة بأن “الأبواب أُغلقت بالكامل”. فتاريخ العلاقات الأردنية – الأمريكية يُظهر أن عمّان نجحت غالباً عندما خاطبت واشنطن كمؤسسات، لا كأشخاص، وكمنظومة مصالح لا كتحالفات ظرفية.
فالتحوّل الحالي لا يفرض الانسحاب من المشهد الأمريكي، بل يتطلب: صبراً استراتيجياً وتنويع قنوات التواصل واستثماراً طويل الأمد في الفهم العميق للدولة الأمريكية لا لخطاب إدارتها فقط.
إن ما يجري في الولايات المتحدة يلفت النظر حتى وإن ُقرأ بوصفه إعلاناً عن نهاية الدور المؤسسي الأمريكي، وهو استنتاج يحتاج إلى مراجعة. فالولايات المتحدة لم تتحول إلى “دولة مستشارين”، بل إلى دولة تعيش توتراً بين الشخصي والمؤسسي، بين الضجيج الإعلامي والعمل الصامت.
التجربة الأمريكية، بخلاف كثير من الأنظمة، لا تسمح بتعطيل الدولة عبر الأشخاص مهما بلغ نفوذهم. البنتاغون لا يُدار بالهمس، والاستخبارات لا تُفرّغ بقرار رئاسي، والسياسة الخارجية لا تُنفّذ خارج شبكة القوانين، الموازنات، ولجان الكونغرس.
فحتى في ذروة “ترامبية” القرار: الجيش الأمريكي لم ينسحب من الشرق الأوسط كما أُعلن سياسياً والعقوبات تُصاغ مؤسسياً وتُنفّذ بيروقراطياً كما. أن التنسيق الأمني مع الحلفاء استمر رغم التصريحات المتقلبة.
ومن يقرأ واشنطن من خلال الضجيج فقط، قد يخطئ تقدير اتجاهها الحقيقي.
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

رأيت ذات فيلم!

محمد القاسمي* رغمَ عشقي للأدبِ الإنجليزي الكلاسيكي، لم أكن يومًا من هواة أعمال «وليام شكسبير»، …